حقول الكرز… وكروم السواد


تستحضر الصورة أمامي كياناً ضاجاً بحياةٍ باعثةٍ على الأسئلة، وأرى فيها مثالاً خاصاً يشدني إليه، فيه تكمن جدلية المرأة الأنثى، لأكون وسط منطقةٍ أجد نفسي فيها واقعاً بين الهوس والتكتم، بين المرأة المجللة بسواد ثيابها، والمغرقة في تأملات الوجود العيني، حاملةً تساؤلاتٍ عدة عن الفقد، وعن ماهيته، كيف حضر برمشة عينٍ؟ وكيف يبقينا مشدودين إلى الغائب على مسافة سؤالٍ ووجعٍ على حدٍ سواء؟
كل هذا تنطق به عيناها العسليتان، حيث أطوف في بؤرتيهما أجد عوالم من الحيرة، وإضمامةً من شكوى تعبر لحظة الفقد، لتتماهى مع سؤال الموت، لأذهب في استغواري إليها كي أمسك عن بعدٍ حباً واقعاً بين طيات حياةٍ مغادرةٍ ومعاشةٍ في الوقت نفسه، بعد جاء ليس من المسافة والساعات، بل من تراكم الانتظار الذي تكرس في أيامها، ليذهب هذا الحب مضاعاً كساعةٍ رمليةٍ ٍمنسكبةٍ من بين أصابع يديها المضمومتين، وكأنها تمسك بآخر أملٍ ٍسيضيع.
امرأةٌ مجللةٌ بالسواد، أحترم صمت حضورها، ولوعة فقدها، وأنا الطائر الحر الجديد المزقزق عند نوافذها، والرجل المزدهي باللون واللوحة والقصيدة، والطارق صمتها، فلماذا يشدني الأسود من ثيابها؟ وأتساءل: هل في الحزن كوةٌ للفرح؟ وهل في الحزن ما يمكن كسره للإمساك بـ»صدفة» لامعة تشع بين أيدينا في مقبل الأيام؟
هل عليّ أن أتناسى أنا أيضاً، ما فقدت من أقمارٍ عند محاق العمر؟ وهل كنت أكثر تمرداً وحباً بالحياة، حين نضوت عني ثوب السواد «القميص الأسود»، فظل الحزن خيطاً لا مرئياً على ملامح وجهي، وغائراً معتقاً في أوردتي وخلاياي العصبية كل هذا العمر، ليصب ماءه الأزرق في قصائدي وكتاباتي. أحدق في صورتها أمامي، أكثر فأكثر.. إنها منظورٌ جمالي، وكائنٌ ناطقٌ يبعث إشاراته إليّ، فهل أنا معني بالأمر؟ «ربما وهمٌ تلبسني» .. وما أراه أمامي ليس صورةً فوتوغرافيةً جامدةً، بل امرأةً من لحمٍ ودمٍ تصرخ بصمتٍ، تنسكب من عينيها العسليتين نجومٌ وحيرةٌ وأسئلةٌ، ويتكئ الرأس على كف ٍأبيض عجن الأيام والصبر، و»عجينة الكيك» وخبز الأمهات، كف يدها اليمنى الساند رأسها، الغائر في صمته، وكان كف يدها الممتد مبروماً لزندٍ ناطقٍ بأنوثته، يلتف عليه القماش الأسود بانضباطٍ فاضحٍ ذلك البياض المشع المخفي، والمكتنز في جسدٍ هائلٍ، له وجوده وكينونته، وله عندي ـ لحظتها ـ ما هو غائرٌ في التشهي من رغائبه وألوان قطعه السرية المطمورة تحت هذا السواد.
إنها جدلية الروح والجسد، تبعث هنا في تأملاتي للصورة في قدرة تنافذها معي، بعد أنْ اختمرتْ فكرةً وتصوراً وتشبعاً بهذا الكائن ـ المرأة – بدءاً من النفاذ إلى عينيها، متوقفاً عند تدويرة الوجه وغلالة «الحجاب» الذي طوق رأسها كاملا، ليظل الوجه «قمراً مطلاً على مدن الحزن وضوءاً بازغاً عند نوافذي»، رأسها الملوح دوماً لي بهمساته اليانعة صباح مساء.
فأي أسئلة ٍ يبعثها هذا الكائن (المرأة)؟ وأي جمالٍ كوني يخفي في طيات جسده الباذخ؟ وأي غواصٍ مجنونٍ يغور ليمسك لؤلؤ شهواته النادرة؟
جلسة اعتدالٍ وحضورٍ آسرٍ، هي صورة المرأة التي أمامي، تخرج عندي من إطار صورتها، بهمسها ونظراتها وجسدها، نحو حقولٍ ٍتتساقط فيها أوراق سنين وأشجارٍ، لكنها تعيد خضرتها ونماءها حين تقترب من كوخي الصغير، تشم رائحة شاي بطعم أيامٍ بعيدةٍ، وفنجاني قهوة معدة ٍ لكسر السكون، وعطري المتفرد وحبر أوراقي، أنا حارس قطعان الجمال والغيوم والقصائد.. وهي المرأة المجللة بسوادها، والضاجة بأسرارها، بانتظار مفاتيح ذهبيةٍ ٍتهديها لنا الأقدار…

شاعر من العراق



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *