تثبت الأيام أن القادمين من ردهات الاستوديوهات وصالونات الفن يمتلكون – ليس فقط الذائقة الفنية الرفيعة – بل وكذلك الحس الإنساني اللطيف الجامع، الذي يبني ولا يهدم.
فحجم وعدد الفنانين الذين تمردوا على الإعلام الغربي في تغطيته لحرب غزة وغيرها من حروب الشرق الأوسط والعالم، يثبت مدى رجاحة عقول وقلوب هؤلاء، وأن محبة العالم لهم، لم تأت من فراغ.
نتذكر ذلك، ونحن نشاهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، المولع بالموسيقى الشعبية لبلاده، والذي كان فنانا، وهو يؤدي أغنية «لا بوهيم»
الشهيرة للمغني الفرنسي الأرمني الراحل شارل أزنافور، أثناء زيارته لأرمينيا.
ورافق الرئيس على آلة الدرامز رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، المعروف بأنه يعزف هذه الآلة ضمن فرقة لموسيقى الجاز والبوب.
كما عزف الرئيس الأرميني فاهان خاتشاتوريان مقطوعة «أوراق الخريف» للمغني الفرنسي إيف مونتان. وإذا أحصينا النتائج الإيجابية، التي حققها هؤلاء لبلادهم، ندرك قوة وسلطة وجمال الفن، حينما يتولى هؤلاء الفنانون زمام السياسة.
وكم من فنان عاقر السياسة قديما وحديثا، وكان رفيعا في فنه وأخلاقيا في السياسة، ومثل ناخبيه على أفضل صورة، فكلنا يتذكر رونالد ريغان، الذي مثَّل في 50 فيلماً وأصبح الرئيس الـ40 لأمريكا، واستطاع أن يكسب محبة مواطنيه والعالم، طوال مدتين رئاسيتين في الفترة ما بين 1981 حتى 1989.
وكذلك أرنولد شوارزينغر، الذي قدم من كمال الأجسام للسينما، ثم السياسة، حيث أصبح حاكم ولاية كاليفورنيا عام 2003، ثم مرةً أخرى عام 2006، ودارت الشائعات حول ترشُّحه للرئاسة، ولكن بما أنَّه لم يولد كمواطن أمريكي، بل أصبح كذلك عام 1983 فقد أصبح ذلك مستحيلاً بالنسبة له، وبعد إنهائه لفترة حكمه الثانية عاد شوارزينغر مرةً أخرى لجمهورهِ في السينما، وقد ترك أروع الذكريات في الخدمات والبشرية المدنية لولايته.
كذلك فعل نجم هوليوود كلينت إيستوود، الذي اتجه للسياسة ليصبح عمدة بلدة كارميل في كاليفورنيا في الفترة ما بين 1986 و1988.
ولم يحاول الحصول على مناصب سيادية أخرى أو الترشح لها، واستمر في العمل السينمائي مع اهتمامه في الشأن العام وإظهار معارضته للحروب الأمريكية.
وفي فرنسا نتذكر غريس كيلي، أيقونة السينما، التي فازت بالأوسكار، ثم قابلت أمير موناكو رينيه الثالث، في مهرجان كان السينمائي، لتترك التمثيل حتى تتزوجه عام 1956، وتصبح أميرة موناكو، وتنخرط في سياسة الإمارة، وكان لها دور فعال خلال الأزمة السياسية، التي مرت بها موناكو.
ونتذكر القوة الناعمة، التي رفعت اسم مصر عربيا وقاريا، حين كان الفنانون فيها سفراء حقيقيين للسياسة، فكانت أمينة رزق، الفنانة التي عرفتها ثلاثة أجيال مختلفة بدور الأم، دخلت مجلس شورى الدولة عام 1991. وكانت قد نالت وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى في عهد الرئيس جمال عبد الناصر.
وفايدة كامل، مطربة الأوبرا، التي واكبت التحولات السياسية الكبرى في الستينيات والسبعينيات، وجعلت السياسة أولى اهتمامات الفنانة المصرية. ذاك الاهتمام توجته بدخول المعترك السياسي من خلال مجلس الشعب، بعد فوزها عن إحدى الدوائر في القاهرة. وتفرغت تماما لعملها السياسي. وخاضت معارك عن حقوق المرأة والإنماء والتربية في رحلة سياسية طويلة.
أما عملاق السينما المصرية محمود المليجي، وصاحب المشاركة الكبيرة في الأعمال الفنية السياسية، فقد كان قد رشحه الرئيس أنور السادات لمنصب سياسي. ولم يكن مستغرباً على الجمهور أن يرى المليجي في هذا المنصب، خاصة أن الفنان الكبير لم يتوان عن تقديم أي عمل بطابع قومي ووطني، وكذلك فعل الموسيقار محمد عبد الوهاب، وغيره.
ولا ننس كيف هبت رياح السياسة على نجوم العالم العربي في أغلب الدول، التي شهدت ثورات الربيع. فقد نصبت لوائح شرف لهؤلاء في مصر وتونس وسوريا لمواقفهم السياسية المؤيدة للثورات.
