600 هجوم ضد أمريكا في العراق منذ بدء الحرب… وقادة 3 فصائل في دائرة الملاحقة


بغداد ـ “القدس العربي”: رغم الهدوء النسبي الذي تشهده الأجواء العراقية، منذ إعلان الهدنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في أيار/ مايو الماضي، وانشغال السياسيين بتثبيت حصصهم في الحكومة الجديدة المقرر تشكيلها بزعامة علي الزيدي، لم تكفّ الإدارة الأمريكية عن إطلاق تحذيراتها من مغبة إشراك الفصائل في إدارة البلاد، فضلاً عن مواصلتها ملاحقة قيادات بارزة في تلك الفصائل، آخرها أكرم الكعبي الأمين العام لحركة “النجباء”.

وسبق أن بارك الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة، مشيراً إلى “دور أمريكي” في اختيار رجل الأعمال الشاب لإدارة دفّة الحكم في البلد لأربع سنوات مقبلة.

وعلى وقع هذا التطور في العلاقة بين بغداد وأربيل، تلقى الزيدي، الأربعاء، اتصالاً هاتفياً من وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، هنأه فيه بمناسبة تكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة.

بيان لمكتب الزيدي أفاد بأن “الاتصال شهد بحث العلاقات الثنائية بين العراق والولايات المتحدة في مختلف المجالات، ولا سيما التعاون الأمني، وفق ما تضمنته اتفاقية الإطار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن”.

وأكد الجانبان “خصوصية العلاقة بين البلدين، وأهمية العمل على إعادة تفعيلها في جانب التدريب، بهدف تعزيز قدرات القوات المسلحة العراقية ورفع مستوى كفاءتها”.

تشدد الإدارة الأمريكية على أهمية منع انخراط الفصائل أكثر في الحكومة الجديدة، وتطالب إدارة الزيدي باتخاذ إجراءات عملية في هذا الصدد وعدم الاكتفاء بـ”الأقوال”

يحدث ذلك في وقتٍ تشدد فيه الإدارة الأمريكية على أهمية منع انخراط الفصائل أكثر في الحكومة الجديدة، وتطالب إدارة الزيدي باتخاذ إجراءات عملية في هذا الصدد وعدم الاكتفاء بـ”الأقوال”.

وصرّح مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأمريكية بأن منشآت بلاده في العراق تعرضت لأكثر من 600 هجوم خلال فترة التصعيد العسكري مع إيران، مشيراً إلى أن هذه الهجمات، التي استخدمت فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة، شملت السفارة الأمريكية في بغداد، ومركز الدعم الدبلوماسي الأمريكي، والقنصلية الأمريكية في أربيل.

وحسب ما نقلته شبكة (سي إن إن) الأمريكية عن المسؤول قوله إن القادة العراقيين “يدركون ما الذي تريده الولايات المتحدة”، مضيفاً: “نحن نبحث عن أفعال لا أقوال”.

وأكد أن “هناك خطاً ضبابياً جداً حالياً بين الدولة العراقية وهذه الميليشيات، والبداية يجب أن تكون بإخراج الميليشيات من مؤسسات الدولة، وقطع دعمها من الموازنة العراقية، ومنع صرف الرواتب لعناصرها”، معتبراً أن “هذه هي الإجراءات الملموسة التي يمكن أن تمنحنا الثقة بوجود نهج جديد”.

“شديد الخطورة”

ويبدو أن الترحيب الأمريكي بتكليف الزيدي لا يعني قناعة واشنطن بعودة الأجواء العراقية إلى طبيعتها قبل الحرب الأمريكية ـ الإيرانية، إذ لا تزال قلقة على رعاياها المتواجدين على الأراضي العراقية، الأمر الذي دفع سفارتها إلى إصدار تحذير أمني جديد وصفت فيه الوضع في العراق بـ”شديد الخطورة”، داعيةً مواطنيها إلى الالتزام بأقصى درجات الحيطة والحذر.

وأشار بيان لسفارة واشنطن في بغداد، أصدرته مساء الثلاثاء، إلى أنه “رغم إعادة فتح المجال الجوي العراقي، واستئناف الرحلات التجارية بشكل محدود، إلا أن مخاطر حقيقية لا تزال تكتنف السفر الجوي”، محذرة من “احتمالية تعرض الأجواء العراقية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة والقذائف الصاروخية”، داعيةً الراغبين بالسفر جواً إلى “استيعاب حجم هذه التهديدات”.

وجددت واشنطن تصنيف العراق ضمن “المستوى الرابع” (الخطر الأعلى)، وهو التحذير الذي يقضي بعدم السفر إلى العراق لأي سبب كان.

وحث البيان المواطنين الأمريكيين الموجودين حالياً في العراق على “المغادرة فوراً”، مؤكداً أن “الفصائل المسلحة تواصل التخطيط لهجمات إضافية ضد الرعايا الأمريكيين والأهداف المرتبطة بالولايات المتحدة في عموم البلاد، بما في ذلك إقليم كردستان”.

رصد مكافأة مالية تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات تقود إلى أكرم عباس الكعبي، زعيم حركة “النجباء” العراقية

كما ذكر بأن “بعض الجهات المرتبطة بالحكومة العراقية تواصل تقديم غطاء سياسي ومالي وعملياتي لهذه الميليشيات، مما يفاقم من تعقيد الوضع الأمني ويصعب مهمة حماية البعثات الدبلوماسية والرعايا الأجانب”.

في الموازاة، لم تغفل واشنطن عن برنامجها الرامي للإطاحة بقادة الفصائل العراقية المنضوية في ائتلاف “المقاومة الإسلامية”، إذ أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية رصد مكافأة مالية تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات تقود إلى أكرم عباس الكعبي، زعيم حركة “النجباء” العراقية.

وذكرت في بيان أن “الكعبي يُعد مؤسس وقائد الحركة، المصنفة ضمن الجماعات المسلحة الموالية لإيران”، مشيرة إلى “تورط عناصرها في هجمات استهدفت منشآت دبلوماسية وقواعد عسكرية أمريكية في كل من العراق وسوريا”.

وأضافت أن “تلك الهجمات أسفرت عن مقتل متعاقد أمريكي وإصابة عدد من الجنود”، مؤكدة أن “المكافأة تأتي ضمن برنامج مخصص لتلقي معلومات عن أفراد متورطين في أنشطة تهدد الأمن”.

ودعت الوزارة، حسب البيان، من يمتلك معلومات عن الكعبي إلى “التواصل عبر قنوات مخصصة، من بينها خط ساخن على شبكة (تور) أو عبر تطبيق (سيغنال)”، لافتة إلى أن “مقدمي المعلومات قد يكونون مؤهلين للحصول على مكافأة مالية، على حد قولها”.

ويعد الكعبي ثالث رجل عراقي يقود فصيلة مسلحة مطلوبة للإدارة الأمريكية، بعد الأمين العام لكتائب “حزب الله”، أبو حسين الحميداوي، والأمين العام لكتائب “سيد الشهداء” أبو آلاء الولائي.

وفي أواخر نيسان/ أبريل الماضي، كانت السفارة الأمريكية في بغداد قد وجهت اتهامات شديدة اللهجة لـ”حركة أنصار الله الأوفياء”، واصفة إياها بالمنظمة “الإرهابية” التي “تقوض سيادة العراق وتهدد أمن المنطقة”.

وفي بيان أصدرته وقتها، أكدت السفارة أن “الحركة شنت هجمات واسعة النطاق استهدفت مصالح مختلفة”، مشيرة بشكل خاص إلى “كمين الثامن من نيسان/ أبريل الذي استهدف دبلوماسيين أمريكيين بالقرب من مطار بغداد الدولي”.

