شملت شقيق الشرع ووزيرين و4 محافظين… ما دلالات تغييرات المناصب الحكومية في سوريا؟


دمشق – “القدس العربي”: ترك انطلاق قطار التعديل الذي أجراه الرئيس السوري أحمد الشرع، وطال عدداً من المناصب الحساسة في الدولة، ارتياحاً أولياً في الشارع السوري، الذي كان يعيش حالة من الضغط المعيشي الاجتماعي، وهو وإن جاء محدوداً وأقل من المأمول، لكنه وحسب أوساط مراقبة، ليس محدود الدلالة، وسط مؤشرات بأنه لن يكون نهاية المطاف، بل مقدمة لإعادة هيكلة أشمل.

مراسيم التعديلات

وأصدر الشرع، السبت، مجموعة مراسيم قضت بتعيين أمين عام جديد لرئاسة الجمهورية، واستبدال وزيري الإعلام والزراعة، إضافة إلى محافظي اللاذقية والقنيطرة ودير الزور، وظهر لافتاً انتماؤهم للفئة الشابة التي ميزت الجميع، بحيث تراوحت أعمارهم بين 36 و48 سنة.

وضمن إعادة ترتيب مؤسسات الدولة والإدارة التنفيذية، تم تعيين عبد الرحمن بدر الدين الأعمى (39 سنة)، والذي كان يشغل منصب محافظ حمص منذ انتصار الثورة، في كانون الأول/ ديسمبر 2204، أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية، بدلاً من شقيق الرئيس السوري ماهر الشرع، وقبلها شغل الأعمى منصب مدير الهيئة المركزية للتخطيط، إضافة إلى عمله وزيراً للتنمية والشؤون الإنسانية في حكومة الإنقاذ السورية بين عامي 2018 و2021.

والتعديل طال وزير الإعلام، فخرج حمزة مصطفى وتم تعيين ابن دمشق، خالد فواز زعرور (36 سنة)، والأخير يحمل دكتوراه في الإعلام الرقمي من الجامعة اللبنانية، وشهادة الماجستير في تقييم وتطوير المؤسسات الإعلامية من الجامعة ذاتها، إضافة إلى إجازة في الإعلام من جامعة دمشق وكان يشغل منصب عميد كلية الإعلام في جامعة دمشق منذ آذار/ مارس عام 2025.

بدلاً عن ابن السويداء أمجد بدر، تم تعيين باسل حافظ السويدان (42 سنة) وزيراً للزراعة

وبدلاً عن ابن السويداء أمجد بدر، تم تعيين باسل حافظ السويدان (42 سنة) وزيراً للزراعة، وكان يشغل منصب معاون الوزير، ومدير قطاع الزراعة والثروة الحيوانية في الصندوق السيادي، ويرأس لجنة مكافحة الكسب غير المشروع، بالإضافة إلى عضو في لجنة الاستيراد والتصدير.

وعلى مستوى المحافظات، جاء مرهف خالد النعسان (42 سنة)، والذي كان يشغل منصب قائد الأمن الداخلي في حمص، محافظاً لها، بديلاً عن الأعمى الذي انتقل إلى أمانة رئاسة الجمهورية، وبات غسان إلياس السيد أحمد (48 سنة) محافظاً للقنيطرة، بعد أن كان محافظاً لدير الزور منذ آذار/ مارس 2025، ويحمل إجازة في الحقوق من جامعة حلب، وشهادة الماجستير في القانون الدولي، إلى جانب دبلوم في العلوم الجنائية.

كما تم تعيين زياد فواز العايش (39 سنة) محافظاً لدير الزور، وشغل سابقاً مناصب عدة في حكومة الإنقاذ في إدلب، ومنذ شباط/ فبراير 2026 شغل العايش منصب المبعوث الرئاسي لمتابعة اتفاق الحكومة مع “قوات سوريا الديمقراطية- قسد”، وشارك في صياغة اتفاقيات التسوية وتنظيم استلام المؤسسات المدنية، إضافة إلى عضويته في اللجنة المركزية للتفاوض مع “قسد”.

والتعديلات طالت أيضاً اللاذقية، فعين أحمد علي مصطفى (41 سنة) محافظاً جديداً لها، بدلاً من محمد عثمان.