كيف تقتل الديمقراطيات الصحافيين!
صادف هذا الأسبوع، اليوم العالمي لحرية الصحافة، التي تعرضت وتتعرض لمذابح حقيقية في الدولة، التي تصنف نفسها بأنها قلعة الديمقراطية في العالم، ووليدتها إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط، فحسب محطة «سي أن أن»، التي نقلت عن «مراسلون بلا حدود» أن واشنطن تراجعت سبع مراتب الآن، بينما تواجه عدة دول ديمقراطية دوامة متصاعدة من العنف والقمع ضد الصحافيين.
وقال تقرير المنظمة إن الرئيس الأمريكي «ترامب جعل من استهداف الصحافة ومهاجمة الصحافيين ممارسة ممنهجة»!
ولفت التقرير إلى احتجاز وترحيل الصحافي السلفادوري ماريو غيفارا، الذي كان يندد بتوقيف المهاجرين.
كما أشار التصنيف إلى «التخفيض الجذري في عدد موظفي الوكالة الأمريكية للإعلام العالمي»، وما ترتب عن ذلك من انعكاسات سلبية على المستوى الدولي، من خلال إغلاق مؤسسات إعلامية أو تعليق نشاطها أو تسريح موظفيها.
وفي تطور عربي لافت حافظت قطر على صدارة دول المنطقة للعام الثالث على التوالي، بعدما تقدّمت أربع مراتب إلى المركز 75، مستفيدة من الإصلاحات القانونية التي سبقت استضافتها بطولة كأس العالم لكرة القدم.
والمفاجأة أن سوريا أحرزت تقدما وقفزت 36 مرتبة إلى المركز 141 بعد عام من سقوط نظام بشار الأسد، رغم استمرار تصنيف الوضع فيها بأنه «خطير للغاية». وسجلت إسرائيل أسوأ علاقة مع الصحافيين، خاصة الفلسطينيين، الذي اعتبرتهم أهدافا عسكرية، وقتلت عددا كبيرا منهم بدم بارد، وعن سبق إصرار وترصد! واستهجنت آن بوكاندي، مديرة التحرير في المنظمة، قائلة «الهجمات على الصحافيين تتغير، وما زال هناك صحافيون يُقتلون، وما زال هناك صحافيون في السجون، لكن الضغوط أصبحت أيضا اقتصادية وسياسية وقانونية».
ووفقا للمؤشر، تراجعت السعودية 14 مرتبة وصُنفَت في المركز الـ176، وجاء في أسفل الترتيب أيضا كل من روسيا وإيران والصين.
سوق نخاسة الكتروني
شاهدت بالصدفة فيديو لشرطة لاتفيا تقتحم شقة بالقوة وتلقي القبض على سبعة أشخاص يديرون 49 مليون حساب وهمي، عبر استخدام 1200 جهاز كومبيوتر، ووجدت شرائح الكترونية لثمانين دولة، يدير هؤلاء فيها الـ»سوشيال ميديا»، التي تنشر اشاعات وعمليات نصب واحتيال وخلق فتن بين الشعوب، وأيضا خلق مشاكل بين الشعب الواحد نفسه.
والعجيب أن 7 أشخاص فقط يديرون 49 مليون حساب، من خلال هذه «المزارع الذكية»! نعم سبعة أشخاص يديرون حجم حسابات يفوق عدد سكان دول كبرى و15 دولة صغرى!
هذا تذكير فقط لمن ينخرطون في بلداننا بالردود الاستفزازية والدينية السامة، بينما عدد مهول من الحسابات هدفها سياسي واستعداء الشعب الواحد والشعوب العربية على بعضها، كما نلاحظ منذ أشهر على طول الشرق الأوسط وعرضه. والسؤال الكبير من وراء هؤلاء وغيرهم، وأي دولة، ولماذا اختيار بلد صغير وناء لهكذا عمليات، ومن المستفيد، وكم هو عدد هذه المراكز على الساحات الدولية، أسئلة كثيرة تحتاج متابعات والتنبه لها شعبيا ورسميا؟! وهذا يؤكد أن الحروب الإعلامية تثبت أنها أمضى حتى من الحروب الحقيقية التي تستخدم الأسلحة التقليدية وحتى المتطورة.
وللتذكير هناك فرقة كاملة في الجيش الإسرائيلي مصممة خصيصا لهذه الغاية والحرب الموازية. كما هناك حسابات وهمية تبث لمعظم دول الشرق الأوسط، غايتها الفساد والاستقطاب وتخريب السلم الأهلي، وهناك من يؤازرها ويتستر عليها داخل بعض الدول العربية قولا وفعلا، للأسف.
يسمونها «مزرعة الهواتف الذكية» أو «مزرعة المحاكاة الذكية» وهي موجهة ضد مزارع وطنية عشوائية، ضررها أكثر من نفعها!
كاتب من أسرة «القدس العربي»