موريتانيا توسّع تعاونها العسكري مع التشيك… تنافس أوروبي روسي على الساحل الإفريقي؟


نواكشوط – “القدس العربي”: في ظل تحولات أمنية متسارعة تعصف بمنطقة الساحل، حيث تتقاطع تهديدات الجماعات المسلحة مع هشاشة الحدود واتساع رقعة الفراغ الأمني، وجدت موريتانيا نفسها أمام معادلة دقيقة تفرض إعادة صياغة شراكاتها الدفاعية، بما يضمن تحصين استقرارها الداخلي ومواكبة التحديات الإقليمية.

وفي هذا السياق، يبرز التوجه نحو تعزيز التعاون العسكري مع جمهورية التشيك كخيار استراتيجي يعكس سعي نواكشوط إلى تنويع شركائها الأمنيين والاستفادة من الخبرات الأوروبية في مجالات التكوين والتجهيز والعمليات الخاصة.

يأتي هذا التوجه في مشهد يعكس تحوّل نواكشوط إلى محور متقدم في ترتيبات الأمن الإقليمي

وتأتي هذه الخطوة في وقت يشهد فيه الإقليم إعادة تشكيل لموازين القوى، عقب تراجع أدوار تقليدية وصعود فاعلين جدد، ما يدفع الدول المعنية، وفي مقدمتها موريتانيا، إلى تبني مقاربات أكثر براغماتية تقوم على الشراكات متعددة الأطراف وتبادل الخبرات، بما يعزز جاهزية القوات المسلحة لمواجهة التهديدات العابرة للحدود ويكرّس موقع البلاد كفاعل محوري في أمن الساحل.

كما يأتي هذا التوجه في مشهد يعكس تحوّل نواكشوط إلى محور متقدم في ترتيبات الأمن الإقليمي، حيث تتقاطع على أرض موريتانيا حسابات محلية ودولية، حيث لم يعد التعاون العسكري مجرد خيار سيادي، بل ضرورة تفرضها تحولات الساحل وتزايد اهتمام القوى الأوروبية باستقراره.

عمق الشراكة

في هذا السياق، برزت زيارة قائد القوات الخاصة التشيكية الجنرال توماس كرامبلا إلى نواكشوط كإشارة واضحة على انتقال التعاون العسكري بين موريتانيا وجمهورية التشيك، إلى مرحلة أكثر تقدمًا وعمقًا.

وتأتي هذه الزيارة بعد أكثر من عام على نشر وحدة من القوات الخاصة التشيكية في موريتانيا. وقد حملت طابعًا عمليًا ميدانيًا، حيث أجرى المسؤول العسكري التشيكي مباحثات مع مساعد قائد الأركان العامة للجيوش الموريتانية، الفريق محمد ولد الشيخ ولد بيده، تناولت سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتطوير آليات التعاون في المجال العسكري.

وقد اتخذت الزيارة زخمًا أكبر من خلال سلسلة لقاءات ميدانية ومؤسسية عكست عمق التنسيق القائم بين الجانبين.

برزت زيارة قائد القوات الخاصة التشيكية الجنرال توماس كرامبلا إلى نواكشوط كإشارة واضحة على انتقال التعاون العسكري بين موريتانيا وجمهورية التشيك، إلى مرحلة أكثر تقدمًا

ففي مقر قيادة القوات الخاصة، اطّلع الوفد التشيكي على جاهزية الوحدات العملياتية الموريتانية، خلال استقبال رسمي من طرف قائد كتيبة الصاعقة الثانية، بحضور عدد من قادة الوحدات، من بينهم قائد أركان القوات الخاصة، وقائد سرية المقر، وقائد مكتب الأمن، في مؤشر على تركيز التعاون على الجوانب العملياتية الدقيقة.

كما امتدت اللقاءات إلى المستوى القيادي الأعلى، حيث استقبل الفريق محمد ولد الشيخ ولد بيده الوفد التشيكي في مكتبه، بحضور عدد من المسؤولين العسكريين، في مباحثات تناولت سبل تعزيز التعاون العسكري وتوسيع مجالاته.

ولم تقتصر الزيارة على البعد العملياتي، إذ شملت أيضًا لقاءات مؤسسية داخل وزارة الدفاع، حيث استقبل الأمين العام للوزارة، العقيد إسحاق عبد الله محمود إبراهيم، مدير سياسة الدفاع التشيكية، في مباحثات ركزت على تطوير العلاقات الثنائية وتبادل الرؤى حول القضايا ذات الاهتمام المشترك.

وتعكس هذه اللقاءات ذات المستويات المتعددة، من الوحدات الميدانية إلى القيادات العسكرية والإدارية، تحول التعاون بين موريتانيا والتشيك إلى شراكة متكاملة تشمل التدريب والتخطيط والتنسيق الاستراتيجي.

خلفيات الحضور التشيكي

ويأتي هذا النشاط في سياق قرار البرلمان التشيكي، الصادر في 25 نوفمبر 2024، القاضي بإرسال 30 جنديًا من القوات الخاصة إلى موريتانيا، ضمن برنامج تابع لحلف شمال الأطلسي، يهدف إلى تدريب الجيش الموريتاني على مواجهة التحديات الأمنية في الساحل.

ويمتد هذا البرنامج لعامين، ما يعكس توجّهًا نحو بناء شراكة طويلة الأمد، قائمة على نقل الخبرات وتعزيز القدرات، بدل الاكتفاء بالدعم الظرفي.

تشير المعطيات الصادرة عن الأوساط الرسمية التشيكية إلى أن هذه الخطوة تندرج ضمن استراتيجية أوسع للعودة إلى إفريقيا، وخاصة منطقة الساحل

وتشير المعطيات الصادرة عن الأوساط الرسمية التشيكية إلى أن هذه الخطوة تندرج ضمن استراتيجية أوسع للعودة إلى إفريقيا، وخاصة منطقة الساحل، التي باتت تُصنف كفضاء حيوي للأمن الأوروبي، نظرًا لارتباطها بملفات الهجرة غير النظامية وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة.

ولم يكن هذا الحضور العسكري التشيكي في موريتانيا منفصلًا عن مسار سياسي سبقَه ومهّد له، إذ شهدت العلاقات بين البلدين خلال الفترة الأخيرة دينامية لافتة، تجسدت في مباحثات رسمية جمعت وزير الدفاع الموريتاني، حننه ولد سيدي، بنظيرته التشيكية، يانا تشيرنوتشوفا، في براغ.

وقد ركزت تلك المباحثات على تعزيز التعاون الدفاعي، وتبادل الخبرات، وبحث سبل دعم استقرار منطقة الساحل، في ظل إدراك أوروبي متزايد بأن أمن هذه المنطقة أصبح جزءًا لا يتجزأ من أمن القارة الأوروبية.

الساحل في قلب التنافس الدولي

ويتجاوز التعاون الموريتاني التشيكي الإطار الثنائي، ليعكس تحولات أوسع في المشهد الجيوسياسي، حيث تتزايد المنافسة الدولية على النفوذ في الساحل.

وفي هذا السياق، تحذر تقارير أوروبية من محاولات روسيا توسيع حضورها في المنطقة، مستفيدة من هشاشة الأوضاع الأمنية والسياسية.

تسعى الدول الأوروبية، بما فيها جمهورية التشيك، إلى تعزيز وجودها عبر برامج تدريب وبناء قدرات، بدل التدخلات العسكرية المباشرة

وعليه، تسعى الدول الأوروبية، بما فيها جمهورية التشيك، إلى تعزيز وجودها عبر برامج تدريب وبناء قدرات، بدل التدخلات العسكرية المباشرة، في محاولة لإعادة صياغة دورها في المنطقة بعد تراجع بعض العمليات العسكرية التقليدية. وفي الخلاصة، زيارة قائد القوات الخاصة التشيكية إلى نواكشوط كشفت عن تحول نوعي في طبيعة الشراكات العسكرية في الساحل، حيث تتجه نحو نماذج أكثر مرونة واستمرارية، قائمة على التدريب والتأهيل بدل الانتشار القتالي المباشر.

غير أن هذا التحول يضع موريتانيا أمام معادلة دقيقة وهي الحرص على الاستفادة من الدعم الدولي لتعزيز قدراتها الدفاعية، دون الانزلاق إلى دائرة التنافس بين القوى الكبرى.

وبين هذه الاعتبارات، تبدو نواكشوط اليوم في موقع متقدم داخل خريطة الأمن الإقليمي، لكن قدرتها على تحويل هذا الموقع إلى مكسب استراتيجي دائم ستظل رهينة بمدى نجاحها في تحقيق توازن بين السيادة والانخراط في الشراكات الدولية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *