استمرار الوضع الحالي.. مأزق لترامب ومكسب لطهران و”جنون” لإسرائيل


د. راز تسيمت

بعد مرور نحو تسعة أسابيع على بدء حرب “زئير الأسد”، ونحو ثلاثة أسابيع على إعلان وقف إطلاق النار وفشل المفاوضات بين نائب الرئيس الأمريكي ورئيس البرلمان الإيراني في الباكستان، لا يزال الجمود قائمًا في المحادثات بين البلدين، ويصعب التكهن بإمكانية التوصل إلى مخرج. في هذه المرحلة، يبدو أن أيًا من الطرفين غير مستعد للتخلي عن ورقة الضغط الرئيسية التي يملكها: إغلاق إيران لمضيق هرمز والحصار البحري الأمريكي.

إن سيطرة طهران على مضيق هرمز لا تُمكّنها فقط من التأثير على سوق الطاقة العالمية، بل تُتيح لها أيضاً استغلال الحرب كفرصة لتحويل سيطرتها عليه إلى رصيد سياسي واقتصادي هام. وقد عبّر عضو مجلس الشورى الإسلامي، محمد تقي المولى، عن هذا الرأي حين صرّح بأن مضيق هرمز هو عنصر أساس في قوة إيران التفاوضية، وأن أهميته تفوق حتى أهمية القنبلة النووية.

من وجهة نظر واشنطن، يُتيح لها الحصار البحري مواصلة ممارسة ضغوط شديدة على طهران دون اللجوء إلى التدابير العسكرية، التي باتت فعاليتها موضع شك بعد أسابيع من القتال. ولا يزال كلا البلدين يعتقد أن قدرته على الصمود تفوق قدرة الطرف الآخر. وقد صرّح ترامب الأسبوع الماضي بأن احتياطيات النفط الإيرانية “على وشك الانفجار قريباً”، لكن تقييمات الخبراء تُشير إلى أنه من غير المتوقع أن تصل سعة تخزين النفط الإيرانية إلى مستوى يُهدد المنشآت على المدى القريب، وحتى في هذه الحالة، يبقى من المشكوك فيه ما إذا كان الضرر سيكون لا رجعة فيه.

يُشجع ارتفاع أسعار النفط إيران، فضلاً عن التقارير التي تُشير إلى صعوبات عالمية في التعامل مع النقص المتزايد في النفط والوقود

من جهة أخرى، قد يُشجع ارتفاع أسعار النفط إيران، فضلاً عن التقارير التي تُشير إلى صعوبات عالمية في التعامل مع النقص المتزايد في النفط والوقود، وفي منتجات أخرى كالأسمدة والألومنيوم والهيليوم. وفي الوقت نفسه، يُقدّر كلا الجانبين أن لديهما خيارات تصعيدية إضافية؛ فقد هدد ترامب باستئناف القتال ومهاجمة البنية التحتية ومحطات الطاقة، بينما تُهدد إيران بإغلاق مضيق باب المندب عبر الحوثيين ومهاجمة أهداف استراتيجية في دول الخليج.

وحتى لو تم التوصل إلى سبيل للعودة إلى طاولة المفاوضات، يبقى من المشكوك فيه إمكانية التوصل إلى حل بشأن القضية النووية. إذ ترفض إيران مناقشتها في هذه المرحلة، واقترحت فتح مضيق هرمز مقابل تخفيف الحصار البحري وإنهاء الحرب، مع تأجيل مناقشة القضية النووية إلى مراحل لاحقة. وقد رفض الرئيس ترامب هذا الاقتراح، مُصراً على حل القضية النووية كشرط لإنهاء الحرب، بما في ذلك وقف تخصيب اليورانيوم وإزالة اليورانيوم عالي التخصيب من إيران.

في غضون ذلك، تشهد القيادة الجديدة في طهران استقرارًا تدريجيًا رغم التقارير المتضاربة حول صحة المرشد مجتبى خامنئي. وقد تزايدت مؤخرًا التقارير عن وجود خلافات داخل القيادة الإيرانية بين الدوائر الأكثر تشددًا، بما في ذلك قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي، والدوائر الأكثر براغماتية، مثل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف والرئيس مسعود بزشكيان. وقد اتسم النظام السياسي الإيراني بالخلافات حتى في عهد خامنئي الأب، ولكن يُفترض أن محدودية قدرة مجتبى على ممارسة سلطته تُصعّب عملية اتخاذ القرارات الفعّالة.

على أي حال، حتى مع وجود اختلافات في الرأي حول سياسة التفاوض، يُظهر المسؤولون الإيرانيون في تصريحاتهم العلنية موقفًا موحدًا وعنيدًا رغم التدهور المستمر للوضع الاقتصادي. وقد وصل سعر صرف الريال الإيراني هذا الأسبوع إلى أدنى مستوى تاريخي له، حيث تجاوز 1.8 مليون ريال للدولار، وتدرس الحكومة توسيع نطاق المساعدات، بما في ذلك قسائم الطعام الإلكترونية وحزم المساعدات للشركات المتضررة من القيود المفروضة على الإنترنت. مع ذلك، لا يوجد حاليًا ما يدل على استعداد القيادة في طهران لتخفيف حدة موقفها، رغم وضوح أن الأزمة الاقتصادية قد تؤدي في وقت ما إلى تجدد الاحتجاجات. حتى في حال استئنافها، فمن المشكوك فيه أن تفقد قوات الأمن قدرتها وعزمها على قمع المتظاهرين بوحشية، كما فعلت في ذروة الاحتجاجات في كانون الثاني 2026.

تقترب إيران من لحظة حاسمة، حيث سيُطلب من قيادتها – كما حدث عام 1988 – أن تختار قبول “كأس السم” بالموافقة على تنازلات واسعة النطاق. في ذلك الوقت، قرر الخميني تأييد وقف إطلاق النار مع العراق بعد ثماني سنوات من الحرب، متأثرًا بسياسيين حذروا من أن الاقتصاد على وشك الانهيار، وعلى الرغم من معارضة الحرس الثوري. اليوم، ومع تولي العديد ممن شغلوا مناصب قيادية في الحرس الثوري أواخر ثمانينيات القرن الماضي أدوارًا محورية في القيادة، يُشك في قدرة قاليباف وبزشكيان على ممارسة ضغط مماثل، بل إن قدرة القائد الحالي على اتخاذ مثل هذا القرار غير واضحة.

في غضون ذلك، لا تزال إيران تمتلك قدرات نووية كبيرة. وقد يُعزز رفضها مناقشة الملف النووي التقييم القائل بأن قيادتها الحالية ترى في الحفاظ على هذه القدرات وسيلة أساسية للحصول على أسلحة نووية. يبدو أن الحرب قد عززت المنطق الاستراتيجي لمثل هذه الخطوة، سواءً كضمانة لبقاء النظام أو كرادع ضد الهجمات المستقبلية. لذا، إذا لم يُتوصل إلى حل يُفضي إلى إزالة المكونات النووية الحيوية من البلاد أو تدميرها، فقد يُحاول النظام، الذي لم يعد ملتزمًا بمفهوم الدولة التي على عتبة امتلاك الأسلحة النووية، الوصول إلى هذه المرحلة رغم المخاطر المترتبة على ذلك.

وفي هذا السياق، أكد المعلق الإيراني مصطفى نجفي، المقرب من دوائر النظام، أن الردع النووي الحقيقي يتطلب امتلاك هذه الأسلحة فعليًا. في الوقت نفسه، جددت إيران جهودها لإعادة بناء منظومتها الصاروخية، وتشير تقديرات الجيش الإسرائيلي إلى أنها، في غياب أي تنظيم، قد تُعيد تجميع آلاف الصواريخ في غضون سنوات قليلة.

ويرى البعض في إسرائيل أن الوضع الراهن هو الحل الأمثل، إذ قد يُخفف الضغط الاقتصادي من موقف إيران، بينما يُوفر لها اتفاقاً يتضمن تخفيف العقوبات ويغذي شريان حياة. مع ذلك، يتجاهل هذا التقييم عاملين رئيسيين: أولهما، أنه من المشكوك فيه استمرار الوضع الراهن على المدى الطويل، نظراً لخطر التصعيد وتزايد التكاليف الاقتصادية على جميع الأطراف. وثانيهما، أن الوضع الراهن يعني استمرار إيران في الحفاظ على قدراتها النووية وإعادة بناء منظومتها الصاروخية، مما يزيد من خطر امتلاكها أسلحة نووية واستئناف الأعمال العدائية في ظل ظروف أكثر صعوبة في المستقبل.

يديعوت أحرونوت/ معهد بحوث الأمن القومي INSS 3/5/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *