موريتانيا والجزائر تواصلان بناء تحالف اقتصادي جديد يربط المغرب العربي بالساحل الإفريقي



عبد الله مولود

نواكشوط «القدس العربي»: لم تكن الأجنحة الجزائرية المكتظة بالمنتجات الصناعية والغذائية والدوائية في قاعة المعارض بالعاصمة الموريتانية نواكشوط، مجرد مساحة لعرض السلع، بل بدت أقرب إلى إعلان اقتصادي وسياسي عن مرحلة جديدة في العلاقات بين موريتانيا والجزائر.
فقد جاءت النسخة الثامنة من معرض المنتجات والخدمات الجزائرية، التي شاركت فيها أكثر من 350 شركة جزائرية، هذه المرة في سياق مختلف تحكمه تحولات إقليمية متسارعة، ورغبة متزايدة لدى البلدين في بناء شراكة تتجاوز التبادل التجاري التقليدي نحو مشروع تكامل اقتصادي ولوجستي واسع.
وقد حمل المعرض الذي افتتحته وزيرة التجارة في الحكومة الموريتانية، زينب أحمدناه، تحت شعار «موعد ثابت وشراكات متجددة»، حمل رسائل واضحة بشأن مستقبل العلاقات الثنائية الموريتانية الجزائرية، خاصة أنه جاء بعد فترة قصيرة من الزيارة الأخيرة التي قام بها الوزير الأول الموريتاني المختار ولد اجاي إلى الجزائر، والتي شهدت توقيع سلسلة اتفاقيات في مجالات الطاقة، والصيد البحري، والصناعة الدوائية، والنقل الجوي، والخدمات المالية، إضافة إلى تفعيل مجلس الأعمال المشترك بين البلدين.
خيار استراتيجي لا ظرف سياسي
وفي مداخلة افتتاحية للمعرض، أكدت وزيرة التجارة الموريتانية «أن هذه التظاهرة الاقتصادية تنعقد في ظرفية خاصة شهدت فيها العلاقات الموريتانية الجزائرية دفعا قويا»، معتبرة «أن التعاون بين البلدين لم يعد خيارا ظرفيا، بل توجها استراتيجيا يخدم مصالح الشعبين ويعزز موقعهما في فضائهما المغاربي والإفريقي».
وأضافت الوزيرة أن المعرض الجزائري «تحول إلى موعد منتظم يعكس تجسيد الروابط التاريخية وعلاقات الجوار في شكل شراكات اقتصادية متينة»، مشيرة إلى «أن هذه الرؤية تجد تطبيقها العملي ضمن البرنامج الحكومي بإشراف الوزير الأول المختار ولد اجاي».

عبر استضافة نواكشوط للنسخة الثامنة لمعرض المنتجات الجزائرية

كما أكدت استعداد وزارة التجارة والسياحة في موريتانيا «لمواكبة كل المبادرات الجادة الرامية إلى تيسير التبادل التجاري وتشجيع الاستثمار وتحسين انسيابية السلع»، بما يسمح بتحويل التقارب السياسي إلى مكاسب اقتصادية ملموسة.
من السياسة للدبلوماسية الاقتصادية
وظلت العلاقات الموريتانية الجزائرية خلال السنوات الماضية محافظة على طابع سياسي مستقر، لكن ما يحدث اليوم يعكس انتقال البلدين إلى مرحلة جديدة عنوانها «الدبلوماسية الاقتصادية».
فالجزائر التي تسعى إلى تعزيز حضورها في العمق الإفريقي، ترى في موريتانيا بوابة استراتيجية نحو أسواق غرب إفريقيا ومنطقة الساحل، بينما تبحث نواكشوط عن شريك إقليمي قادر على توفير العمق الصناعي واللوجستي الذي تحتاجه لتنويع اقتصادها وتقوية شبكاتها التجارية.
ولهذا وجهت وزيرة التجارة الموريتانية نداء مباشرا للشركات الجزائرية من أجل الاستفادة من «ديناميكية السوق الموريتانية باعتبارها بوابة نحو أسواق غرب إفريقيا ومنطقة الساحل».
ولا تخفي الجزائر اهتمامها باستخدام الأراضي والموانئ الموريتانية كجسر لعبور منتجاتها نحو أسواق إقليمية واعدة مثل السنغال وغامبيا ودول الساحل، خصوصا في ظل الموقع الجغرافي الذي يمنح موريتانيا أفضلية لوجستية بين شمال وغرب القارة الإفريقية.
ويرى مراقبون أن الجزائر تحاول عبر هذا التوجه بناء مسار تجاري جديد نحو إفريقيا الغربية، يسمح لها بتوسيع صادراتها خارج الأسواق التقليدية، وتقوية حضورها الاقتصادي في منطقة تشهد تنافسا إقليميا متزايدا.
طريق تندوف الزويرات
وضمن المشاريع التي تعكس هذا التحول، يبرز الطريق الرابط بين تندوف بالجزائر والزويرات في موريتانيا باعتباره أحد أهم المشاريع الاستراتيجية بين البلدين.
ووصفت وزيرة التجارة الموريتانية هذا المشروع بأنه «ممر بري حيوي لتعزيز التبادل التجاري والتكامل الاقتصادي»، مؤكدة «أن تطوير النقل البحري والخدمات اللوجستية سيفتح آفاقا جديدة للتعاون من خلال تقليص تكاليف النقل وتسهيل إنسيابية المبادلات التجارية».
ويرى مراقبون أن الطريق الجديد قد يتحول إلى شريان اقتصادي يربط الجزائر مباشرة بعمق الساحل وغرب إفريقيا عبر الأراضي الموريتانية، بما يمنح البلدين موقعا اقتصاديا متقدما في المنطقة.
350 شركة جزائرية .. اختبار للسوق الموريتانية
وقد عكس الحضور القوي للشركات الجزائرية في معرض نواكشوط رغبة جزائرية في الانتقال من التبادل التجاري المحدود إلى بناء حضور اقتصادي واستثماري دائم.
فالشركات الجزائرية المشاركة تنشط في قطاعات متعددة تشمل الصناعات الغذائية ومواد البناء والأدوية والتجهيزات الصناعية والخدمات، وهو ما يبرز محاولة الجزائر توسيع نفوذها الاقتصادي في السوق الموريتانية.
وقد دعا رئيس الاتحاد الوطني لأرباب العمل الموريتانيين، محمد زين العابدين ولد الشيخ أحمد، المستثمرين الجزائريين إلى الاستفادة من الفرص التي توفرها مدونة الاستثمار الجديدة، فيما أكد المدير العام لوكالة ترقية الاستثمارات، الدكتور التاه أحمد مولود، استعداد الوكالة لمرافقة المستثمرين الجزائريين الراغبين في دخول السوق الموريتانية.
ارتفاع كبير في حجم المبادلات
وأكد رئيس مجلس الأعمال الجزائري الموريتاني، يوسف الغازي، أن معرض المنتجات الجزائرية في نواكشوط بات يشكل منصة استراتيجية لتعزيز التبادل التجاري والاستثماري بين الجزائر وموريتانيا، مشيرا إلى أن حجم المبادلات بين البلدين بلغ نحو 500 مليون دولار، بعد أن كان لا يتجاوز 50 مليون دولار خلال السنوات الماضية، مع توقعات بارتفاعه إلى عشرة أضعاف عقب استكمال مشروع الطريق البري الرابط بين تندوف الزويرات.
واعتبر الغازي أن المعرض لم يعد مجرد فضاء للترويج للمنتجات، بل تحول إلى آلية عملية لترجمة الإرادة السياسية إلى شراكات اقتصادية ومشاريع تنموية، في ظل مشاركة واسعة لنحو 350 شركة جزائرية تمثل قطاعات البناء والفلاحة والصناعات الغذائية والدوائية والطاقة، بما يعكس توجه الجزائر نحو تعزيز حضورها في السوق الموريتانية والانفتاح على أسواق غرب إفريقيا.
أبعاد تتجاوز الاقتصاد
ورغم الطابع الاقتصادي الظاهر لهذا التقارب، فإن أبعاده السياسية والجيوسياسية تبدو حاضرة بقوة، فالمنطقة المغاربية تعيش حالة جمود سياسي، فيما تواجه منطقة الساحل اضطرابات أمنية متواصلة، وهو ما يدفع البلدين إلى بناء شراكات اقتصادية يمكن أن تتحول إلى أدوات استقرار ونفوذ إقليمي.
ويبدو أن ما يجري اليوم بين موريتانيا والجزائر أمر أكبر من مجرد ارتفاع في حجم المبادلات التجارية الذي بلغ 325 مليون دولار خلال العام الماضي، فالبلدان يحاولان بناء نموذج تعاون جديد يقوم على ربط المصالح الاقتصادية بالبنية التحتية والعمق الإفريقي.
وفي منطقة تعيش تغيرات متسارعة وتحولات في النفوذ، قد يصبح هذا التقارب الاقتصادي أحد أبرز المشاريع المغاربية القليلة التي انتقلت من الخطاب السياسي إلى التنفيذ العملي، وسط رهان متزايد على أن الاقتصاد قد يكون المدخل الأكثر واقعية لبناء شراكات مستقرة ودائمة في المنطقة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *