حياة على حافة الكتابة والمرض


فرانز كافكا كحال العباقرة الذين يرحلون باكراً، رحل عن واحد وأربعين عاماً، بعد أن عانى طويلاً من إصابته بمرض التدرّن الرئوي، ولكنه كان يحيا حياته العادية، يسافر ويحب ويكتب. كتب كافكا كثيراً قياساً بسنّه الصغيرة المتمثلة بأربعة عقود، ولكنها كانت مليئة بقصص غرائبية وحكايا خيالية، على الرغم من كونها مستمدة من واقعه الأليم، ذاك الذي تجسّد في غربته واغترابه عن واقعه ومحيطه وعائلته، كما تجلت لنا في علاقته بالأب ومتطلباته بالامتثال للشؤون العائلية، كمحاولاته في الضغط عليه لمراقبة معمله، لغرض إدارته والإشراف عليه، ومن جهة أخرى ضغوط مرضه الذي لازمه مبكراً، فكان يتعيّن عليه الامتثال لأوامر أطبائه، في التزام طرق العلاج والوقاية، ثم العيش في أمكنة صحية، عبر التنزه في الحدائق والبساتين والحقول والبراري والأماكن الجافة وغير الرطبة، تلك التي تتمتع بالشمس والهواء النظيف، بعيداً عن هواء المصانع والأماكن الدامسة والباردة، الملوّثة بدخان المعامل، ناهيك من علاقاته بالفتيات اللواتي صاحبهنّ وهجرهنّ ليرتبط بواحدة لا غير هي ميلينا، ليعيش حباً لم يدم طويلاً بسبب المعاناة الشخصية، وبسبب المرض الذي كان يعد من الأمراض الأولى في ذلك الزمن، قبل أن يجدوا له في ما بعد، الوسائل الوافية للعلاج.
عانى كافكا أيضاً من عمله في شركة التأمين، تلك التي عمل فيها وأمنّت له رزقاً معيّناً، إذ حمته من غائلة الاعتماد على مال والده، وهو ابن عائلة يهودية موسرة، فحمى نفسه بنفسه، لكي ينفرد بمشروعه الإبداعي والجمالي، بغية المضيّ فيه عميقاً، محوّلاً معانته الحياتية، ثمّ بصيرته النافذة في الأشياء وتماسه اليومي مع الناس والوظيفة، إلى قضايا فنية وإبداعية بارعة ومكينة، جسّدت تصوراته وانفعالاته ومعاناته الكابوسية إلى فعل كتابي، تبلور على سبيل المثال لا الحصر في رواية «المسخ» روايته الشهيرة التي تحوّلت إلى شهادة إدانة للواقع اليومي، وللحياة العادية، التي صيّرت الإنسان إلى مسخ وغير آدمي، وكذلك كان سعيه الرؤيوي عبر أعماله الفذة «المحاكمة» و»القصر» و»مستعمرة العقاب»
و»أمريكا» و»تأمل»، ناهيك من قصصه المثيرة ويومياته التي بين أيدينا، التي استمر في كتابتها المتقطعة لمدة ثلاثة عشر عاما، وكذلك رسائله المشوّقة إلى ميلينا، صديقته وخطيبته، تلك الرسائل المريرة، حيث سبق لكاتب هذه السطور أن تناولها نقدياً، مستعرضاً ما ورد فيها عبر صفحات هذا المنبر.
جل ما كان يكتبه كافكا، كان يقرأه صديقه المقرّب ماكس برود، معطياً ملاحظاته في كل ما يعرض عليه، كان ماكس برود ملازماً لكافكا أكثر من عائلته، كانا يبدوان مثل شقيقين، يذهبان إلى المقاهي والمطاعم والمسابح معاً، ويقومان كذلك بسفرات مشتركة إلى باريس، وغيرها من البلدان الأوروبية، لغرض الاستجمام والراحة والاكتشاف، كانا يدّونان كل ما يمرّ بهما من وقائع وإحداثيات ومشاهدات، ولاسيّما الأعمال المسرحية، التي كانت رائجة جداً في ذلك الزمن، الذي مرّ عليه أكثر من قرن.
تأثير كافكا في العالم الأدبي والروائي لكبير، نتيجة استغواره لأعماق الحياة الإنسانية، بكل ما تمر به من تحوّلات وتبدّلات في مسارها اليومي وتماسها مع الأشياء والكائنات، تأثيره امتد لكتاب كبار، ويا للعجب حين نقرأ يوميات سارتر وسيمون ديبوفوار، ونرى كيف كانا معجبَين بما قدمه كافكا، من أعمال ملهمة ومثيرة، وتحمل فكرة جديدة، هذا المبدع الذي لم يكن يحلم حتى بدائرة صغيرة من القراء، فقراؤه كانوا قليلين، بسبب كتابة كافكا النموذجية، وكذلك بسبب رؤيته الخاصة إلى الحياة والعالم والموجودات في ذلك الزمن، زمن مطالع القرن الفائت.
أما اليوم فقراء كافكا بالملايين، دائماً هناك طبعات جديدة في عواصم العالم لرواياته وقصصه ويومياته ورسائله، منزله الذي يقوم على تلة في العاصمة التشيكية براغ، أصبح متحفاً وهو يلم حاجياته وسريره وأدوات المطبخ ومكتبه، وبعض دفاتره وكتبه بطبعات مختلفة، بيت صغير بنوافذ تطل على زقاق حجري، منحدر باتجاه العاصمة براغ، ويقع في الجهة الثانية من المدينة، تلك التي يقطعها نهر «فولتافا»، فيقسمها بمروره في العاصمة إلى قسمين، وسوف لن أنسى باب المنزل الخشبي المصبوغ بالأحمر، يوم زرته حين كنت أقيم في براغ، ذكرى جميلة وبعيدة، ولّدتْ لديّ بعد الزيارة قصيدة عنوانها كان «منزل كافكا»، وقد نشرتها في ديواني الثاني عشر «مئة قصيدة وقصيدة» الصادر في بيروت قبل أكثر من عقدين.
نعود إلى اليوميات، ففيها نرى كيف كانت حياة كافكا، ولاسيّما علاقته بالكتابة، فيدوّن على سبيل المثال في أكثر من مرة: «لم أكتب شيئاً اليوم». وفي مكان آخر من عام 1913 وفي العشرين من شهر أكتوبر/تشرين الأول يكتب التالي «أقرأ الآن المسخ في المنزل وأجدها رديئة، ربما أنا ضائع حقاً، حزن هذا المساء سيعود ثانية، لن أتمكن حينها من مقاومته طويلاً، يحرمني من كل أمل، بل إني أفتقد الرغبة في الاستمرار في كتابة اليوميات، ربما لأنه ينقصها الكثير الآن، ربما لأنني مضطر أبداً لوصف الأفعال غير المكتملة، في كل مظاهرها بالضرورة غير مكتملة، ربما الكتابة نفسها تزيد من حزني، ربما أجد السعادة في كتابة الحكايات الخرافية».
في هذه الفترة التي ذكرتها، كان كافكا مرتبطاً بفتاة مختلفة يذكرها بحرف فاء، وهي غير ميلينا، التي كتب إليها العديد من الرسائل، والتي كان ينتوي الزواج منها، ولكنه كالعادة كان يصطدم دوماً بمزاجه السوداوي الذي ظل يلاحقه، ومما فاقم الحالة السوداوية لديه أكثر هو مرضه، مرض السل الذي كان يعد خطيراً في تلك الأزمنة، بسبب عدم التوصل إلى عَقار له، فكان كافكا متقلّب المزاج والسلوك والطبائع، مرة تراه مرحاً في أسفاره مع ماكس برود، وتارة تراه كئيباً وهو وراء منضدة الوظيفة والعمل اليومي في القانون، في بعض الحالات يجلس ليكتب فتتجلى الكتابة لديه، فيُحسن الصنيع حين يقدم شيئاً مختلفاً وجديدا عما قدّمه في السابق.
كتاب «اليوميات» لفرانز كافكا، ناف على السبعمئة صفحة، وصدر عن دار «أقلام عربية» في القاهرة، بترجمة عماد منصور فشابته بعض الأخطاء الإملائية والنحوية والمطبعية، فلعل المترجم يسعى لتداركها في طبعة لاحقة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *