فهمي عبد السلام أستاذ جامعي وأحد الأصوات الأدبية والنقدية البارزة على الساحة الثقافية في مصر، اتجه إلى الكتابة الإبداعية في بداية التسعينيات، بعد أن أمضى وقتاً طويلاً في الكتابة الصحافية الساخنة، ضد ما كان يراه خللاً في نظام المؤسسة الثقافية الرسمية، وقد صادفت كتاباته شديدة اللهجة هوىً لدى القائمين على تحرير الصفحة الثقافية في جريدة «الشعب» التي رفعت سقف المُعارضة آنذاك فاستقطبت عدداً من الكُتاب الليبراليين فكان عبد السلام واحداً منهم.
وبكتاباته شبه المُنتظمة في تلك الفترة، استطاع أن يلفت النظر بالفعل إلى العوار الثقافي ودأب على الكتابة الحادة ضد الظواهر السلبية، وأشار في سياق ما تناوله من قضايا إلى بعض الشخصيات المسؤولة، ونتيجة لذلك اشتعلت بعض المعارك بينه وبين من اعتبروه خصماً سياسياً.
وقد تنوعت منابر النشر التي استوعبت الكتابات النقدية اللاذعة لفهمي عبد السلام الأستاذ في كلية طب الأسنان والمُثقف الذي رفض المهادنة والمواربة، فكتب في مجلة «الهلال» لفترة طويلة سلسلة من المقالات أثارت جدلاً واسعاً في حينها للمُباشرة والصرامة والحدة فيها، لكنه عدل بعد فترة عن رصد القضايا السياسية واتجه إلى النقد الأدبي، فتناول بعض روايات الأدباء الكبار أمثال فتحي غانم ويوسف إدريس ويحيى حقي ونجيب محفوظ، واختار نماذج معينة من أعمالهم رأى فيها خلاصة تجاربهم وألق موهبتهم، كرواية «البيضاء» ليوسف إدريس و»الأفيال والجبل» لفتحي غانم و»صح النوم» و»البوسطجي» و»قنديل أم هاشم» ليحيى حقي و»السراب» و»خان الخليلي» و»السمان والخريف» و»الشحاذ» لنجيب محفوظ.
ووجد فهمي عبد السلام ضالته في هذا النوع من الكتابة الأدبية، التي سمحت له بتمرير وجهة نظرة فيما استهدفه من قضايا باستخدام حيلة الرمز والإسقاط، ومن ثم أصبح بمنأى عن مشاكل الاعتراض والرفض والصدام المُباشر مع رؤساء التحرير ومُلاك الصُحف الخاصة، وأفلح في مقصده وتواترت مقالاته واحدة تلو الأخرى في عدد من النوافذ، باستثناء بعض الإصدارات الحكومية المُتخصصة، التي انتقد قياداتها فلم يمنحوه فرصة النشر فيها كرد فعل متوقع من جانبهم، الذي كثيراً ما أشار إليه الطبيب الأديب، بسخرية وتهكم مُردداً مقولته الدائمة.. المؤسسات الصحافية الرسمية عزب أغلقت على من فيها!
وبعد فترة من النشاط والحماس والمداومة على الكتابة سافر إلى إحدى الدول العربية للعمل أستاذا جامعيا، وخلال المدة التي تجاوزت ثلاثة سنوات أو أكثر، ندرت كتاباته لانشغاله بمهامه العلمية، لكن بعد عودته ركز في كتابة الأعمال الإبداعية التي كان قد بدأها على استحياء في أوائل الثمانينيات، بمسلسل تلفزيوني حمل عنوان «ميراث الغضب» للمخرجة علوية زكي، بطولة محمود ياسين وشهيرة وفاروق الفيشاوي وليلى علوي، أعقبه بعد فترة طويلة بفيلم «وتمت أقواله» بطولة يحيى الفخراني وصفية العمري وسعيد صالح من إخراج مجدي محرم.
وباستمرار المسيرة الأدبية أصدر مجموعته القصصية الأولى «حُجرة الفئران»، وبعدها المجموعة الثانية «صاحبي الذي غوى»، ثم كتابة عن رفيق رحلة الكفاح الشاعر الراحل أمل دُنقل «مُذكرات الغُرفة 8»، حيث استعرض بالتفصيل أوجه الحياة الصعبة التي عاشها أمل بين اللوكندات الفقيرة والغُرف الصغيرة ومقاهي وسط العاصمة، بين النُخب والمُريدين والمُنافسين ومن وصفهم الكاتب بالنبلاء حيناً والأدعياء أحياناً أخرى.. كان الكتاب تأريخاً لمُعاناة الشاعر الكبير وتوثيقاً لحياته القصيرة المتراوحة بين مستويات اجتماعية ومأساوية عديدة ومؤلمة على صعيد المرض والعوز والجحود إلى آخر ما استطاع صديق العُمر الكشف عنه بشفافية ووضوح وصراحة.
في الفترة الأخيرة من حياة فهمي عبد السلام تعددت كتاباته السينمائية وصدر له عملان آخران، الأول مجموعة قصصية بعنوان «سوء تفاهم» والثاني رواية بعنوان «دولاب مريم»، وبالطبع لم يخل أي من العملين الأدبيين من مسحة السخرية المُعتادة في كتاباته، التي استخدمها استخداماً كاريكاتيرياً للإشارة إلى ما يعتري الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية من مُتغيرات مُثيرة ومُلتبسة ومُضحكة أحياناً.. فهكذا كان الكاتب الراحل يؤمن بالسُخرية كأسلوب إبداعي يختصر الكثير من المعاني ويُقرب المضامين ويفي بالغرض إذا ما امتلك صاحب الرأي وجهة نظر وعرف ماذا يُريد من الكتابة والإبداع والفن.
كاتب مصري