الإيقاف المفاجئ لمشروع “الحرية”، المصمم لمرافقة السفن العالقة في الخليج العربي، ينتظر رد إيران على مقترح ترامب الجديد. إن خطر تجدد الحرب قائم. ولكن سبق أن أوضح ترامب للمنطقة بأن كل تهديداته “لها نتائج وخيمة” – مقترح آخر مغلف بغطاء من التفاؤل، مرفق بتصريح مفاده بأن التوصل إلى اتفاق مع إيران مسألة ساعات. في هذه الأثناء، يبدو ترامب، أكثر من إيران، حريصاً على طي صفحة هذه القضية، التي عرقلته وعرقلت المنطقة كلها، وتقليل الخسائر ورسم صورة تظهر وكأنها انتصار.
الوثيقة الوحيدة التي أعطيت لإيران ليست اتفاقاً، بل “ملخص تنفيذي” لمعظم المبادئ التي عرضت، بل وتم الاتفاق عليها، في محادثات إسلام آباد، وفي وقت سابق في محادثات جنيف قبل اندلاع الحرب. يضاف إلى ذلك قضية مضيق هرمز المتفجرة، وهي قضية غير متوقعة ولم تحل حتى الآن. خطة قلبت موازين الحرب. وحسب تقرير شبكة “إن.بي.سي”، فإن إيقاف عملية مرافقة السفن – التي تعتبر جوهر الجهود المبذولة لثني إيران عن عزمها، ينبع من تدخل السعودية. فقد أوضحت السعودية للولايات المتحدة بأنها لن تسمح باستخدام قادة القوات الجوية الأمريكية الموجودة على أراضيها، ولن تتيح مجالها الجوي لهذه العملية. ومن دون إذن السعودية والدول العربية المجاورة، يستحيل تنفيذ العملية التي تتطلب تشغيل طائرات قتالية وطائرات تزويد بالوقود وطائرات هجومية في سماء هذه الدول.
يتوافق موقف السعودية مع سياستها المعلنة منذ بداية الحرب، عدم السماح بشن ضربات ضد إيران من أراضيها. وكانت هذه سياستها أيضاً في حرب حزيران الماضي، وهي سياسة دائمة لدول الخليج الأخرى. وقد تكبدت السعودية خسائر فادحة جراء الهجمات الصاروخية الإيرانية على منشأة أرامكو النفطية في رأس تنورة، ومبنى السفارة الأمريكية في الرياض، وقاعدة الأمير سلطان الجوية، وحقل الشيبة النفطي ومواقع أخرى. ورغم ذلك، ركزت السعودية قيودها على استخدام أراضيها فقط في حالة شن هجمات مباشرة ضد إيران.
إن قرار السعودية توسيع نطاق الحظر ليشمل العمليات العسكرية الرامية إلى حماية السفن المدنية، وفتح الخليج للملاحة، يشير إلى تحول سياسي أكثر أهمية. هذا القرار سيجبر الولايات المتحدة على إعادة النظر في فرضياتها العسكرية وخططها العسكرية في المستقبل. وقد يكون لهذا الأمر تداعيات على تنفيذ الاتفاق مع إيران، في حالة التوقيع عليه. فعندما تحدد السعودية حدود المواجهة العسكرية مع إيران للولايات المتحدة، ستنظر اليها إيران كدولة قادرة على ضمان وقف الهجمات عليها.
وحسب تقرير “إن.بي.سي”، تفاجأت السعودية ودول الخليج الأخرى بالقرار الأمريكي إطلاق “مشروع الحرية”. مع ذلك فإن رد السعودية، التي يتواصل رئيسها محمد بن سلمان بشكل مباشر ومستمر مع ترامب، لا يعتبر استخفافاً بحقيقة أن ترامب اعتبر استخدام أراضيها عسكرياً أمراً مفروغاً منه. السعودية، التي عارضت الحرب من البداية، على اتصال أيضاً مع مسؤولين رفيعين في النظام الإيراني، وهي شريكة خفية في جهود الوساطة الباكستانية، وتجري الصين وروسيا نقاشات دبلوماسية معها لإيجاد حلول.
استنتج السعوديون أن “مشروع الحرية” وصفة أكيدة لحرب جديدة ستكون فيها المملكة هدفاً للصواريخ الإيرانية، على غرار الهجمات الأخيرة على الإمارات. إن إنقاذ نحو 2000 سفينة وعلى متنها حوالي 20 ألف بحار يعني عملية طويلة المدى، تستطيع إيران فيها ضرب أهداف استراتيجية: قصف ميناء الفجيرة في الإمارات، وهو منفذ بديل يتجاوز مضيق هرمز، وبعد ذلك ميناء ينبع السعودي. وفي خضم ذلك، يمكنها زرع المزيد من الألغام في مياه الخليج. تكمن المشكلة في أن النفط الإيراني لا يجد منفذاً، مما اضطر دول الخليج، لا سيما العراق والكويت، إلى خفض إنتاجها من النفط بشكل كبير.
مع ذلك، لا تقتصر المشكلة التي تواجه السعودية وجيرانها على المسألة التقنية فقط، وهي مسألة مهمة جداً بحد ذاتها. فهذه ليست دولاً شقيقة، وقد تسببت اختلافات المصالح بالفعل في نزاعات خطيرة بينها. لكن يبدو أنهم استنتجوا بأنه من دون اتفاق مع إيران قد يتحول الخليج إلى ساحة حرب دائمة، لا يقتصر فيها الانهيار الاقتصادي على إيران وحدها، بل تتآكل مواردها وتتلاشى قدرتها على تنفيذ رؤيتها المستقبلية، وتتعرض سياسة وجهود الاستثمار الدولية لتنويع مصادر الدخل للتقويض، ما قد يشعل فتيل عدم الاستقرار الداخلي. وقد يؤثر هذا أيضاً على دول “الخط الثاني” التي تعتمد على المساعدات من دول الخليج. فملايين العمال الأجانب من الدول العربية والإسلامية، الذين يعتبر دخلهم مصدراً مهماً للناتج القومي لدول المنطقة، قد يجدون أنفسهم عاطلين عن العمل. ويتوقع تجميد أو إلغاء استثمارات بملايين الدولارات كان مخططاً لها لتمويل مشاريع في مصر والمغرب وسوريا وغيرها. ولكن دول الخليج التي حذرت ترامب أدركت أن نفوذها، بما في ذلك التزامها باستثمار تريليونات الدولارات في الاقتصاد الأمريكي وعلاقاتها بالرئيس، لا يتوافق مع الافتراضات الأساسية التي تبناها ترامب بتشجيع من إسرائيل. يبدو أن السعودية قد قررت الانتقال من الدعاية والإقناع إلى أخذ زمام المبادرة ووضع السياسات. وهي بذلك تعلن بداية استراتيجية تسعى إلى قيادتها لدول الخليج الأخرى.
وقد وصلت إيران أيضاً إلى مفترق طرق حاسم، حيث يجب عليها تحديد كيفية استثمار نجاحها في تحويل مضيق هرمز إلى قضية محورية ستحدد مصير الصراع، وتحويله من تهديد إلى اتفاق مع إنجازات ملموسة، إنجازات تمكن النظام من إدارة شؤون البلاد، وليس الحرب فقط. في غضون ذلك، لم تتوقف الخلافات الداخلية في أعلى هرم السلطة. أمس، نشر مقال في موقع “رجا نيوز” الإلكتروني، يعبر عن مواقف شخصيات متطرفة لا تعارض الاتفاق فقط، بل تعارض وجود المفاوضات من الأساس. ويحذر المقال القيادة من “خداع الاتفاقات” ويؤكد: “لن تحل مشكلات إيران الاقتصادية إلا بالانتصار في الحرب، وليس بإنهاء الحرب”.
لكن يبدو أن الدائرة القيادية بدأت توافق على آراء حول دراسة جدوى التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. وسط ضجة التهديدات المتبادلة، يمكن استشفاف تنازلات متبادلة قد تفضي إلى انفراجة. لقد توقف ترامب عن اعتبار إسقاط النظام الهدف الرئيسي للحرب، كما لم يعد برنامج الصواريخ البالستية وقطع العلاقة بين إيران وحلفائها تتصدر تصريحاته العلنية. وتشير التقارير إلى أن الوثيقة المكونة من 14 بنداً، التي تنتظر إيران للموافقة عليها، تقدم الكثير من الخيارات في حالة امتثالها لها: الإفراج عن مليارات الدولارات المجمدة في البنوك في أرجاء العالم، ورفع تدريجي للعقوبات، والإعلان عن إنهاء الحرب.
من ناحيتها، تعتبر إيران استعدادها لمواصلة المفاوضات مع الولايات المتحدة تنازلاً عن موقف مبدئي سابق لعلي خامنئي، المرشد الأعلى الذي اغتيل في قصف إسرائيلي، ونجله مجتبى الذي لم يسمع موقفه منه بشكل مباشر. والأهم من ذلك هو موافقة إيران على فحص وثيقة أمريكية تربط بين قضية النووي وفتح مضيق هرمز، الذي يعتبر عندها تنازلاً جوهرياً مقارنة بطلبها السابق. فقد كانت ترغب في فصل الملفين ومناقشة إجراءات الملاحة في الخليج أولاً، وتأجيل الملف النووي إلى وقت لاحق.
هذا الاستعداد لا يلغي اعتراض إيران على نقل اليورانيوم المخصب من أراضيها إلى دولة ثالثة. ولا تتنازل عن حقها في تخصيب اليورانيوم على أراضيها، وهو حق أعطي لها بموجب التوقيع على معاهدة عدم نشر السلاح النووي. وتطالب إيران أيضاً بتعويض عن الأضرار التي لحقت بها في الحرب، والاعتراف بسيادتها على مضيق هرمز. ولكن إذا وافقت إيران على اعتبار الوثيقة الأمريكية الأساس لمفاوضات شاملة تجري بالتوازي، دون فصل المسألتين، فهذا يعني أن المسالة النووية لن تكون رهينة، بحيث لا يكون التوصل إلى اتفاق حولها مشروطاً بحل سريع لمشكلة مضيق هرمز. وهكذا تزيل إيران الشكوك المبررة بأن تقسيم القضايا يهدف إلى تأجيل المفاوضات النووية وكسب الوقت لإعادة تأهيل المواقع النووية، مستغلة التزام الولايات المتحدة بعدم القتال.
هذا الإطار لا يضمن مفاوضات أسهل وأسرع، لأنه مبني على مبدأ “لا اتفاق حتى يتم الاتفاق على كل شيء”. كما أنه ما زال من غير الواضح من هو الإيراني المخول بالتوقيع على اتفاق المبادئ إذا تقرر تنفيذه. ولكن إذا ردت إيران بالإيجاب فسينتقل الصراع من ممرات الملاحة في الخليج إلى طاولة المفاوضات. وهكذا قد يتراجع خطر استئناف الحرب.
تسفي برئيل
هآرتس 8/5/2026