“خزائن”.. 10 سنوات في حفظ الذاكرة الفلسطينية والنكبة


القدس- “القدس العربي”:- ترفع مبادرة “خزائن”، لمؤسسها المقدسي الباحث فادي عاصلة، شعار “لكل ورقة حكاية”، وهي بمثابة أرشيف مجتمعي يوثق الحياة الفلسطينية، ويسعى إلى حفظ المنشورات اليومية وإتاحتها، من وثائق وملصقات ومطويات وإعلانات ومختلف قصاصات الورق القديمة.

وقبل أيام، احتفلت المبادرة ببلوغ عامها العاشر، إذ أُسست في كانون الثاني/ يناير 2016 في مدينة القدس، وهي مبادرة تطوعية مستقلة وغير ربحية، تهدف إلى جمع مواد الأرشيف التي لا تقع ضمن اهتمام الأرشيفات التقليدية، حيث تركز على توثيق الحياة اليومية الفلسطينية، وهو ما يجعلها أول أرشيف مجتمعي يبنيه المجتمع ويثريه لتوثيق الذاكرة الفلسطينية.

ولا يفاضل الباحث عاصلة، خلال حديثه مع “القدس العربي”، بين وثيقة وأخرى، إذ يقول: “كل أرشيف ستجد فيه شيئاً مثيراً، كل أرشيف يكمل جانباً معيناً من تاريخنا.. كل أرشيف له إضافته الخاصة في الفن أو الأدب أو التاريخ والمجتمع عموماً”.

أرشيف البيوت والسينما

ومما تكشفه الأرشيفات التي تنشرها المبادرة على موقع “خزائن” ملكيات لكثير من البيوت المقدسية غير الموجودة، وهو ما يثير الحنين ويسلط الضوء على وقائع قبل النكبة وبعدها. ومثال ذلك المتحف الإسرائيلي على طريق باب الواد في القدس، وهو في الأساس بيت تعود ملكيته لعائلة قطينة، وهي عائلة مقدسية عريقة اشتهرت بالعلم والتجارة والعمل الإداري في القدس منذ فترتي الحكم التركي والبريطاني.

أما طابو- كوشان، أي وثيقة الملكية، لبيت العائلة، فهو موجود لدى أرشيف “خزائن”.

أما أرشيف موسى يونس الحسيني، مدير سينما الحمراء، فيُظهر الكثير من القصص والمشاكل والصراعات، وكذلك تفاصيل جميلة كانت تحدث في سبيل إنتاج عمل فني أو عرض فني في أواخر الثلاثينيات وبداية الأربعينيات.

يعقب عاصلة على ذلك: “غداة النظر في الوثيقة ستكتشف أنه كان هناك أناس يعملون في مجال الفن ويمرون بالمعاناة ذاتها التي نعيشها اليوم، وتحديداً عند من يحاول أن ينجز عملاً فنياً أو ثقافياً. مثلاً، يظهر موسى يونس الحسيني في الوثائق، وطاقم الإدارة، والمراسلات المختلفة تكشف عالماً مختلفاً يظهر فيه أشخاص عاشوا التحديات ذاتها التي نعيشها اليوم، ويظهر لنا أن لديهم الأحلام والطموحات نفسها التي نحملها اليوم”.

وفي جانب من أوراق العائلات الفلسطينية في أواخر الأربعينيات، التي توفرها المبادرة، يمكن رؤية كيف أثرت النكبة على مشاعر المواطنين، حيث ترى فلسطينياً يطمئن على “الزريعة”، أي نباتات الحديقة، التي زرعها فيما أصبح لاجئاً في لبنان أو سوريا.

ويشدد عاصلة: “ما تخبرنا به الوثائق هو السبب في عدم القدرة على المفاضلة بين ورقة وأخرى، فكل ورقة لها حكاية حرفياً، وهو تماماً ما جعلنا نختار شعار مبادرة خزائن: لكل ورقة حكاية، وحقيقة أن كل ورقة تكمل جانباً من تاريخنا وحكايتنا”.

أثر النكبة

ويشدد الباحث المقدسي على أن كل إنسان فلسطيني هو إفراز ونتيجة مباشرة للنكبة، فهي الحدث المؤسس في الوعي الفردي والجمعي الفلسطيني وفي كل أماكن وجود الفلسطينيين.

ويشير إلى أن كل شيء في التاريخ والوعي والهوية الفلسطينية بعد النكبة هو نتيجة مباشرة لها: “وعينا وتشكيلنا وذاكرتنا كلها بدأت بالنكبة وترتبط بها”.

ويرى عاصلة أن الأرشيف هو العلاقة المباشرة والخط المباشر الذي يربط بين الماضي والحاضر. وبالتالي، هو المساحة المهمة التي توفر إمكانية تجاوز النكبة، ولو استعارياً، أو ربط الإنسان بماضيه، على أساس أن أغلب الشعب الفلسطيني يعيش خارج فلسطين المتخيلة، إضافة إلى أن الفلسطينيين أنفسهم غير قادرين على تخيل فلسطين كوطن وكماض.

وبالنسبة للباحث المقدسي، فإن الأرشيف يوفر إطلالة “ولو لمحة حول هذا الماضي، وكل محاولات الفلسطينيين، بكل فعل يقومون به بعد النكبة، هي محاولة لتجاوزها”.

تاريخ الناس

ورغم اهتمام “خزائن” بالأرشيف، إلا أنها عملت في اتجاه مختلف عما هو سائد فلسطينياً. وعن ذلك يقول: “التاريخ الوطني أو التاريخ السياسي أو أي نوع تاريخ هو في النهاية مجموعة تواريخ الناس. وعندما حدثت النكبة كانت نسبة كبيرة من الفلسطينيين خارج دائرة التوثيق وخارج دائرة الكتابة وخارج اهتمام الكتابة التاريخية. وبالتالي، التاريخ الذي كُتب هو تاريخ سياسي، هو تاريخ أحداث وأزمان ومناطق، ولم يُكتب تاريخ الإنسان نفسه. والأكيد أنه لا يمكن كتابة تاريخ الإنسان نفسه إذا لم يحدث توازن بين التواريخ كلها”.

ويضرب عاصلة مثالاً: “تاريخ التاجر في حسبة رام الله لا يقل أهمية عن تاريخ النخب، فتاريخ العامل والموظف والإنسان البسيط كلها أجزاء تكمل الصورة الكبرى لما حدث، وبالتالي فإن أي انتقاص من تاريخ أي شخص هو انتقاص من التاريخ نفسه”.

ويشدد على أن التاجر يوفر إطلالة على شبكات المواصلات. فمثلاً، أعاد الدكتور بشارة دوماني، في كتابه “إعادة استكشاف فلسطين”، تشكيل منطقة جبل نابلس وتاريخ فلسطين من خلال فواتير وقصاصات ورق، حيث شكّل من خلالها خطوط التجارة الكبرى.

وأضاف: “النكبة إذا لم تستحضر علاقات الناس البسيطة، وخسارة بيوتهم، ونسيان طفل على الطريق أثناء الهرب، وضياع مبلغ من المال، ومرض شخص وموته في طريق اللجوء، والمشاعر الإنسانية الحقيقية والبسيطة، واشتياق شاب لأغنامه، ومغادرة أو رحيل شخص عن كرم العنب الذي كان يهتم به.. إلخ من هذه المواقف الإنسانية البسيطة، فإن استعادتها تكون ناقصة. تاريخ الناس هو المعنى الحقيقي للنكبة، أما تحويل الذاكرة إلى أحداث سياسية وأرقام جافة فيمثل انتقاصاً من الإنسانية المرتبطة بالذاكرة”.

ويشدد على أن استحضار قصص الناس وتجميعها هما إنصاف أولاً للناس الذين دفعوا أثماناً كبيرة، وإنصاف على المستوى المجتمعي للشعب الفلسطيني والمجتمعات الفلسطينية، وهو أمر يخلق تصويراً حقيقياً لمعنى النكبة.

تجربة توثيق مجتمعية

وحول المختلف في عمل “خزائن”، تابع قائلاً: “منذ بداية تأسيسها وضعنا سياسة وآليات عمل مختلفة، أردنا بناء أرشيف مجتمعي، ورغبنا في بناء وحفظ وحماية الذاكرة الفلسطينية من دون منافسة لأي جهة. انصب اهتمامنا على إكمال جهود عشرات المبادرات والأشخاص الذين قدموا مجهودات عظيمة وإنجازات جبارة في ظل غياب كامل للدولة”.

الشعب الفلسطيني، بحسب الباحث عاصلة، يعمل في ظل غياب دولة لأكثر من 150 سنة: “فرموز وهوية الفلسطينيين تشكلت في ظل غياب الدولة، من أواخر الفترة العثمانية حتى هذه اللحظة، وهذا جعل عملنا مع المجتمع، فهو صاحب الذاكرة، وهو الذي يصنع التاريخ في النهاية”.

متطوعون وعائلات

وتعمل المبادرة بشكل وثيق مع المتطوعين والعائلات على جمع الأرشيفات الشخصية وحفظها عبر المسح الضوئي، ثم رفعها على الموقع، كما تكتب مقالات عنها بالتعاون مع العائلات.

وحول ذلك، يعقب عاصلة: “محاولتنا كانت تقوم على إعطاء الأمل للمجتمع، فهو طرف مبادر وشريك قادر ولديه الإمكانيات، والكفاءات والإبداع والفعل. إننا في المبادرة أكبر من مؤسسة، فنحن فعل مجتمعي يحتاج إلى جهود جبارة وتكاثف وتآزر وتضافر جهود لمختلف المؤسسات والجمعيات والجهات المختلفة”.

ويشدد: “المجتمع في مركز الفعل، وهو المورد البشري الأهم لنا. نحن فقط مؤتمنون على إرث المجتمع وعلى تسيير الفعل بشكل سلس”.

الذاكرة حياة حية

الأمر الثاني في فلسفة “خزائن” يتمثل في أن الذاكرة والأرشيف ليسا الأوراق الصفراء القديمة، بحسب الباحث المقدسي. ويقول: “الأرشيف ليس تحويل الأوراق الصفراء إلى ذاكرة صفراء، هذا فهم إشكالي بالنسبة لنا، إنما الذاكرة هي حياة حية وملونة. الماضي لم يمض، الماضي حاضر. نحن حتى اللحظة ندفع أثمان الماضي بفعل النتائج والمآلات التي نعيشها، وبالتالي نحن في حالة سعي دائمة نحو تشكيل ذاكرتنا وهويتنا”.

ويؤكد أن الشعب الفلسطيني منذ النكبة يسعى إلى الاكتمال، ويسعى إلى الخروج من حالة الطوارئ التي يعيش فيها. والأرشيف يوفر للإنسان قدرات هائلة من التجارب والإمكانيات الخاصة بالتعلم: “أشياء لم يكشفها لك الواقع. رؤيتنا نفض الغبار، وجعل الماضي أداة لفهم الحاضر وحل مشاكله، فيه حل جميل كما أنه يوفر لنا الكثير من الاحتياجات”.

ويتابع سرده حول رؤية “خزائن”: “نقول للمهتم إننا لن نفرض عليك رؤية محددة. تعال وشاهد الأرشيف وفق ما ترى، تعال انظر في الأرشيف وفق شغفك واهتمامك ومساحات بحثك، ومعاً سنقوم ببناء المعنى. فالأرشيف خزان الدلالات، هو خزان عظيم محمل بالمعاني والأفكار والصور والفنون وأنماط الحياة والثقافة”.

تحديات كثيرة

وحول أبرز التحديات، يرى عاصلة أن فكرة تأسيس أرشيف في مدينة القدس المحتلة مغامرة، “لكنها مغامرة تستحق. نحن نراهن على وعي الناس المستقبلي، ولدينا إيمان بنمو بذور المبادرة وأزهارها في أماكن مختلفة من العالم”.

ويكمل سرد التحديات بأنها تتنوع على كل المستويات: “هناك تحديات لوجستية، وتحديات العمل اليومي، وتحدي الكفاءات، وتحديات مادية وسياسية ومناطقية ترتبط بضرورة أن يمثل الأرشيف الوجدان الفلسطيني. فرغم تناقضات المواد التي يتضمنها الأرشيف، إلا أن وظيفته تشكيل هوية جامعة، وبناء سردية وخطاب مناسب لكل إنسان يشعر أن هذا المكان يمثله، حتى لو اختلف مع كل المحيطين حوله”.

وإلى جانب كل ذلك، تقف المبادرة أمام تحديات ترتبط بالعمل مع فريق المتطوعين في قطاع غزة، حيث تقدم لهم تدريبات عن بعد، كما تقوم بحفظ المواد في القطاع عبر تصويرها رقمياً. وأمام صعوبة العمل في لبنان، وصلت إلى المبادرة عشرات الأرشيفات العائلية لفلسطينيين لاجئين، وهو تحد كبير، وكذلك عدم سماح الظروف الأمنية في القدس بعقد شراكات مع جهات فلسطينية مختلفة.

ويظهر التحدي المادي كأحد المعيقات، بحسب عاصلة. ويضيف: “مع حجم الأرشيفات التي تصلنا نجد أنها أكبر من قدرة طاقم المؤسسة على العمل عليها. لدينا فريق مكون من خمسة أشخاص بدوام جزئي، والباقي من المتطوعين، وهو أمر يجعل ضغط العمل اليومي يفوق القدرة الاستيعابية”.

ويكمل: “في الوقت نفسه، خطابنا عليه أن يستمر حذراً، بحكم البيئات المختلفة التي نعمل معها ونشتغل على أرشيفات منها، فهناك مخاوف من إشكاليات سياسية، سواء محلية أو مع جهات في المحيط الذي نعمل معه”.

ويخلص إلى أن “خزائن” تعمل طوال الوقت على سردية حذرة جداً، من دون أن ينتقص ذلك من نضج الخطاب والهوية الفلسطينية.

يذكر أن عاصلة باحث فلسطيني، مؤسس ومدير أرشيف “خزائن”، يكتب أطروحة الدكتوراه في الجامعة العبرية في القدس، وحاصل على الماجستير من جامعة برلين في الفكر الإسلامي، وعلى ماجستير في الأدب المقارن من الجامعة العبرية، وهو متخصص في تاريخ فلسطين الاجتماعي وتاريخ كتابة التاريخ الفلسطيني، خاصة على يد القرويين الفلسطينيين.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *