الخرطوم – “القدس العربي”: فقد مئات المدنيين السودانيين أطرافهم منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات “الدعم السريع” في أبريل/ نيسان 2023. فنتيجة انعدام المعدات الجراحية ونقص الكوادر الطبية المتخصصة، أجريت عمليات البتر في ظروف طارئة داخل مستشفيات تفتقر إلى الإمكانات الأساسية.
تحديات
وقال عضو المكتب التنفيذي في “محامو الطوارئ”، محمد صلاح الدين إن عمليات رصد وتوثيق جرحى الحرب في السودان تواجه “تحديات أمنية ولوجستية كبيرة”، في ظل استمرار القتال وتدهور الأوضاع الإنسانية والصحية
وأوضح لـ “القدس العربي” أن آلاف المدنيين تعرضوا لإصابات متفاوتة نتيجة العمليات العسكرية والقصف المدفعي والجوي، مشيراً إلى أن مئات المدنيين فقدوا أطرافهم بسبب الحرب “لكن هذه المأساة لم تحظ بالاهتمام الكافي بسبب صعوبات التوثيق ونقص التقارير الطبية الدقيقة”.
الإصابات التي أدت إلى حالات البتر ارتبطت بشكل أساسي بالقصف المدفعي المتبادل والهجمات المكثفة
وأضاف أن عدداً كبيراً من المصابين يواجهون صعوبات في الحصول على تقاريرهم الطبية، بينما تشهد بعض المناطق، “تلاعباً في التقارير من قبل السلطات الأمنية المسيطرة”، الأمر الذي يعقد عمليات التوثيق ويؤثر على جهود الملاحقة القانونية وتقديم الدعم الإنساني للضحايا.
وأشار إلى أن الإصابات التي أدت إلى حالات البتر ارتبطت بشكل أساسي بالقصف المدفعي المتبادل والهجمات المكثفة التي شهدتها البلاد بين سبتمبر/أيلول 2023 وأبريل/نيسان 2024.
وقال إن القصف تسبب في انهيار مبانٍ على سكان مدنيين، إلى جانب الإصابات الناتجة عن الطلقات النارية العشوائية، بينما ساهم انهيار النظام الصحي وتعذر الوصول إلى العلاج في تفاقم الإصابات.
وأوضح أن توقف عدد كبير من المستشفيات عن العمل ونقص الكوادر الطبية والمعدات الجراحية أدى إلى تدهور حالات جرحى كان يمكن إنقاذ أطرافهم لو تلقوا العلاج في الوقت المناسب، كما أن التأخير في الإسعاف أو عدم توفر الرعاية الطبية المناسبة انتهى في كثير من الحالات ببتر أحد الأطراف.
تلاعب
واتهم عضو “محامو الطوارئ” جهات مسيطرة بالتلاعب في بعض الإفادات الطبية، خصوصاً تلك المتعلقة بالمعتقلين والقتلى. وقال إن هناك إفادات متضاربة بشأن بعض المعتقلين الذين توفوا داخل أماكن الاحتجاز بعد تعرضهم، حسب إفادات أسرهم وشهادات متقاطعة، للتعذيب وسوء المعاملة.
وأضاف أن بعض الوثائق الطبية يشير إلى أسباب وفاة عامة، مثل “هبوط حاد في الدورة الدموية”، دون توضيح الملابسات الحقيقية للوفاة، بينما يتم دفن الضحايا أحياناً من دون السماح لأسرهم بتشريح الجثامين أو معرفة أماكن الدفن.
كما تحدث عن أخطاء في تواريخ الوفاة الواردة في بعض الإفادات، قائلاً إن بعض الحالات سجلت فيها تواريخ وفاة لأشخاص كانوا لا يزالون على قيد الحياة في التاريخ ذاته.
وتكشف شهادات عدد من السودانيين حجم المعاناة التي يعيشها مبتورو الأطراف، بعد أن غيرت الحرب حياتهم بشكل جذري.
تحدثت أم سودانية، عبر منشور نشرته إحدى مجموعات الدعم الإنساني، عن إصابة طفلها البالغ بتسع سنوات بشظايا خلال قصف استهدف منطقتهم
يقول الشاب حسن علي، وهو في العشرينيات من عمره، إنه فقد ساقه بعد سقوط قذيفة بالقرب من منزله في الخرطوم. وأضاف: “كنت أعمل وأعيل أسرتي، أما الآن فلا أستطيع الحركة إلا بمساعدة الآخرين، وحتى تكلفة العلاج والطرف الصناعي تفوق قدرتنا”.
وفي شهادة أخرى، تحدثت أم سودانية، عبر منشور نشرته إحدى مجموعات الدعم الإنساني، عن إصابة طفلها البالغ بتسع سنوات بشظايا خلال قصف استهدف منطقتهم. وقالت إن الأطباء اضطروا إلى بتر ساقه بعد أيام من تعذر نقله إلى مستشفى مجهز بسبب الاشتباكات وانعدام وسائل النقل الآمنة.
ومع استمرار الحرب، برزت مبادرات محلية تعمل على تقديم الدعم للمصابين وتوفير العلاج والأطراف الصناعية. وأشارت مبادرات تطوعية مرتبطة بغرف الطوارئ إلى تزايد أعداد الأطفال المصابين بإعاقات دائمة، خصوصاً في المناطق التي شهدت قصفاً مكثفاً خلال الأشهر الماضية.
وفي الخرطوم، استعاد بعض مراكز الأطراف الصناعية والتأهيل نشاطها تدريجياً بعد أشهر من التوقف نتيجة المعارك. وأعلنت مراكز متخصصة استئناف استقبال المرضى وتقديم جلسات العلاج الطبيعي وتركيب الأطراف الصناعية، رغم استمرار النقص الحاد في المعدات والكوادر الطبية وارتفاع أعداد المحتاجين إلى الرعاية.
وينتظر مئات المصابين الحصول على أطراف صناعية أو جلسات تأهيل، وسط ضغط متزايد على المراكز العاملة وخروج عدد كبير من المستشفيات عن الخدمة.
قال متطوعون إن كثيراً من عمليات البتر أُجريت في ظروف طارئة داخل مستشفيات تفتقر إلى الإمكانات الأساسية
وقال متطوعون إن كثيراً من عمليات البتر أُجريت في ظروف طارئة داخل مستشفيات تفتقر إلى الإمكانات الأساسية، نتيجة تأخر وصول الجرحى أو انعدام المعدات الجراحية ونقص الكوادر الطبية المتخصصة.
ولا تنتهي معاناة المصابين عند مغادرة المستشفيات، إذ يواجه كثير منهم تحديات مرتبطة بفقدان القدرة على الحركة والعمل، إلى جانب غياب الدعم النفسي والاجتماعي. كما اضطرت أسر عديدة إلى النزوح من مناطق القتال بحثاً عن العلاج أو مراكز التأهيل.
ويحذر ناشطون وعاملون في المجال الإنساني من غياب قاعدة بيانات دقيقة للجرحى ومبتوري الأطراف، وهو ما يعرقل جهود الدعم والتأهيل ويجعل أعداداً كبيرة من الضحايا خارج نطاق الرعاية والتوثيق الرسمي.
النظام الصحي تحت النار
ويواجه النظام الصحي في السودان أزمة غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب، رغم محاولات محدودة لإعادة تشغيل بعض المرافق الطبية في المناطق الآمنة. فقد خرجت نسبة كبيرة من المستشفيات عن الخدمة، بينما نزح آلاف العاملين في القطاع الصحي، في حين تواصل الكوادر المتبقية العمل في ظروف بالغة الخطورة.
ومع اندلاع الاشتباكات في العاصمة الخرطوم، بدأت المستشفيات في استقبال أعداد كبيرة من الجرحى. لكن، وخلال فترة قصيرة، تحولت بعض المرافق الصحية إلى مواقع واقعة تحت سيطرة مباشرة من أطراف النزاع، خاصة في المناطق التي خضعت لسيطرة قوات الدعم السريع.
ووفق شهادات متقاطعة وتقارير حقوقية، تمركز مسلحون داخل عدد من المستشفيات أو عند مداخلها، بينما تعرض أطباء لضغوط للعمل تحت رقابة مباشرة، مع إعطاء الأولوية أحياناً لعلاج جرحى تابعين لأحد أطراف القتال.
وفي مايو/أيار 2023، اقتحم مسلحون أحد مستشفيات العاصمة عقب وفاة مصاب، وأطلقوا النار داخل المبنى، في حادثة عكست حجم الانفلات الأمني الذي طال القطاع الصحي. وفي الشهر التالي، امتدت الانتهاكات إلى مدينة الجنينة في غرب دارفور، حيث وثقت تقارير أممية هجمات استهدفت مدنيين وفئات مهنية، من بينهم أطباء وعاملون في القطاع الصحي.
في إقليم دارفور، تعرضت مستشفيات ومراكز صحية لعمليات نهب وتخريب، بينما أجبر بعض الأطباء على مواصلة العمل تحت تهديد السلاح
ومع توسع رقعة القتال في إقليم دارفور، تعرضت مستشفيات ومراكز صحية لعمليات نهب وتخريب، بينما أجبر بعض الأطباء على مواصلة العمل تحت تهديد السلاح. وتحولت بعض المرافق الصحية، بحسب عاملين في القطاع، إلى مواقع خاضعة لنفوذ جماعات مسلحة، الأمر الذي أفقدها قدرتها على تقديم الخدمة الطبية بصورة محايدة.
وبحلول منتصف عام 2023، وجد أطباء أنفسهم محاصرين داخل أماكن عملهم، سواء بسبب انتشار المسلحين داخل المستشفيات أو نتيجة القصف والاشتباكات التي أعاقت حركة المدنيين والطواقم الطبية.
وفي مدينة أم درمان، غرب الخرطوم، استمر بعض المستشفيات في العمل بدعم من منظمات إنسانية، من بينها أطباء بلا حدود، رغم الضغط الهائل الناتج عن تدفق الجرحى واستمرار المعارك في محيطها.
ومع مرور الوقت، ظهرت أنماط أكثر تعقيداً من الانتهاكات، بينها نقل أطباء قسراً إلى مواقع أخرى لعلاج مقاتلين، أو تهديدهم بسبب نوعية المرضى الذين يقدمون لهم الرعاية الطبية.
وفي عام 2024، تصاعدت حوادث العنف داخل المرافق الصحية بشكل ملحوظ. ففي مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، اقتحم مسلحون مستشفى محلياً واعتدوا على كوادره الطبية بعد خلاف حول أولوية العلاج، قبل إجبارهم على مواصلة العمل.
أما في الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، فقد تعرض المستشفى الرئيسي لاقتحام مسلح وإطلاق نار داخله، إلى جانب نهب المعدات الطبية وتهديد العاملين، ما أدى إلى توقفه عن العمل بالكامل.
ما يتم توثيقه لا يمثل سوى جزء من الواقع، في ظل الصعوبات الأمنية واللوجستية التي تعيق عمليات الرصد
ومع انتقال القتال إلى ولاية الجزيرة، وسط السودان، تكررت الاعتداءات على المرافق الصحية، بما في ذلك اقتحام المستشفيات وتهديد الكوادر الطبية وفرض السيطرة على سير العمل داخلها، بينما استمر القصف الجوي والاشتباكات في تعريض المدنيين والعاملين في القطاع الصحي للخطر. ورغم اتساع حجم الانتهاكات، يقول ناشطون حقوقيون إن ما يتم توثيقه لا يمثل سوى جزء من الواقع، في ظل الصعوبات الأمنية واللوجستية التي تعيق عمليات الرصد، فضلاً عن الخوف الذي يمنع كثيراً من الضحايا والشهود من الإدلاء بشهاداتهم.
كما أن بعض الانتهاكات تقع في مناطق معزولة يصعب الوصول إليها، أو تطال أشخاصاً تعرضوا للقتل أو الاختفاء القسري، ما يجعل توثيقها أكثر تعقيداً.