هل يمكن أن يصير الدين عرقاً؟


أثار تعبير «إسلاموفوبيا» كثيراً من الجدل في الدول الغربية، ما يفقده صفة «المصطلح»، رغم محاولات تعريفه وضبطه الكثيرة، من المستوى المعجمي حتى القانوني، إذ لم تصطلح الأطراف المختلفة حول معناه وحدوده، وأهمية وجوده أصلاً، فبينما تراه أطراف كثيرة، خاصة في ما يسمى «يساراً» أو يساراً ليبرالياً في الغرب ضرورة لمواجهة العنصرية ضد المسلمين، ومناهضة التوجّه اليميني المتطرّف، الذي يميل إلى تحديد جذور «نقيّة» للحضارة الغربية، تستبعد المسلمين وغيرهم، ترى أطراف أخرى، من اليسار واليمين، أن التعبير مُلفّق من الأساس، وصيغ لمصلحة جماعات الإسلام السياسي، والرجعية الدينية عموماً، لحظر نقد الدين، وممارسات الإسلاميين في الشرق والغرب. كما أنه خاطئ ومتناقض بنيوياً، فالإسلام ليس عرقاً كي تصبح مناهضته عنصرية، وربما لو كان اللفظ «مسلموفوبيا» (رُهاب المسلمين) لكان له معنى فعلاً، أما «إسلاموفوبيا» (رُهاب الإسلام) فليس إلا طريقة للحد من حريّة التعبير، خاصة أن نقد الدين، كان من أسس التنوير في الغرب.
رد الليبراليين كان أن المسلمين يجب أن لا يكونوا مقبولين بوصفهم أفراداً فحسب، بل بوصفهم ثقافةً ومعتقداً يستحق الاحترام والحماية، ومهاجمة الرموز الدينية قد تكون تحريضاً على البشر، ومقدّمة للهجوم عليهم، كما أن المسألة تتعلّق بنوع من العنصرية الثقافية، حتى لو لم يكن المسلمون عرقاً، ولذلك يتمتع تعبير «الإسلاموفوبيا» بأهمية مماثلة لتعبير «معاداة السامية».
التيارات الأكثر راديكالية ترى أن التعبير مهم لنقد ادعاءات الغرب عن ذاته، بل لتفكيك العقل والحداثة الغربية نفسها، التي قامت دوماً على الاستبعاد، والتهميش، وبناء الذات على أساس تصنيف الآخر، ووضعه في قوالب جامدة، ثم ممارسة العنصرية ضده.
لا نهاية لذلك الجدل، الذي وصل في فرنسا مثلاً إلى درجة البحث في الأرشيفات لمعرفة متى ظهر التعبير وانتشر بالضبط، هل بعد انتصار الثورة الإيرانية، في محاولة من الخمينيين لحظر نقد الإسلام السياسي، واستغلال العقدة الغربية تجاه التعرّض للاتهام بالعنصرية؟ أم أنه يعود لبدايات القرن الماضي، ولاحظه مستشرقون قدماء. وبغض النظر عن الإجابات، ونقد الإجابات، والنقاشات الطويلة حادة النبرة، فإن تعبير «إسلاموفوبيا» يبقى ضعيفاً مفاهيمياً، أياً كانت أصوله وما يشير إليه حقاً، ما يجعله غير صالح نقدياً، سواء لنقد المجتمعات الغربية المعاصرة، أو لتحليل العنصرية والتمييز (وهي ظواهر خطيرة وموجودة فعلاً) وذلك لأسباب كثيرة، منها اعتماده على مبدأ «الرُّهاب» وليس العداء، والرُّهاب عموماً خوف غير عقلاني، أسبابه غير واعية، وكأن أنصار التعبير يريدون الغوص في لا وعي خصومهم، بل لا وعي حضارتهم بأكملها، ما يجعل المصطلح شديد الاتساع، ويمكن مدّه وإلصاقه بأي قول أو فعل. كما أنه يحوّل العنصرية، وهي فعل عدائي واعٍ، وعلاقات قوة وهيمنة، إلى ما يشبه المرض، الذي يجب العلاج منه، وليس الفعل السياسي الذي يستوجب المكافحة. يبدو مناهضو «الإسلاموفوبيا» وكأنهم مُحتكِرون لـ»الصحة النفسية» فيما يتعلّق بالتعامل مع التعددية الثقافية، وغيرهم مجرد مُعتَلين، ما يضيّع الحجّة والفكرة من الجدل، وجذوره الاجتماعية والأيديولوجية. لا يمكن بناء فكر على أساس ادعاء الصحّة من الرُّهاب.
الأهم من هذا أن تعبير «إسلاموفوبيا» لا يوضّح موضوعه حقاً، هل هو الدين، أم العرق، أم الإثنية، أم الثقافة، أم الطبقة؟ أم كل هذا معاً وبشكل «تقاطعي»؟ إذا كان المقصود الدين والثقافة، بإحالاتهما إلى العرق والطبقة، فهذا لا يعدّ دقيقاً على الإطلاق مفاهيمياً، فالمسلمون بالفعل ليسوا عرقاً، ولا يدّعون هذا، وليست لديهم أسطورة مؤسسة عن أصل واحد؛ فيما قد يكون كثيرٌ منهم من فئات فقيرة من المهاجرين إلى الغرب، ولكن التعبير يُستعمل حتى في نقاش النظرة حول الدول الإسلامية الغنيّة، ما قد يجعله مجرّد كلام مرسل، لا هدف منه إلا تقريظ وذم «الغرب» على نظرته العنصرية، العابرة للتاريخ والتحديدات، تجاه «الإسلام».
في كل الأحوال لا يمكن مساواة التعبير مفاهيمياً بمصطلح «معاداة السامية»، الذي يشير إلى سلسلة واضحة ومتينة من المفاهيم، وهي العرقنة الحديثة لليهود (جعلهم «ساميين» في المنظور العرقي الغربي)، وربطهم بالمظاهر السلبية في الحداثة والرأسمالية، واعتبارهم «الأقلية التامة»، التي تسبب مشاكل في بناء وحدة الأمم، وظاهرة غريبة على جسد الأمة الطبيعي. تتعلّق «معاداة السامية» بالقومية، والدولة القومية، والتحديث، والرأسمالية ومناهضة الرأسمالية، والنظرية العرقية، وعرقنة الدين والثقافة، فيما لا ندري بماذا يتعلّق تعبير «إسلاموفوبيا»، إلا التصورات الغامضة لبعض النخب الغربية، التي تقطن المدن الكوزموبوليتية الكبرى، عن التعددية الثقافية والتسامح والانزعاج من «الرجل الأبيض».
لجعل التعبير مفهوماً حقاً، فربما يجب قياسه وتعديله بمفاهيم أقوى، مثل مفهوم «العرقنة»، أي التحويل إلى عرق، ثم ممارسة العنصرية تجاه العرق، التي قد تصل إلى حد الاستئصال. هل يتعرّض الإسلام لعملية عرقنة؟ قد تكون الإجابة «نعم»، إذ يُعامل المسلمون وكأنهم جنس واحد؛ وثقافتهم كأنها سمات عرقية، مثل لون البشرة وتكوين الجمجمة، إلا أن هذه العرقنة ليست فقط من طرف اليمين، بل من طرف مناهضي «الإسلاموفوبيا» أنفسهم، الذين لا يختلفون عن خصومهم بتحويل سمات ثقافية إسلامية متنوعة إلى ما يشبه «الحدّ العرقي»، الذي يجب عدم المساس به. النساء مثلاً لا يولدن وعلى رؤوسهن حجاب، ولذلك فنقد الحجاب ليس هجوماً عليهن، بل نقداً لرمز ثقافي وسياسي، فيما اليمين المتطرّف يعتبره أقرب لدلالة عرقية على التخلّف، جوهرية ولازمة في المسلمين، أما «اليسار» فيراه رمزاً لـ»الفخر» و»التمكين»، وكأنه سمة عرقية طال تهميشها، ما يغطي، عند الطرفين، العلاقات السياسية والاجتماعية المعقدّة، التي جعلت الحجاب أقرب لـ»فيتيش»، تدور عليه معارك الهوية؛ ونسيان تاريخ فرضه وانتشاره، وهو ليس قديماً أبداً، ووصوله إلى شكله ومعناه الحالي.
قد يتطلب الخروج من هذه الدائرة المفرغة نقداً جذرياً لعرقنة الإسلام، من اليمين واليسار، وما ينتج عنها من عنصرية؛ وكذلك نقد الفيتيشية، التي تجعل منتجات ثقافية واجتماعية متغيّرة ومتبدّلة أوثاناً لا يمكن المساس بها. تعبير «إسلاموفوبيا» المائع وغير المحدد، والقابل بسهولة لإساءة الاستخدام، لن يساعد أبداً في هذا النقد، بل سيعرقله بالضرورة. الأجدى الحديث عن «عنصرية ناتجة عن عرقنة المسلمين» (واختصاره بـ»عرقنة الإسلام») وليس «إسلاموفوبيا»، فهذا يساعد على تقديم توصيف أدق للآليات التي يُختزل عبرها المسلمون إلى ما يشبه عرقاً ثابتاً، ومن ثم معاقبتهم على سماتهم العرقية المٌتخيّلة، أو ممارسة «تمييز إيجابي» بحقهم.
جماعات الإسلام السياسي لعبت أيضاً دوراً كبيراً في العرقنة، ليس فقط في الدول الغربية، بل حتى في منطقتنا، إذ تحاول أن تبني أمماً، على أساس نمط معيّن من المعتقدات والشعائر، التي يجب ضبطها عبر الأمة ودولتها، وتخلص إلى تفوّق المسلمين على غيرهم، و»أستاذيتهم للعالم». وكان من المتوقّع أن تستخدم تعبير «إسلاموفوبيا» (إن كانت ليست الطرف الذي نشره أصلاً) لتحصين مشاريعها من النقد، وتحويل المسلمين في الدول الغربية، على اختلافهم، إلى ما يشبه عرقاً أقلوياً، يمكن الاستثمار به سياسياً، وجعله ورقة ضغط في الغرب، وبذلك قد تتقاطع مصالحها، سياسياً وأيديولوجياً، مع «اليسار» الناشطي المناهض لـ»الإسلاموفوبيا»، وكذلك مع اليمين نفسه أحياناً. ولكن هل عملية العرقنة هذه ناجحة على المدى البعيد؟ وإذا كانت تؤدّي بالضرورة إلى أصناف مركّبة من العنصرية، فكيف يمكن مواجهتها، والتعاطي مع الأسباب والعوامل التي أدت إليها في الوقت نفسه؟

الدين والإثنو دين

ربما من أكبر الانتقادات المفاهيمية، التي يمكن توجيهها لتعبير «إسلاموفوبيا» وأنصاره، هو عدم قدرته، أثناء قيامه بـ»العرقنة»، على التمييز بين الدين والمجموعات الإثنو دينية، والفرق شاسع بين المفهومين. ولتبسيطه قدر الإمكان يمكن القول إن سؤال الدين هو: «بماذا نؤمن؟ وكيف نؤمن؟»، أما سؤال الإثنو دين فهو: «مَنْ نحن بوصفنا مجموعة؟ وما دور الدين في أن نكون أنفسنا؟». الأديان العالمية مثل الإسلام والمسيحية تساهم في الإجابة على سؤال «مَنْ نحن؟»، ولكنه ليس سؤالها المركزي، وتجيب بطريقة بعيدة عن الإثنية، فهي توحّد البشر عبر إعطاء إجابات كونية عن الإنسان، وعلاقته بالمتعالي، ومعنى الوجود، والطقوس العابرة للثقافات، والقادرة على التأثير والتأثّر بها؛ أما الإثنو دين فهو على عكس ذلك، يسعى إلى إنتاج مجال الخصوصية، فحتى لو كان ابن المجموعة الإثنو دينية مسلماً أو مسيحياً أو من أتباع أي دين عالمي، فهو يبحث أولاً عمّا يميّزه عن بقية أتباع الدين، والأديان الأخرى، فما بالك إن كان من أتباع دين محلي، أو مغلق، أو غير تبشيري.
«الإسلام» بعموميته لا يمكن أن يتحوّل إلى إثنو دين، رغم وجود مجموعات إثنو دينية إسلامية كثيرة حول العالم، وبالتالي فلا تصحّ الإشارة إلى مسلمين في الغرب، يعتبرون أنفسهم جزء من إسلام عالمي، ويسعون إلى تجاوز حدود الجنسية واللغة والطبقة فيما بينهم، ثم اعتبارهم أقرب لجماعة إثنو دينية أقلوية مضطهدة في الدول الغربية. ولذلك فهناك تناقض بين الكونية الإسلامية والنزعة الأقلوية، الطالبة للحماية، في تعبير «إسلاموفوبيا» وبين حامليه. فيما اليهود مثلاً كانوا مجموعة إثنو دينية بالفعل، تحوّلت إلى قومية حديثة مع الحركة الصهيونية. الفشل المفاهيمي في تعبير «إسلاموفوبيا» يمتد أيضاً إلى العجز عن إدراك ظاهرة «تسليع الدين» في العولمة، أي تحويله إلى رموز ثقافية، يمكن استهلاكها في سوق عالمي للرموز والهويات، بعد اقتطاعها من سياقها الثقافي، ما قد يجعل اعتناق الدين، أو حتى التديّن المفاجئ، واللجوء إلى أسلمة الذات الفردية، شكلاً استهلاكياً فردياً، يحوي عناصر سياسية احتجاجية، ستؤدي بالتأكيد إلى مواجهة اجتماعية، لا تتعلّق بالعنصرية الثقافية، بقدر ارتباطها بالفعل والصراع السياسي والأيديولوجي للمتأسلمين ومناهضيهم. اعتناق الإسلام وأسلمة الذات لا يحويان أي عنصر إثني جماعي، أو معرفة بالثقافة الإسلامية، بل على العكس، غالباً ما يشيران إلى فردانية مفرطة، تسم الحياة في المدن المعولمة، ويتأثّر بها بقوة الجيل الثالث والرابع من المهاجرين من أصول إسلامية، إضافة لشباب ومراهقين غربيين.

عملياً يفتح تعبير «إسلاموفوبيا» إمكانيات لا نهائية للتلاعب الأيديولوجي، والاحتيال الخطابي، فهو قد يجعل متأثّراً بالسلفية الجهادية، يسعى إلى «فتح روما»، قادراً على التشكّي والتظلّم من تعرّضه لـ»عنصرية ثقافية»، وكأن هذه الأفكار حق عرقي أو إثني طبيعي لمجموعته المضطهدة؛ أو قد يجعل ناشطاً ذا امتياز، يطالب بمزيد ومزيد من «التمكين» المؤسساتي، بحجة أنه ممثل لـ»مجموعة مضطهدة»، فقط لإبرازه الاستعراضي لعناصر ثقافية استهلاكية، تُحسب على المجموعة؛ وربما يفتح باباً لتبرير ممارسات تمييزية، مثل اضطهاد النساء، والاستغلال الأيديولوجي للأطفال، وقمع الحريات الفردية، بحجة «خصوصية ثقافية لا يُقدّرها الإسلاموفوبيون». الأخطر أن التعميم الشامل على «المسلمين»، في سياق عرقنتهم، سيجعلهم جميعاً عرضة لمخاطر كبيرة، تبدأ بالتمييز على مستوى قوانين الهجرة والإقامة، وقد تصل إلى استهدافهم جسدياً، دعك من تصدير «ممثّلين» زائفين عنهم، وكأنهم سيختارون حتماً أن يُمثّلوا على أساس هوياتي أو ديني بحت.

ربما تستمر «مناهضة الإسلاموفوبيا»، بسبب تناقضاتها بالذات، فهي تعبير غير مُحكَم بشكل متعمّد، مُعد للاستغلال من قبل مجموعات ترفض أن تفصح عن أيديولوجيتها بوضوح، وهذه صفة عامة للناشطية المعاصرة، التي تدّعي أنها تركز على الحقوق، ومتجاوزة للأيديولوجيا، فيما هي عملياً أيديولوجيا متكاملة المعالم، رغم رداءتها، وقابلة بسهولة للتشابك مع أيديولوجيات شديدة القمعية والتطرّف، وتبريرها. لا يمكن تحويل المسلمين فعلياً إلى عرق أو إثنية، وستفشل أي محاولة لذلك، ولكن يمكن استعمال اسمهم دائماً، في نمط من الاستغلال السياسي، الذي لا ينتعش إلا من خلال عدم التعيين، والاحتيال الواعي، وهذا هو دور العرقنة الحالية.

الطائفة والأمة

وبعيداً عن المهاجرين، والمواطنين من أصول مهاجرة في الدول الغربية، يبدو أن هنالك ميلاً معاصراً لتعاون سياسي غربي مع مجموعات الإسلام السياسي الأكثر راديكالية، له تراثه الطويل منذ الحرب الباردة وما قبلها، ولكنه يصل اليوم إلى مراحل غير مسبوقة من «التمكين»، إذ بات الجهاديون «رجالاً أقوياء» يمكنهم أن يقيموا «حكومات سلطوية قوية»، تناسب ما يظن بعض المسؤولين الغربيين أنها «طبيعة المنطقة».
يمتلك الراديكاليون الإسلاميون طموحات قومية عالية في بناء أمتهم الإسلامية القويمة، ويبدون أقرب للقومية التوحيدية الجامعة Pan-nationalism، فضلاً عن طموحات إمبراطورية كونية حول عزّة الإسلام، إلا أنهم فعلياً ينحدرون غالباً إلى أشكال من الطائفية الميليشياوية المغلقة، لعجزهم السياسي والاجتماعي عن بناء ائتلافات توحيدية، وأداء الوظائف الاجتماعية الأساسية التي يتطلبها بناء الأمة (مثل الأمن والصحة والتعليم والاقتصاد الناهض)، فيبقى الطموح الأيديولوجي، الذي ينجح في تعبئة عناصر مقاتلة في الميليشيات، من الذكور المتطرفين الذين لا آفاق حياتية لهم، دون وجود «أمة» فعلية، أو دولة لهذه الأمة، ما يجعلهم لا يخرجون فعلياً من مرتبة الميليشيا الوظيفيّة، في علاقتهم مع الغرب، أي مجموعات قتالية قادرة على أداء مهمات حربيّة لمشغّليها؛ أو، في أسوأ الأحوال، ميليشيات قادرة على ابتزاز المجتمع الدولي بخزان بشري كبير، قد يصّدر لهم ملايين اللاجئين والإرهابيين، ولذلك لا بدّ من التفاهم معها.
تلعب «مناهضة الإسلاموفوبيا» دوراً أيديولوجياً مهماً في تبرير تلك العلاقة الغريبة بين الراديكاليين الإسلاميين والحكومات الغربية، إذ يتم، كالعادة، التغطية على العلاقات السياسية والاجتماعية، التي أنتجت الظاهرة الجهادية، والسياسات الدولية والإقليمية المعقدة، التي ساهمت في دعمها، وتصبح «خصوصية ثقافية» للمنطقة، يجب التحلي بكثير من تجاوز «الإسلاموفوبيا» لتقبّلها والتعاون معها. نصير هنا أمام شكل دموي من التلاعب الأيديولوجي والاحتيال الخطابي، إذ يجب تقبّل أسوأ الممارسات الطائفية والميليشياوية، بوصفها أقرب للسمات العرقية أو الإثنية، التي لا فكاك منها، والتي قد يرقى رفضها إلى درجة «الإسلاموفوبيا».
عرقنة الإسلام هذه ناتجة عن صراعات اجتماعية شديدة التعقيد، وبناء أيديولوجي واضح المعالم، ولذلك فهي «عرقنة»، تجعل سمات منتقاة، يتم إبرازها وتصنيفها عبر نمط معيّن من المعارف، نوعاً من «الفيتيش» الذي يُرمِّز مجموعات بشرية بأكملها، ويكون مقدّمة لسياسات قاسية تجاهها، قد تصل إلى حد التواطؤ على ممارسات إجرامية، ولذلك فإن مواجهة العرقنة هي نوع من تحطيم وثن دموي، ويحتاج تنويراً بطبيعة الصراعات الاجتماعية، وكيف خلقت أصنامها (وليس كيف خلقتها أصنامها)، والاحتمالات السياسية الأفضل للتعامل مع الأزمات القاتلة، وصولاً إلى أفق سياسي واضح. والأفق الأمثل لمواجهة العرقنة قد يكون تفكيك الأمم المُدّعاة، وخصوصياتها المفترضة، نحو سياسة لا تقبل بالدين بوصفه عرقاً مسيّساً، ولا تصنّف البشر على أساس عنصري. لا نحتاج إلى مناهضي «إسلاموفوبيا»، بل إلى مناهضين للظلامية والاحتيال الأيديولوجي، ومناضلين لأجل السلام.

كاتب سوري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *