طرابلس – «القدس العربي»: بين أصوات الرصاص التي خفتت مؤقتا، ومحاولات إعادة ترتيب المشهد السياسي، تقف ليبيا مجددا عند تقاطع حساس، حيث يتزامن التدهور الأمني في بعض مناطق الغرب مع استمرار المساعي الأممية للدفع نحو تسوية سياسية، في مشهد يعكس تعقيدات المرحلة، ويضع الحكومة أمام اختبار مزدوج: تثبيت الأمن من جهة، ومواصلة دعم المسار السياسي من جهة أخرى دون الانزلاق نحو الفوضى أو الانقسام.
ميدانيا، شهدت مدينة صرمان ومنطقة الحرشة بالزاوية اشتباكات مسلحة عنيفة بين مجموعتين، استخدمت فيها أسلحة خفيفة ومتوسطة، وأسفرت عن سقوط ضحية وأضرار مادية، قبل أن تتدخل الجهود المحلية والرسمية لاحتواء الموقف، حيث أعلن المجلس البلدي صرمان عقب اجتماع طارئ عن الاتفاق على وقف فوري ونهائي لإطلاق النار، ورفض المظاهر المسلحة كافة، والعمل على تثبيت التهدئة وتعزيز السلم الأهلي.
هذا التحرك المحلي ترافق مع خطوات حكومية مباشرة، إذ وجّه رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة تعليمات واضحة بتعزيز الوجود الأمني داخل المدينة، عبر وزارة الدفاع ورئاسة الأركان والمنطقة العسكرية الساحل الغربي، مع التأكيد على حماية المدنيين والممتلكات، ورفع تقارير دورية عن تطورات الوضع، في إشارة إلى رغبة الحكومة في التعامل الحازم مع أي خروقات تهدد الاستقرار. كما لم يقتصر التحرك على الجانب الأمني فقط، بل شمل المسار القانوني، حيث أصدر الدبيبة توجيهات بفتح تحقيق عاجل وشامل في ملابسات الاشتباكات، بالتنسيق مع المدعي العام العسكري، بهدف ملاحقة المتورطين وتقديمهم للعدالة، وهو ما يعكس توجها رسميا لعدم الإفلات من العقاب، وفرض هيبة الدولة عبر المؤسسات.
في المقابل، عكست الإجراءات الاحترازية في القطاع التعليمي حجم التأثر المباشر للأوضاع الأمنية، إذ أعلنت عدة كليات في صرمان، بينها القانون والاقتصاد والتقنية الطبية، تعليق الدراسة. كما قررت كلية التربية بجامعة الزاوية إيقاف الدراسة مؤقتا بسبب خطورة الوضع على الطريق الساحلي، وهو ما يبرز كيف يمتد تأثير التوترات الأمنية إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين.
وعلى المستوى الإنساني، دعت فرق الهلال الأحمر العائلات العالقة إلى التزام منازلها وتجنب التحركات، مع المطالبة بفتح ممرات آمنة لإجلاء المدنيين، في وقت شددت فيه بلدية صرمان على أهمية تغليب صوت الحكمة، وتفعيل لجان المصالحة، والعمل مع الأعيان والقوى الاجتماعية لمنع تكرار الاشتباكات، في تأكيد على دور البعد الاجتماعي في تثبيت الأمن إلى جانب الجهد الرسمي.
ورغم هذا الهدوء الحذر، فإن تكرار مثل هذه الاشتباكات يسلط الضوء على هشاشة الوضع الأمني في بعض المناطق، حيث لا تزال التشكيلات المسلحة قادرة على إشعال التوتر بسرعة، ما يجعل من تعزيز سلطة الدولة وتوحيد الأجهزة الأمنية أولوية ملحة، تدعمها خطوات الحكومة الأخيرة، التي تسعى لإعادة ضبط المشهد تدريجيا دون الدخول في مواجهات واسعة.
سياسيا، يأتي هذا التوتر الأمني بالتوازي مع استمرار الجهود الأممية عبر مسار «الاجتماع المصغر» الذي انعقد في روما، حيث تم التوصل إلى تفاهمات تقنية تتعلق بإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، في خطوة تهدف إلى كسر الجمود الذي يعرقل إجراء الانتخابات.
غير أن هذه المخرجات لم تحظ بإجماع سياسي، إذ أعلن المجلس الأعلى للدولة رفضه لما صدر عن اجتماع روما، مؤكدا أن ما جرى لا يمثله ولا يلزم مؤسساته، ومشددا على أن أي قرارات يجب أن تصدر عبر الأطر الرسمية ووفق الإجراءات المعتمدة، معتبرا أن إشراك بعض الأعضاء دون تكليف رسمي يمثل خرقا للنظام الداخلي.
كما انتقد المجلس ما وصفه بأسلوب «انتقائي» في إدارة العملية السياسية، معتبرا أن تشكيل مسارات موازية أو لجان خارج المؤسسات الشرعية يؤدي إلى مزيد من التعقيد، ولا يساهم في حل الأزمة بل قد يطيل أمدها، وهو موقف يعكس استمرار الخلافات بين الأجسام السياسية حول آليات إدارة المرحلة الانتقالية.
في المقابل، يرى متابعون أن ما تحقق في روما يمثل تقدما تقنيا محدودا يمكن البناء عليه إذا ما تم احتواؤه سياسيا، خاصة في ظل الحاجة إلى إعادة تفعيل مؤسسات أساسية مثل مفوضية الانتخابات باعتبارها ركيزة لأي استحقاق انتخابي قادم، وهو ما يجعل التوافق حولها مسألة محورية.
وبين هذا المسار السياسي المتعثر نسبيا، والتحديات الأمنية المتجددة، تبدو الحكومة مطالبة بالحفاظ على توازن دقيق، يقوم على فرض الأمن دون تصعيد، ودعم الحوار دون تجاوز المؤسسات، وهو ما ينسجم مع تحركاتها الأخيرة التي جمعت بين الإجراءات الأمنية والتحقيقات القانونية، في محاولة لاحتواء الأزمة ومنع توسعها.
كما أن نجاح أي مسار سياسي، بما في ذلك مخرجات روما، يظل مرتبطا بشكل مباشر بمدى استقرار الوضع الأمني، إذ لا يمكن إجراء انتخابات أو تنفيذ ترتيبات انتقالية في ظل بيئة غير آمنة، وهو ما يضع الملفين الأمني والسياسي في علاقة ترابط وثيقة.
في المحصلة، تعكس أحداث صرمان والزاوية صورة مصغرة للتحدي الليبي الأكبر، حيث تتقاطع الانفلاتات الأمنية مع التعقيدات السياسية، بينما تحاول الحكومة التحرك ضمن هامش صعب يهدف إلى تثبيت الاستقرار تدريجيا، ودعم أي فرصة للحل، دون التفريط في سيادة الدولة أو الانجرار إلى مزيد من الفوضى، في انتظار ما إذا كانت التهدئة الحالية ستصمد، وما إذا كان المسار السياسي سينجح في تجاوز الاعتراضات وتحقيق اختراق حقيقي.