لم يكن رحيل صادق الصايغ بالنسبة لي خبراً ثقافياً عابراً ولا اسماً آخر يضاف إلى قائمة الغياب الطويلة التي أثقلت ذاكرة العراق انما خسارة شخصية موجعة، كأن جزءاً من الطريق الذي مشيناه معاً قد انطفأ فجأة، وكأن صوتاً ظلّ يرافقني في الخلفية طوال سنوات العمر اختفى دفعة واحدة تاركاً صمتاً أثقل من الكلمات.
تعرفت إلى صادق في تلك السنوات التي لم تكن فيها السياسة والصحافة مجرد مكان للعمل انما بيت لجيلٍ كامل، ومأوى لفكرةٍ كنا نحاول أن نحميها من الانكسار. هناك، في غرف التحرير الضيقة وفي النقاشات التي كانت تمتد حتى ساعات الليل، وفي القلق الذي كان يرافقنا من الفاشية السائدة تشكلت علاقتنا بهدوء، علاقة لم تبن على المصادفات انما على تجربة مشتركة من التعب والانتظار والأمل الصعب.
ما يجعل غيابه مؤلماً اليوم أنني لا أستعيد معه صورة شاعر فقط، بل أستعيد زمناً كاملاً. زمناً كنا نعيش فيه الثقافة بوصفها مسؤولية ثقيلة، ونعيش فيه الصداقة بوصفها التزاماً أخلاقياً، ونعيش فيه الكلمة بوصفها طريقةً للصمود. كان صادق واحداً من أولئك الذين حافظوا على صفاء العلاقة بين الشعر والحياة، فلم يسمح للقسوة أن تغيّر نبرته، ولا للخيبات أن تفسد حساسيته، ولا للتحولات العنيفة التي مررنا بها أن تسلبه هدوءه الداخلي.
في حياتي الشخصية ارتبط اسمه دائماً بشعورٍ نادر بالثبات. وسط التحولات السياسية القاسية والانقطاعات المتكررة والمنافي التي أخذت منا كثيراً من الأصدقاء، ظلّ وجوده علامة استقرار، كأن حضوره يقول إن شيئاً ما يزال ممكناً، وإن اللغة ما تزال قادرة على أن تحمي الإنسان من التصلّب. لذلك يبدو غيابه الآن أشبه بفراغٍ داخليٍّ لا يمكن رؤيته لكني أحسّهُ بوضوحٍ مؤلم.
أتذكره في تلك السنوات البعيدة، في جلسات العمل الطويلة، في الصمت الذي كان يرافقنا أكثر مما يرافقنا الكلام، في تلك الثقة التي تنشأ بين الناس حين يعرفون أنهم يعيشون التجربة نفسها. لم يكن يحتاج إلى أن يشرح نفسه. كان يكفي أن يكون حاضراً. ومع الوقت صار جزءاً من ذاكرةٍ شخصية لا تنفصل عن معنى جيلٍ كامل عاش السياسة والثقافة بوصفهما حياةً واحدة.
اليوم وأنا أكتب عنه أشعر أنني لا أودّع صديقاً فقط، بل أودّع مرحلة كاملة من عمري. مرحلة لها وجوه محددة، وأصوات محددة، وأسماء قليلة بقيت معنا رغم كل ما تغيّر. ومع رحيل صادق يتراجع ذلك الزمن خطوة أخرى إلى الخلف كأنه يبتعد ببطءٍ في الضباب ويتركنا نقف أمام ذاكرةٍ مثقلة بما فقدناه أكثر مما بقي معنا.
يذكرني رحيل صادق الصايغ بأن الزمن الذي ظنّناه ثابتاً في داخلنا تحرك بصمتٍ بعيد عن أعيننا وأن وجوها رافقتنا طويلا كانت في الحقيقة تحمل جزءاً من توازننا الداخلي دون أن ننتبه. ومع كل غيابٍ جديد نكتشف أن ما كنّا نظنّه ذاكرةً مشتركة صار فجأة ذاكرةً ناقصة، وأن الأماكن التي شهدت لقاءاتنا لم تعد كما كانت لأن الذين أعطوها معناها لم يعودوا فيها.
يذكرني رحيله بأن الخسارات الكبرى لا تحدث مرة واحدة، بل تتراكم بصمت. ومع كل صديق يغيب، نشعر أن شيئاً من أنفسنا يغيب معه. وصادق من أولئك الذين يتركون أثرهم في حياتك دون ضجيج، ثم تكتشف، حين يغادرون، أن هذا الأثر أعمق مما كنت تظن، وأن الصمت الذي خلّفه صار جزءاً من حياتك اليومية، مثل فراغٍ لا يملأ.
وداعاً صادق الصايغ.
أيها الصديق الذي مشى معنا طويلاً دون انكفاء امام العسف والغواية وبعضٍ من النكران والجحود، مضى بصمتٍ لا يشي بثقله، وترك في حياتنا أثراً لا يزول بسهولة. أنت تغادرنا اليوم وكأن جزءاً من تلك الأيام القديمة يغادر معك، كأن صوتاً من أصوات جيلنا ينخفض فجأة في آخر الممر ولا يعود. لا يمكن التعبير عن صداقتنا بكلماتٍ كثيرة انما بثقة هادئة عاشت معنا عبر السنوات، ولهذا يبدو الفراق أثقل من أن يحتمل بسهولة.
أقول لك الآن ما لا يقال عادةً بين الأصدقاء الذين اعتادوا الصمت أكثر من الكلام، لقد بقيت معنا كما كنت دائماً، قريباً، واضحاً، ونبيلاً، وسيظل اسمك في ذاكرتي مرتبطاً بذلك الزمن الذي لم نفقد إيمانه رغم كل ما فقدناه. وداعاً يا صادق… يا رفيق الطريق الطويل، ويا واحداً من القلائل الذين جعلوا الصداقة معنى يعاش لا كلمة تقال.