في جناح من مشفى حكومي محاط بالسرية والتكتم وبالحراسة المشددة، تقبع فتاتان بين الحياة والموت تعرضتا للانتهاك الجسدي والاغتصاب، إحداهما ربما فضائية كما قيل، وربما آتية من زمن آخر بينما الأخرى بنت الحاضر واسمها دلجين.. ماتت الأولى بعد أن أسلمت روحَها إلى جسد دلجين في واقع غرائبي لم يجد له الطبيب تفسيراً.
هكذا بدأت “العائدون من الغياب” للكاتب السوري طلال مرتضى رواية بوليسية، في سرد اعتمد تنويع المشاعر، والحبكة، وتنظيم الأفكار بوضوح وجذب؛ ضمن سرد وصفي استخدم مهارات التعبير من إيجاز وبساطة ووضوح، في جمل قصيرة مباشرة مشبعة بالغموض وبالتالي الدهشة.
من خلال لغة حكائية وأحداث خيالية، تأتي ماربل المحققة الأشهر في العالم، لتحقق في قضية مقتل حكيم مدينة الكتب البعيدة وحفيدته الشابة، فتبحث هي ومساعدتها في الأسباب والظروف التي أدت إلى هذه الجريمة البشعة، وبالتالي القبض على المجرمين. في فصول عشرين أو أقل بقليل، أحاط الراوي الرائي العليم؛ بكامل التفاصيل والتشعبات بما أتم هيكل الموضوع وثيماته، وانتهى إلى مفاجآت يصعب على العقل قبولها.. الاستدراج إلى أماكن مشبوهة تبدو في الظاهر أماكن عبادة أو أماكن إيواء للمشردين، مقاه ومطاعم يديرها ويرتادها منحرفون وقتلة. استمرار الجريمة عبر الزمن، ثيمات الرواية، موضوع الجندرية واستغلال المرأة لتحقيق الشهوات، القتل. استغلال رجل الدين مكانته الدينية لبث الوهم بعظمة دوره في الدنيا، استغلال الفتيات التائهات واغتصابهن، والادعاء بإقامة مأوى لحماية كل غريب. أهمية المحقق الذكي في كشف ملابسات الجرائم لتحقيق العدالة.
ما يلفت انتباه القارئ هو تداخل أسماء الشخصيات بين عربية وغربية، ليكتشف شيئاً فشيئاً أن الكاتب عمد إلى تقنية استخدام أسماء أبطال روايات عالمية وعربية بأدوارها نفسها هناك؛ لخدمة موضوع روايته وحبكة أحداثها؛ من هنا جاء الكاتب طلال مرتضى بعنوان روايته “العائدون من الغياب”.
ماربل: أهم شخصيات روايات أجاثا كريستي
طانيوس: بطل رواية “صخرة طانيوس” لأمين معلوف
سعيد مهران: بطل رواية “اللص والكلاب” لنجيب محفوظ
جان جرونوي: بطل رواية “العطر” حيث يقتل ضحاياه من الصغيرات لاستخراج مادة من الدم تدخل في تركيب عطر نفيس.
بيرت: فيكتور هوغو: الشخصية حادة الذكاء التي تتصرف تصرفات غير متوقعة وهي ابنة مدام بوفاري.
والكتب الستة أيضاً إشارة معرفية فلسفية دينية تاريخية ذات أهمية:
“الغريب” البير كامو
“أحدب نورتردام” كوازيمودو
دلجن
الحسناء
فضيلة: ترمز إلى أغلب شخصيات المنفلوطي وهي النموذج النقي بين النساء
الحكيم صاحب المكتبة المقتول رمز الحكمة والمعرفة.
وظف الكاتب هذه الأسماء وأدوارها في خدمة حبكته، وقد ترك مساحات ونوافذ لتفكير القارئ. في مراحل مختلفة، منها أن ذكر امرأة فضائية أو امرأة من زمن آخر، مدينة الكتب. هكذا جمع خيوط روايته وصاغ منها حبكة ممتدة الحدث عبر أزمنة تلك الروايات، وصولاً إلى الرواية موضوع نقاشنا الآن.
لذا نقول، إن زمان الرواية هو الزمن الممتد عبر التاريخ، وأما مكانها فهو العالم، أي بيئة الغرب والشرق على السواء.
“العائدون من الغياب” عادوا ليقولوا، إن المرأة ما زالت مغدورة، وإن الإنسانية لم تتحضر بعد. وكخلاصة، لا بد من القول، إن الرواية عالم افتراضي أضاف إليه الكاتب من تقنيات السرد والأسلوب والخيال، ما جعله عالماً موازياً مشبعاً بالأحداث والأفكار.
*كاتبة سورية