وشدد البيان على أن “أنشطة هذه الحركة لا تشكل خطراً على الجانب الأمريكي فحسب، بل تمتد لتهدد سلامة المدنيين العراقيين”، معتبرة أن “استمرار هذه التحركات يعد انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية العراقية”.

يكمن التعقيد في ملف الفصائل، بكونها تمتلك تمثيلاً سياسياً بتشكيلها أو دعمها كتلاً سياسية داخل البرلمان والتحالف الشيعي الحاكم “الإطار التنسيقي”

وتابع البيان: “لن نتسامح مع الهجمات التي تستهدف المصالح الأمريكية”، مضيفاً أن “واشنطن تتوقع من السلطات العراقية اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتفكيك الميليشيات الإرهابية المتحالفة مع إيران لضمان استقرار البلاد وحماية البعثات الدولية”.

ويكمن التعقيد في ملف الفصائل، بكونها تمتلك تمثيلاً سياسياً بتشكيلها أو دعمها كتلاً سياسية داخل البرلمان والتحالف الشيعي الحاكم “الإطار التنسيقي”، فضلاً عن أن أغلب مقاتليها منضوون رسمياً في “هيئة الحشد الشعبي”.

ويرى الباحث فراس إلياس أن من الصعب التعويل على قدرة رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي على تشكيل حكومة عراقية خالية من “الإرهاب”، بالمعنى الذي يطرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وقال في تصريحات صحافية إن “هذا الطرح يعكس رؤية سياسية أمريكية أكثر مما يعكس واقعاً قابلاً للتحقق داخل البنية العراقية الحالية”.

وأشار إلى أن “أي محاولة لإقصاء هذه الفصائل بشكل كامل من المشهد الحكومي تبدو غير واقعية، ليس فقط بسبب ثقلها الميداني، بل لأنها أيضاً جزء من التوازنات السياسية داخل الإطار التنسيقي، الذي يُفترض أن يشكل الحاضنة الأساسية لحكومة الزيدي”.

ضبط دورها

وبيّن أن “تجاوز عقدة الفصائل لا يمكن أن يكون عبر المواجهة المباشرة، بل من خلال إعادة ضبط دورها وتقليص هامش حركتها بما ينسجم مع متطلبات الدولة، دون الذهاب إلى صدام مفتوح معها”. واعتبر أن “السيناريو الأرجح لا يتمثل في تشكيل حكومة خالية من الفصائل، بل في تشكيل حكومة أكثر انضباطاً على المستوى الأمني، تعمل على احتواء هذه القوى وإعادة توجيه دورها ضمن إطار الدولة”.

في حين، رجح الخبير الأمني جليل خلف أن توافق الفصائل في العراق على تسليم سلاحها إلى “الحشد الشعبي” على اعتباره مؤسسة حكومية رسمية، بعد أن أدركت تلك الفصائل أهمية الاستقرار في العراق.

رجح خبير أمني  أن توافق الفصائل في العراق على تسليم سلاحها إلى “الحشد الشعبي”

ويشير في تصريحات لمواقع إخبارية محلية إلى أنه “لا بد من وضع آلية لاتفاق تسليم السلاح إلى الدولة، خصوصاً وأن قادة الكثير من الفصائل تحولوا إلى العملية السياسية ولديهم مقاعد في مجلس النواب”، لافتاً إلى “وجود بوادر جيدة، خصوصاً بعد التأييد الأمريكي لعلي الزيدي في تشكيل الحكومة المقبلة”. وأوضح أن “بعض قادة الفصائل المسلحة أصبحت لهم مصالح وشركات، لذلك فلا بد من دمج الفصائل بالحشد أو الجيش”، واصفاً الوضع في العراق بأنه “على مفترق طرق”.

ووفق خلف، فإن “المنطقة مقبلة على تغيرات كبيرة، سواء في الخليج أو لبنان أو غزة، الأمر الذي سينعكس على الوضع في العراق”.

 



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *