القاهرة ــ «القدس العربي» : عند النظر إلى مظاهر الحياة المصرية وتفاصيلها، نظراً للظروف الاقتصادية والاجتماعية القاسية، التي صنعها بالأساس الظرف السياسي، يبدو ما كنا نعهده عن هذه الحياة وسلوك أصحابها ــ حتى وقت قريب ــ بعيداً جداً الآن، مما يجعله وكأنه شكلاً من أشكال التراث. هذا التراث الذي أكدته التكنولوجيا، والانشغال بوسائل التواصل الاجتماعي، التي أنتجت بدورها شكلاً جديداً ومغايراً للحياة.
وبعيداً عن هذا الصخب الزائف يأتي معرض «كُنّا» للفنان فتحي علي، مؤكداً عنوانه على زمن مضى وتفاصيل وحيوات تناساها أصحابها، ولكننا يمكن تذكّرها فقط عن طريق الفن. أقيم المعرض في غاليري (آرت كورنر) في القاهرة، وضم لوحات متنوعة خامة وحجماً، ما بين الألوان الزيتية والمائية، يستعرض من خلالها صاحبها العديد من المهن والشخصيات التي اختفت، أو تظهر بيننا الآن على استحياء، إضافة إلى شخصية المُهرّج (البلياتشو)، وهو شخصية معهودة وذات دلالة، تؤكد دائماً المفارقة بين وظيفة الشخصية وطبيعتها الإنسانية.
زمن الأبيض والأسود

امرأة بملابسها الشعبية تقف في شرفتها تنشر الغسيل، بائع العرقسوس، بائع العيش والقفص فوق رأسه وهو يسير بدراجته في مهارة، عازف المزمار البلدي، الطبّال، إضافة إلى بعض مظاهر الحياة في الريف والقرى في شمال مصر كحرث الأرض، وما شابه من هذه المظاهر. هنا وكأننا أمام عدة ثقافات أو بيئات تبدو من خلال الشخوص أو المكان.. الحي الشعبي، أجواء الموالد الشعبية في مصر الإسلامية، وكذا الريف المصري. هذه اللوحات/اللقطات التي تبدو وكأنها من زمن أفلام الأبيض والأسود. في هذه اللوحات التي تتنوع بين الألوان الزيتية والمائية، يبدو الأمر وكأنه حالة يريد الفنان أن ينقلها إلى المُتلقي.. سواء تذكّر التفاصيل مباشرة كما في اللوحات الزيتية، أو الإيحاء بالحالة أكثر لكل من الفنان والشخصية التي تم تجسيدها عبْر اللوحة، في حالة لوحات الألوان المائية، هنا تغيم التفاصيل، وتصبح الشخصية أكثر التصاقاً بعالمها، وكأنها في عزلة عن المتلقي، عالم يحاول جاهداً الحفاظ على نفسه. ورغم ذلك يدرك المتلقي جيداً عبْر مقارنة ضرورية بين شخصيات هذه اللوحات ووجودها الفعلي، ليستيقظ على غيابها، ويبتسم فقط في تأسٍ لا يملك إلاه.
المُهرّج
تحمل شخصية المُهرّج فلسفة معهودة أو وجهة نظر اعتيادية تم ترسيخها وأصبحت بدورها ذات دلالة خاصة بها، اختلقها المفكرون والفلاسفة. ولم يبتعد الفنان عن هذه النظرة، من حيث هذا الشخص (المُهرّج) له طبيعة أخرى تختلف تماماً عما يقوم به فوق المسرح. فهذا الذي يُضحك الجميع يحمل ما لا يُطاق.
هنا يتخيّر الفنان في أغلب اللوحات التي كان موضوعها البلياتشو لحظات الوحدة التي يعيشها، والحزن الذي يتنفسه، رغم الألوان الزاهية التي يظهر بها أمام الجميع، ومساحيق الوجه التي تخفي ملامحه الأصلية. فنحن نعرفه دائماً في حالة عرض مستمر، حتى أنه ترسّخ في المخيلة كذلك، وقد ينتهي من فقرته (نمرته) ويُزيل مساحيق البهجة المزيفة هذه، عندها لا نتعرّفه أو نشعر به، رغم الأضواء الزائلة بدورها. ولتأكيد ذلك يتوحد المُهرّج مع مخلوقات أخرى ننظر إليها من قبيل التسلية أيضاً، فلا نعرفها غير ذلك ولا نعرف لغتها، كلوحات المُهرّج مع قطة أو كلب شارع، لينتهي به الأمر أن يعطي العالم ظهره.
المفارقة
ويبدو أن المفارقة هي أساس معرض (كُنّا) للتشكيلي المصري فتحي علي، سواء من خلال التقنية، حيث اعتماد التصوير الزيتي والألوان المائية، أو الشخصيات والعالم الذي تجسده اللوحات.. مفارقة نفسية لشخصية المُهرّج، وأخرى ـ وهي الأكثر أصالة ـ التي يمكن أن نطلق عليها مفارقة الذاكرة، بين تذكّر ذلك العالم ومُطالعته في لوحة توحي بزواله في الوقت نفسه.

