الخرطوم ـ «القدس العربي»: أسفرت اشتباكات مسلحة شهدتها مدينة الدبة في الولاية الشمالية، مساء الثلاثاء، عن مقتل ثمانية أشخاص وإصابة 14 آخرين، في حادثة أثارت مخاوف من تصاعد التحديات الأمنية في واحدة من أهم المدن الواقعة على الطريق القومي شمال السودان. وبينما عزت السلطات المحلية أسباب الاشتباكات إلى مواجهات بين مجموعات تنشط في تجارة المخدرات، باشرت الأجهزة النظامية تنفيذ سلسلة من الإجراءات الأمنية شملت حظر حمل السلاح، وملاحقة المتورطين، وتعزيز الانتشار الأمني.
وقالت لجنة أمن محلية الدبة، الأربعاء، إن الأحداث وقعت نتيجة مناوشات بين مجموعات تعمل في الاتجار بالمخدرات، قبل أن تتطور إلى اشتباكات بالأسلحة النارية في منطقة تقع بالقرب من تجمعات سكنية، الأمر الذي أدى إلى سقوط قتلى وجرحى.
وأكدت أن الجيش السوداني والأجهزة النظامية الأخرى تدخلت لاحتواء الموقف والسيطرة على الأوضاع، مشيرة إلى أن انتشار القوات في المدينة أسهم في إنهاء الاشتباكات ومنع امتدادها إلى مناطق أخرى.
وأوضح مقرر لجنة أمن المحلية ومدير شرطة الدبة، العميد يوسف جمعة كركساوي، أن اللجنة الأمنية عقدت اجتماعاً طارئاً عقب الأحداث، وأقرت حزمة من التدابير الهادفة إلى منع تكرارها.
وشملت هذه الإجراءات حظر حمل السلاح داخل المدينة مع مصادرة أي قطعة سلاح يتم ضبطها، وتكثيف عمليات البحث عن المتورطين في الاشتباكات وتقديمهم للعدالة، فضلاً عن نشر تعزيزات من القوات النظامية في عدد من المواقع الحيوية والأسواق والأحياء السكنية. وقررت منع بائعات الشاي من مزاولة نشاطهن بعد الساعة الثالثة عصراً ضمن إجراءات قالت السلطات إنها تستهدف تقليل التجمعات خلال الفترة المسائية وتعزيز السيطرة الأمنية.
وأضاف المسؤول الأمني أن القوات نفذت عقب الحادث حملات مداهمة وتمشيط شملت موقع الاشتباكات وعدداً من المناطق التي يشتبه في استخدامها لأنشطة غير مشروعة، وأسفرت عن ضبط براميل وقود إلى جانب مخالفات أخرى، دون أن توضح السلطات طبيعة تلك المخالفات أو مدى ارتباطها المباشر بالأحداث.
ورغم وضوح الرواية الرسمية في تحميل مجموعات مرتبطة بتجارة المخدرات مسؤولية ما جرى، قالت مصادر محلية إن الاشتباكات اندلعت خلال عملية أمنية استهدفت مواقع يشتبه في استخدامها لتجارة المخدرات داخل المدينة، قبل أن تتطور إلى مواجهات مسلحة ذات طابع إثني اتسع نطاقها.
السلطات تربطها بتجار مخدرات وتشدد الإجراءات الأمنية
وتعيد الأحداث الأخيرة تسليط الضوء على التحديات الأمنية التي تواجه الدبة، التي اكتسبت أهمية متزايدة خلال السنوات الأخيرة بحكم موقعها الاستراتيجي على الطريق القومي الرابط بين الخرطوم ودنقلا، فضلاً عن كونها محطة رئيسية لحركة التجارة والنقل بين شمال السودان وغربه.
والدبة، تقع على الضفة الغربية لنهر النيل عند ملتقى طرق يربط العاصمة الخرطوم بمدينة دنقلا عاصمة الولاية الشمالية، ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» في أبريل/ نيسان 2023، ازدادت أهمية المدينة باعتبارها ممراً لوجستياً لحركة البضائع والإمدادات، وهو ما فرض ضغوطاً إضافية على الأجهزة الأمنية للحفاظ على استقرارها.
واستقبلت الدبة أعداداً متزايدة من النازحين بعد تصاعد المعارك في ولايات دارفور وكردفان، وهو ما ضاعف الضغوط على الخدمات والأجهزة الأمنية.
ويرى مراقبون أن هذا الموقع الاستراتيجي، إلى جانب قرب المدينة من طرق تربطها بمناطق التعدين الأهلي عن الذهب، جعلها أيضاً نقطة جذب لشبكات التهريب والجريمة المنظمة التي تستغل حركة النقل الكثيفة لإخفاء أنشطتها.
ورغم أن الولاية الشمالية ظلت بعيدة نسبياً عن المواجهات العسكرية المباشرة مقارنة بولايات أخرى، فإنها لم تكن بمنأى عن التداعيات الأمنية للحرب. فقد شهدت مناطق عدة في الولاية خلال الأشهر الماضية حوادث أمنية متفرقة، وتعرضت بعض المدن لهجمات بالطائرات المسيرة، الأمر الذي دفع السلطات إلى تشديد الإجراءات الأمنية في المدن الرئيسية، وفي مقدمتها الدبة التي تمثل إحدى أهم نقاط العبور على شبكة الطرق القومية.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن الأجهزة الأمنية كثفت خلال الأشهر الماضية حملاتها ضد شبكات تهريب الوقود والسلع الاستراتيجية في محلية الدبة، حيث أعلنت في أكثر من مناسبة ضبط كميات كبيرة من البنزين ومواد تموينية قالت إنها كانت معدة للتهريب إلى مناطق أخرى. ويرى مراقبون أن النشاط المتزايد لشبكات التهريب، إلى جانب انتشار السلاح نتيجة الحرب، خلق بيئة أكثر تعقيداً أمام الأجهزة المختصة، وأدى إلى ارتفاع المخاطر المرتبطة بالجريمة المنظمة، بما في ذلك الاتجار بالمخدرات.
وتحظى الدبة أيضاً بأهمية اقتصادية خاصة، إذ تشكل مركزاً تجارياً يخدم مناطق واسعة من الولاية الشمالية، كما تمثل محطة رئيسية لحركة الشاحنات القادمة من الخرطوم والمتجهة إلى دنقلا والولاية الشمالية، فضلاً عن ارتباطها بمناطق التعدين الأهلي عن الذهب في شمال البلاد. وقد أسهم هذا النشاط الاقتصادي في زيادة الكثافة السكانية وحركة النقل، لكنه في الوقت نفسه وفر بيئة تستغلها بعض شبكات التهريب والاتجار غير المشروع، حسب تقديرات مراقبين للشأن الأمني.
ولا تعد أحداث الثلاثاء الأولى من نوعها. ففي الأشهر الماضية اضطرت السلطات المحلية إلى إصدار بيانات توضيحية لنفي تقارير تحدثت عن صراعات قبلية داخل الدبة، مؤكدة آنذاك أن بعض الحوادث التي جرى تداولها كانت ذات طابع جنائي أو فردي ولا ترتبط بنزاعات قبلية منظمة. ويعكس تكرار هذه البيانات حرص السلطات على الحد من انتشار الشائعات التي قد تؤدي إلى زيادة التوتر بين السكان أو الإضرار باستقرار المدينة.