تكرّس النتائج المتواردة تباعا للانتخابات المحلية في إنكلترا وويلز واسكتلندا ميلا جماهيريا طاغيا للانتقام ستكون ضحيته النظام الحزبي الثنائي القديم الذي ظل «العمال» و»المحافظون» يتنافسان خلاله لقرابة 100 عام على أي منهما سيقود البلاد. في ذلك النظام الذي نشهد انهياره كانت هناك مناطق شاسعة من إنكلترا تعتبر مناطق انتخابية مضمونة سلفا لأحد هذين الحزبين (باستثناء غزوات استثنائية من قبل حزب الليبراليين الديمقراطيين، أو تمردات منتصف المدة داخل الحزب الحاكم).
غير أن المفارقة التي يحملها انهيار «نظام الحزبين» التاريخيين في السياسة البريطانية نتيجة التراجع الكاسح في عدد مقاعدهما في مجالس الحكم المحلية رفعت أسهم حزبين آخرين، «الإصلاح» الذي يمثّل اليمين المتطرّف الشعبوي، الذي يمكن اعتباره الفائز الأكبر، و»الخضر»، الذي يمثّل اليسار البيئوي.
أسهمت سياسات الحزبين التقليديين في العقود الأخيرة، في تفاقم الأوضاع الاقتصادية السيئة لبريطانيا، وضربت الحزبين أشكال من الفضائح المتلاحقة التي كانت تثبت، المرة تلو الأخرى، سوء إدارة الحكومات المتعاقبة للمحافظين بدءا من قيادتهم للانسحاب من الاتحاد الأوروبي، مرورا بأزمة فيروس كوفيد، ولاحقا بالتسبب بأزمة اقتصادية كبيرة، وهو ما انتقل لاحقا إلى «العمال» الذين نفّذوا برامج غير شعبية اعتبرت معادية للفقراء، ثم زاودوا على سياسات المحافظين والإصلاح المعادية للمهاجرين، فأثاروا سخط قواعدهم الاجتماعية، وهو ما أدى إلى تصويت هذه القواعد لليمين الشعبوي، ولليسار بأنواعه.
ضربت حكومات المحافظين والعمال أيضا اتهامات فساد أطاحت إحداها برئيس الوزراء الأسبق بوريس جونسون، منها انكشاف علاقته بسيدة أعمال أمريكية؛ وتعرّضت حكومة كير ستارمر الحالية إلى ضربات أخرى كان آخرها فضيحة تعيين بيتر ماندلسون سفيرا لبريطانيا في واشنطن، رغم ثبوت علاقته بشبكة الملياردير جيفري إبستين.
المفارقة الأخرى التي تحملها هذه النتائج، فيما يتعلّق بصعود حزب الإصلاح بالتحديد، هو أن العقاب الذي ألحقه الناخبون البريطانيون بحزبي المحافظين والعمال يبدو من جنس الجريمة نفسه، فهناك تقارير عديدة تكشف أن صعود الحزب مرتبط بشبكات نفوذ عابرة للحدود ورحلات خارجية في تناقض واضح مع خطابه القومي المتشدد، وقد كشفت صحيفة الغارديان البريطانية أن زعيم الحزب نايجل فاراج تلقى هدية بقيمة 5 ملايين جنيه من ملياردير بريطاني – تايلندي، وهو ما جعل منظمة الشفافية الدولية تقول إن الديمقراطية البريطانية أخذت تتحول إلى «ألعوبة في يد فاحشي الثراء».
تكشف ممارسات حزب الإصلاح في الحكم المحلي، بعد سيطرته العام الماضي على عشر سلطات محلية، عن فجوة خطيرة بين خطابه الشعبوي وأفعاله في سدة الحكم فسياساته في مجال الطاقة والمناخ تتوافق مع مصالح الشركات المانحة من قطاع الوقود الأحفوري الذين يوفرون أكثر من ثلثي الدعم المالي للحزب، كما أن سياساته في مجال الرعاية تقوم على التخلّي عن الخدمات للفقراء، كما أنه تراجع عن وعوده المناهضة للضرائب مما أدى لتضرر الأسر الأكثر فقرا. خطابات الإصلاح، باختصار، شعبوية، لكن تطبيقها الفعلي يؤدي لزيادة الضرائب والضغط على الخدمات العامة وتحرير الأسواق والخصخصة، وهو ما يعني أن الأشخاص الذين يدعي الإصلاح تمثيلهم ليسوا هم المستفيدين من سياساته.
رغم الاختلافات الأيديولوجية بين «العمال» و»المحافظين» فإن حرب الإبادة ضد الفلسطينيين أنتجت مواقف متقاربة نسبيا، مؤيدة لإسرائيل، وهو ما تجلّى بداية في حملة مهولة ضد جيريمي كوربن، زعيم الحزب السابق، بدعوى «معاداة السامية»، ما أدى إلى صراع داخلي وانشقاق العديدين عن الحزب، وأدت قيادة كير ستارمر، المتحيّزة لإسرائيل مع بدء الحرب عام 2023، إلى تراجع كبير لهذا الحزب بين الناخبين العرب والمسلمين، والأكيد أن الكثير من هذه الأصوات صبّت في صالح حزب «الخضر» الذي اتخذ مواقف مشرّفة وجريئة كان آخرها انتقاده للإجراءات العقابية لحكومة ستارمر ضد المظاهرات المؤيدة لفلسطين.
ما تقوله النتائج الأخيرة قد يتجاوز عمليا انهيار نظام الحزبين التقليديين، وتقديم بدائل سياسية جذرية لهما، بل في إمكانية تقديم بديل جذري للسياسة نفسها.