تصحيح الأداء

ورحبت أوساط سورية مختلفة بمراسيم التعديل السابقة، واعتبر البعض أنها اعتمدت على الكفاءة والخبرات، وإن كانت التوقعات والآمال تتجه نحو تعديل أوسع.

وفي تصريح له لـ”القدس العربي”، قال الأكاديمي والباحث السياسي وائل مرزا إن التعديل ظهر وكأنه محدود من حيث العدد، لأنه شمل حقيبتين فقط هما الإعلام والزراعة، لكنه ليس محدود الدلالة، موضحاً أنه لا يبدو تعديلاً شاملاً للحكومة بقدر ما هو رسالة أولى باتجاه تصحيح الأداء، واختبار آلية التغيير داخل المرحلة الانتقالية.

وبين أن تعيين زعرور للإعلام، والسويدان للزراعة، يشير إلى الاهتمام بملفين حساسين: إدارة الخطاب العام، وملف الزراعة المرتبط مباشرة بالأمن الغذائي وقوت الناس.

حلقة الاتصال

وأوضح أن إقران التعديل الوزاري بتغيير محافظين يعني أن الرئاسة لا تنظر إلى المشكلة من زاوية الوزراء فقط، بل من زاوية الأداء التنفيذي على الأرض، فالمحافظون هم حلقة الاتصال اليومية بين الدولة والناس، وأي حديث عن الخدمات والمعيشة والأمن المحلي والتماسك المجتمعي، لا يكتمل من دون الإدارة المحلية، مشيراً إلى أن التغييرات شملت محافظات حساسة مثل حمص، واللاذقية، ودير الزور، والقنيطرة، وهي محافظات ذات دلالات أمنية واجتماعية واقتصادية مختلفة، خصوصاً دير الزور بما لها من أهمية مرتبطة بالموارد والنفط.

تعيين الأعمى أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية خلفاً لماهر الشرع، يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها تخفيف حساسية الروابط العائلية داخل موقع شديد القرب من مركز القرار

وأكد أن تعيين الأعمى أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية خلفاً لماهر الشرع، يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها تخفيف حساسية الروابط العائلية داخل موقع شديد القرب من مركز القرار، مشيراً إلى أن هذا مهم لأن الرأي العام حساس جداً تجاه أي مظهر يُذكّر بمنطق العائلة والقرابة في إدارة الدولة.

وقال إن المرسوم لا يلغي كل الأسئلة حول بنية الحكم والمشاركة بطبيعة الحال، لكنه يُظهر أن القيادة تلتقط بعض الإشارات النقدية، وتدرك أن شرعية المرحلة لا تُبنى فقط بالقرارات الكبرى، وإنما أيضاً بالرموز والانطباعات: من هو قريب من مركز القرار؟ وبأي صفة؟ وعلى أي أساس؟

ولم يستبعد مرزا أن تشهد الفترة المقبلة تغييرات جديدة، وقال إن المعطيات تشير إلى أن هذا التعديل ليس نهاية المطاف، بل مقدمة لإعادة هيكلة أشمل، لأسباب عدة أبرزها الضغط الشعبي الذي لا يهدأ، فالأصوات تطالب بتغيير وزراء الاقتصاد والمالية والطاقة، وربما غيرهم، ولن تسكت بهذا التعديل، وستعود بقوة إن لم تتحسن مؤشرات المعيشة.

وربط التعديلات القائمة بمجلس الشعب، وقال إنها جاءت في وقت كان فيه مجلس الشعب يستعد لعقد جلسته الافتتاحية، وهذا المسار التشريعي الناشئ سيُولّد ضغطاً مؤسسياً يصعب تجاهله.

حمص مرتاحة

وأكدت التعديلات عن الرضا تجاه تجربة الإدارة في حمص خلال السنة الماضية، وقالت مصادر من المدينة، فضلت عدم الكشف عن اسمها، إن أهم ميزات الأعمى تجربته الإدارية إن كانت في الشمال، أو بعد استلامه مهامه كأول محافظ لحمص منذ انتصار الثورة إلى اليوم، حيث ركز على مؤسسة أجهزة المحافظة وفق رؤية استراتيجية استطاعت إعادة إطلاق الدوائر والمؤسسات الحكومية والمحلية وانتشالها من حالة الدمار والتفكك والترهل إلى الإنتاج والتكامل، كما استطاعت زرع التعايش وإبعاد المحافظة عن شبح الانفجار الطائفي الذي كان متوقعاً، مع وضع اللبنات الأولى لمشاريع اقتصادية واجتماعية وثقافية ستظهر نتائجها خلال الفترة المقبلة.

الأعمى اتبع أسلوب الانفتاح على كل الطوائف في التعيينات الإدارية من دون اقصاء أحد

وذكرت المصادر بأن حمص كانت تعيش حالة استقطاب كبيرة، وما زالت إلى درجة معينة، ولكن النجاح في إدارة هذا الاستقطاب بين السنة والعلوية والمسيحيين وحتى ضمن الحاضنة الثورية وبين أبناء الطائفة السنية ممن بقي يعيش تحت سلطة النظام الساقط ومن عاد من الشمال، كانت من أكبر التحديات التي واجهت الأعمى وفريق إدارة المحافظة، والنجاح في إدارة هذا الملف بحكمة وهدوء جنب المحافظة الانفجار الطائفي المتوقع والمتخوف منه، وخصوصاً أن أحياء السنة والعلويين متلاصقة، كما هو الحال بين النزهة وباب السباع، والعباسيين ودير بعلبة، فلم نشهد حالات تضييق أو مغادرات جماعية من المدينة.

أسلوب الانفتاح

وذكرت المصادر بأن الأعمى اتبع أسلوب الانفتاح على كل الطوائف في التعيينات الإدارية من دون اقصاء أحد، سواء من كان باقياً في المدينة أو ممن عاد إليها من الشمال أو من المغتربين، على خلاف تعقيد إدارة هذا الملف في محافظات سورية أخرى، من دون أن ننسى أن التعيينات كانت دوماً محل مراجعة، بحيث لا يتم التردد باستبدال من لم يستطع إثبات نفسه في الوظيفة التي تسلمها بآخر دون النظر إلى أي اعتبارات سوى الكفاءة والمهنية.

وبينت أن نجاح الأعمى، كواحد من أبناء المحافظة، في مؤسسة الدوائر الحكومية والخدمية وإعادة اطلاقها، إضافة إلى تجنيب حمص الانفجار الطائفي، هي من أبرز العوامل التي كانت وراء انتقائه لشغل منصب الأمين العام لرئاسة الجمهورية، بهدف ربما تعميم هذه التجربة على كامل مساحة الدولة.

وتطرقت المصادر للعوامل التي أدت إلى نقل مرهف النعسان، من قيادة الأمن الداخلي في حمص إلى قمة الهرم في المحافظة.

تطرقت المصادر للعوامل التي أدت إلى نقل مرهف النعسان، من قيادة الأمن الداخلي في حمص إلى قمة الهرم في المحافظة

وقالت إن العميد مرهف هو أيضاً ابن المحافظة وعاش تجربة الحصار كاملة، وكان على تواصل وتنسيق دائمين في السياسات التي قادها المحافظ الأعمى، إنْ في اتجاه المؤسسة أو إبعاد شبح الانفجار الطائفي، كما نجح بشكل لافت في تراجع معدلات الجريمة والانفلات الأمني، عبر تركيزه على التوازن الاجتماعي والطائفي.

ورجحت المصادر أن يواصل خط إعادة بناء المحافظة، ذات المنهج الحالي، لأن محافظها الجديد هو واحد من أعمدة اتخاذ القرار التي وضعت وساهمت في ترسيخ الاستقرار في المحافظة، مشيرة إلى أن الأعمى والنعسان هما من أبناء البيئة الثورية ومن قيادات هيئة تحرير الشام في الشمال، وبالتالي فإن طاقم العمل، الذي شهد العديد من التعيينات أخيراً، وخصوصاً في مديريات الثقافة والأوقاف والبريد، لن يتعرض على الأغلب لتغييرات لافتة، وكذلك الحال بالنسبة لأسلوب ومنهج الإدارة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *