هاني شاكر آخر جيل الكبار من مُطربي الأغنية العربية الكلاسيكية


مثل ظهوره الأول في فيلم «سيد درويش» عام 1966، علامة بارزة لصوت غنائي موهوب يوحي بالتميز ويُبشر بالنجاح ودوام الاستمرار للأغنية المصرية والعربية على صعيد المُنافسة والبقاء لسنوات طويلة بين ألوان الغناء في المنطقة الأفريقية والشرق أوسطية ودول البحر المتوسط قاطبة.
في أوائل السبعينيات اقترن اسم المطرب الكبير هاني شاكر باسم عبد الحليم حافظ، خاصة عندما قام المُلحن محمد الموجي بالتلحين له لأول مرة عام 1972وقدمه للإذاعة بأغنية «احكي يا دنيا»، عندئذ ذاع صيته كأحد الأصوات الجديدة الدارسة والمُثقفة، فهو خريج المعهد العالي للكونسرفتوار، وله تأثيره الأدائي الخاص كمطرب يمتلك حنجرة قوية وإحساس مُفعم بالعاطفة.
كان المطرب الراحل هاني شاكر محسوباً على جيل الكبار، جيل عبد الحليم حافظ ومحمد رشدي ومحمد العزبي، فبرغم ظهور أصوات جديدة أخرى أمثال محمد ثروت ومحمد الحلو وعلي الحجار ومدحت صالح، لم تتم المُقارنة بينه وبين هؤلاء بشكل يؤكد المُنافسة، وإنما ظلت المواهب التي ظهرت على الساحة في فترتي السبعينيات والثمانينيات تُمثل دعماً قوياً لروح الأغنية المصرية ووجودها بعيداً عن أجواء الصراع والمُشاحنات.
وقد ربطت صداقة قوية بين المطرب الراحل وبين زملائه وزميلاته، لاسيما محمد ثروت ونادية مصطفى اللذان اقتربا منه اقتراباً قوياً طوال فترة مرضه وعلاجه في العاصمة الفرنسية باريس قبل عدة أشهر، غير أنه شارك محمد ثروت الغناء في الأغنية الشهيرة المصورة على ظهر مركب «إن كان على القلب ما فيش غيرك» وهي أغنية وطنية وصفية تصف جمال مصر ونيلها وطقسها المُتميز والمُعتدل.
ترك الفنان الكبير إرثاً غنائياً ضخماً، يتجاوز 600 أغنية، وصدر له على مدار رحلته الفنية 29 ألبوماً تنوعت محتوياتها ما بين الأغاني العاطفية والوطنية والإنسانية، وقد مثلت الفترة التي توفيت خلالها ابنته مرحلة خاصة ودقيقة جداً على المستوى الفني، حيث تغير أداءه بشكل ملحوظ فأخذ طابعاً تراجيدياً حزيناً بعد أن كان صوته مصدراً للتفاؤل والمرح. وربما دللت بعض أغانيه في المرحلة الأخيرة بقوة على هذا التحول، فمن – علي الضحكاية علي هلي في سمايا هلي، واليوم جميل وبعشق ضحكتك وحكاية كل عاشق وكده برضه يا قمر-، إلى -جرحي أنا وبحبك يا غالي وغلطة وندمان عليها وياريتني وما ليش غيرك وأغلى بشر- وغيرها من ألوان الرثاء الغنائي الحزين.
وفي تلك الفترة زاد ارتباط الجمهور بمطربهم المُفضل وتبلورت مشاعر الدعم والمواساة في الحضور الكثيف لحفلاته سواء في دار الأوبرا بمصر أو غيرها من الدول العربية.
وأشد ما كان يحرص عليه هاني شاكر هو المشاركة في إحياء المُناسبات الوطنية والقومية، كتقليد مُتبع التزم به الفنان لسنوات طويلة، فلم يتخلف عن أي مناسبة كبيرة أو صغيرة إلا لظروف قهرية، لهذا اشتهر بوطنيته وانتمائه لمصر وأمته العربية، وحظي بعد وفاة الموسيقار الكبير فريد الأطرش بعدة سنوات بلقب أمير الغناء العربي، باعتبار ذلك تكريماً عربياً مُستحقاً له.
وقد تم تعزيز المكانة الفنية الكبيرة للمُطرب الراحل، حصوله على وسام القدس من الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، ووسام الاستحقاق من الدرجة الأولى من الشقيقة تونس، فضلاً عن حصوله على وسام الفارس الذهبي من لبنان عام 1999 كتقدير خاص لفنه وصوته وأدائه وتأثيره الإبداعي المهم على الجماهير العربية.

هاني شاكر مُمثلاً

لم يكن هاني شاكر مُهتماً كثيراً بالدخول في عالم السينما، ومن ثم لم يتوافر له رصيد كبير من الأفلام، فتجاربه السينمائية محدودة للغاية لا تزيد عن بضعة أفلام بأي حال، ومُعظمها أفلام غنائية خفيفة كانت في حينها نموذجاً للخلطة الدرامية الغنائية التي تتخللها قصة حُب ووصلات استعراضية تُناسب إمكانيات البطل المطرب، وهي نوعيات سادت في فترة من الفترات ولكنها لم تستمر طويلاً لدواع إنتاجية.
من بين ما قدم الفنان الراحل للسينما، فيلم «عندما يُغني الحُب» بطولة صفاء أبو السعود وعادل إمام وفيلم «هذا أحبه وهذا أريده» بطولة نورا وسعيد صالح ويونس شلبي وحمدي حافظ ومن إخراج حسن الإمام، وفيلم «عايش للحُب» بطولة نيللي ومحمد عوض، وفيلم آخر مع صباح ومحمد عبده بعنوان «المصباح السحري» وهو من الأعمال النادرة والمجهولة إلى حد ما، بالإضافة لمسرحية استعراضية واحدة فقط هي «السندريلا والملاح» قدمها مع نيللي في مرحلة مُبكرة من حياته الفنية.
وعلى مستوى الدور القيادي والوظيفي، تولى هاني شاكر منصب نقيب الموسيقيين لفترتين مُتتاليتين، حرص خلالهما على ضبط الإيقاع النقابي على الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية، فقد حارب الإسفاف ووقف في وجه موجات الهبوط والسوقية وما عُرف بأغاني المهرجانات، ونتيجة لإصراره على تنقية الأجواء الفنية وتخليص الوسط الغنائي من الأدعياء وغير الموهوبين، واجه حملة شرسة من المُضارين من قرارات المنع، لكنه صمد وزاد تمسكاً بمبادئه، واستطاع أن يفرض شروطاً خاصة للغناء ويضع معايير قوية للإجازة الفنية والإبداعية، وبالفعل نجح إلى حد بعيد في السيطرة على الفوضى وغلق الأبواب الخلفية التي كانت نوافذ للتسلل والاختراق.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *