هل يحق لنا بعد هذا كله أن نحقد على القراصنة الإيرانيين؟


يورام بيري

لقد كشفت قصة القراصنة الإيرانيين، الذين اخترقوا وثائق معهد الأمن القومي (“هآرتس”، 5/5)، عن مشكلة هيكلية في المعهد. فهو يدعي أنه معهد أبحاث، لذا يجب أن يكون ناقداً في المقام الأول، ولكنه في الحقيقة يشكل امتداداً للمؤسسة الأمنية.

يتضح هذا أيضاً من خلال مراسلات مطولة في موقع جمعية الباحثين العسكريين – هيئة الباحثين الأكاديميين التي من المفروض أن تكون تشبه أي جمعية أكاديمية مهنية، وتجري دراسات نقدية لهذا المجال. والاطلاع على نصوص الكثير من أعضائها يبين بأن الجمعية ترى نفسها هيئة مصممة لمساعدة المؤسسة الأمنية.

وظهرت مؤخراً اكتشافات أخرى تثير الاهتمام. ففي جامعة رايخمان مثلاً، يوجد مشروع رقمي مستمر باسم “آكت دوت آي ال”، يهدف إلى إنشاء محتوى يعارض الانتقادات الموجهة لإسرائيل في أرجاء العالم. إن مساعدة الطلاب التطوعية في الجهود الوطنية لا تعتبر أمراً سلبياً بالطبع، لكن هل هذا هو هدف قسم في مؤسسة أكاديمية؟ إذا كان كذلك، فمن الذي سيطرح الأسئلة ويثير الشكوك وينتقد (حتى بدافع التعاطف والدعم) قرارات المؤسسة الأمنية؟ وكيف يمكننا الاستمرار في الادعاء بأن أعداءنا يتعمدون إلحاق الأذى بالمدنيين والهيئات المدنية غير المشاركة في الحرب؟

كل ذلك يقودني إلى استنتاج توصلت إليه في بداية العقد الثاني من هذا القرن؛ فإسرائيل التي تدعي أنها ديمقراطية برلمانية متنورة، هي في الحقيقة “دولة أمن قومي”، حيث تُمنح الأجهزة الأمنية – الجيش، الاستخبارات، الشرطة، أنظمة الطوارئ وغيرها – مكانة مركزية في تحديد السياسة وتخصيص الموارد والخطاب العام وتقييد الحقوق المدنية. كل ذلك ينبع ظاهريا من تهديد أمني. ولكن هذا التهديد في الحقيقة، ينسب أيضاً إلى أمور لا صلة لها بالأمن. هذا تهديد مختلق، وهو ما يطلق عليه علماء الاجتماع مصطلح “التأمين” – أي تحويل قضية لا صلة لها بالأمن إلى قضية أمنية.

كشفت قصة القراصنة الإيرانيين، الذين اخترقوا وثائق معهد الأمن القومي عن مشكلة هيكلية في المعهد. فهو يدعي أنه معهد أبحاث، لذا يجب أن يكون ناقداً في المقام الأول، ولكنه في الحقيقة يشكل امتداداً للمؤسسة الأمنية

كان أول من تناول مفهوم دولة الأمن القومي ثلة من المفكرين الأمريكيين. ففي العام 1973 انتقد آرثر شلزنغر بشدة تعزيز السلطة التنفيذية تحت غطاء الأمن القومي (وقد فعل ترامب ذلك عدة مرات في ولايته الحالية). وأوضح المؤرخ مايكل هوغان في العام 1988 وعالم السياسة مايكل ديش في 1999، كيف أصبحت الأولوية الأمنية – سواء كانت مبررة أم لا – مبدأ ينظم الحكومة والحياة العامة. ويعتبر تحليل ديش ذا صلة بإسرائيل لأنه يوسع نظريته نحو “دولة الأمن القومي دون حكم عسكري”.

أي شخص ينظر بتمعن إلى ما يحدث هنا سيجد صعوبة في تجاهل كيفية إدارة الحكومة لعملية التسييس الأمني. فهي تخلق تهديداً، بل تهديداً وجودياً، لتبرير استمرار الحرب في غزة ولبنان والضفة الغربية، وبالطبع في إيران. كان الهدف من الثورة الدستورية هو السيطرة على وسائل الإعلام (التستر والكذب)، وجهاز القضاء (دكتاتورية المحكمة العليا)، والهيئات المهنية (الدولة العميقة) التي يمكن لهذه الهيئات أن تزعجها.

بعد حملة تلقين شاملة ومطولة، نجحت حكومة نتنياهو وسموتريتش وبن غفير نجاحاً مثيراً للقلق. هنا لم تعد معظم وسائل الإعلام ومؤسسات الأبحاث الأكاديمية، التي يفترض بطبيعتها أن تشكك وتطرح الأسئلة وتفحص المسلمات التي تبدو بديهية، تقوم بذلك. إلى أين يقودنا كل ذلك؟ لا حاجة إلى إطالة الحديث عن ذلك.

 هآرتس 10/5/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *