عاموس هرئيل
ما زالت المفاوضات الأمريكية – الإيرانية متعثرة. التقى رئيس وزراء باكستان، شهباز شريف، أمس في إسلام آباد مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي حمل معه رد طهران على الطلبات التي طرحتها الولايات المتحدة في إطار محادثات وقف إطلاق النار. وحتى الآن، لم يعلن أي شيء بخصوص استئناف المحادثات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، بل إن ترامب أعلن بأنه لن يضيع الوقت في إرسال مبعوثين إلى باكستان إلى حين يظهر الإيرانيون مرونة في موقفهم.
الثلاثاء، نشر نتنياهو فيديو تفاخر فيه بتغيير وجه الشرق الأوسط (خاصة في إيران) وأفاد بـإجراء “محادثة ممتازة” مع ترامب، وأعلن بأن الرئيس الأمريكي يستخدم ضغوطاً اقتصادية وعسكرية على إيران، “بتعاون كامل” مع إسرائيل. ويشير الجيش الإسرائيلي إلى أن منظومة الدفاع الجوي الإيرانية تضررت بشدة، وأصبحت غير قادرة على توفير حماية فعالة ضد الهجمات الجوية المتجددة. وقد أصدر نتنياهو مساء أمس، أوامره للجيش الإسرائيلي بشن هجوم واسع النطاق في لبنان، رداً على إطلاق حزب الله لعدد كبير نسبياً من الصواريخ والمسيرات.
تشير التحليلات التي أجرتها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في الفترة الأخيرة بمختلف أجهزتها، إلى أن ترامب يمنح إيران فرصة أخرى للتفاوض ويسعى إلى التوصل إلى اتفاق
تشير التحليلات التي أجرتها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في الفترة الأخيرة بمختلف أجهزتها، إلى أن ترامب يمنح إيران فرصة أخرى للتفاوض ويسعى إلى التوصل إلى اتفاق، ولكن الفجوة بين الموقف الأمريكي الأدنى والموقف الإيراني الأقصى ما زالت كبيرة؛ فبعد استنفاد كل المحاولات، قد يختار ترامب استئناف القصف، وسيركز في هذه المرة على مواقع البنى التحتية الاستراتيجية في إيران.
يأمل الرئيس أن يعيد الإيرانيون النظر في موقفهم، ويظهروا مرونة بعد استعراض القدرات التدميرية الأمريكية والإسرائيلية، لكن كل ذلك قد يستغرق وقتاً. ويؤكد ترامب في تصريحاته بأنه لا يشعر بضغط الوقت. ولكن الواقع عكس ذلك تماماً؛ فدعم الحرب يتراجع في الولايات المتحدة، ويخشى الرئيس من الوصول إلى انتخابات نصف الولاية في تشرين الثاني، حيث تلقي أزمة الطاقة العالمية بطلالها على أسعار البنزين في محطات الوقود في الولايات المتحدة. ومع ذلك، يبدو أنه يحافظ على موقفه حتى الآن.
تبين أن الضغط الاقتصادي المتبادل بين الطرفين – من خلال حصار إيران لمضيق هرمز ورد الولايات المتحدة الذي يوقف حركة الملاحة في جنوب المضيق – يلحق أضراراً جسيمة. وقد لحقت هذه الأضرار بالاقتصاد الإيراني بالدرجة الأولى، فضلاً عن أسواق الطاقة العالمية، وتأثرت بالتدريج بإمدادات المواد الخام الأساسية غير المرتبطة مباشرة بالنفط. والحصار الأمريكي يجبر الإيرانيين عن التوقف عن ضخ النفط من الآباء، ما قد يلحق ضرراً بعيد المدى بالبنى التحية.
ويقدر النظام الإيراني حجم الأضرار التي لحقت به جراء الحرب حتى الآن بحوالي 250 مليار دولار، أي ضعف تقديرات وكالة الاستخبارات. ورغم العزيمة التي أظهرها النظام حتى الآن في المفاوضات، فمن الواضح أنه يتراجع تحت وطأة الضغط، وتزداد شدة التوتر بين كبار قادة الحرس الثوري والطبقة السياسية المدنية.
ونشرت “نيويورك تايمز” في نهاية الأسبوع أن مجتبى خامنئي، المرشد الأعلى الجديد، ما زال يختبئ بسبب إصابته، وإن التواصل بينه وبين كبار المسؤولين الحكوميين الآخرين متقطع. لم يسمع عنه ولم تتم رؤيته علناً منذ بداية الحرب بعد إصابته في عملية الاغتيال الإسرائيلية التي أودت بحياة والده علي خامنئي وزوجته وابنه. وقد تم بث رسائل باسمه في التلفزيون الإيراني عدة مرات. ونقلت الصحيفة عن مصدر إيراني مقرب من النظام قوله إن خامنئي الابن يدير شؤون البلاد بمشاركة محدودة منه في الأحداث، “كرئيس مجلس إدارة والجنرالات أعضاء فيه”. وقد فوضت بعض الصلاحيات لجنرالات الحرس الثوري بسبب حالته الصحية.
حسب التقرير، أصيب خامنئي في وجهه وساقه، وخضع لثلاث عمليات جراحية، ويبدو أن ساقه بترت جزئياً. والرئيس مسعود بزشكيان، وهو طبيب قلب، من بين الأطباء المعالجين له. ويمتنع المرشد عن الالتقاء مع كبار القادة خشية الكشف عن مكانه، ويتم التواصل معه عبر رسائل تنقل يدوياً بواسطة سلسلة طويلة من الرسل. وقد وصفت المصادر التي تحدثت للصحيفة خامنئي بأنه “يتمتع بذهن متقد”، لكنها أضافت أنه سيحتاج إلى جراحة تجميلية، وأنه يتجنب الظهور علناً حتى لا ينظر إليه بأنه ضعيف بسبب إصابته الظاهرة.
خداع لا ينتهي
قبل البيان المتعلق بترامب وإيران، نشر نتنياهو أيضاً بياناً مطولاً حول صحته، الثلاثاء الماضي. وكالعادة، تبين أن رئيس الحكومة وحاشيته أخفوا معلومات عن أمراضه عن الجمهور، بل وقدموا عمداً روايات متأخرة وجزئية ومضللة. هذا ليس بالأمر المفاجئ؛ فنتنياهو يواصل تعتيم الحقائق وخداع المواطنين بشأن 7 اكتوبر والحرب التي اندلعت في أعقابها.
لكن البيان الذي نشره يشمل جانباً آخر مثيراً للغضب بشكل خاص؛ المقارنة بين إصابته بسرطان البروستاتا، الذي أعلن عنه بشكل متأخر، والمذبحة المذكورة في الغلاف. كتب نتنياهو في وسائل التواصل الاجتماعية: “أنتم تعرفونني جيداً؛ عندما أحصل على معلومات في الوقت المناسب عن خطر محتمل، أعالجه على الفور. هذا ينطبق على الصعيد الوطني والشخصي”.
تعتبر هذه الأقوال جزءاً من محاولة فاشلة، ولكنها مستمرة من قبل نتنياهو ومستشاريه لترسيخ رواية مزيفة في الوعي العام. فهو لم يحذر قط مما سيحدث. لو كلف الجيش الإسرائيلي وجهاز “الشاباك” أنفسهما عناء تنبيه نتنياهو ليلاً قبل اقتحام قوات “النخبة” للكيبوتسات ومعسكرات الجيش، لكان الوضع مختلفاً تماماً. في الواقع، تم تحذير نتنياهو مراراً وتكراراً من كارثة أمنية وشيكة في ظل تصميمه على تمرير قانون الانقلاب، والانقسام العميق الذي أحدثه في المجتمع الإسرائيلي، والطريقة التي ينظر فيها أعداء إسرائيل إليه. أما بالنسبة لعدم تلقيه أي تنبيه (هذا خطأ بالفعل)، فلا شيء في سلوكه السابق يشير إلى أنه كان سيتصرف بشكل مختلف عن رئيس الأركان أو رئيس “الشاباك”.
الأمر الذي يثير الاستياء أيضاً هو المقارنة بين ما وصفه بـ “جرح صغير” وجد على جسده، حسب قوله، بينما هو “الحمد لله، بصورة جيدة وفي حالة صحية ممتازة”، وبين حدث فظيع قتل فيه أكثر من 1100 إسرائيلي وتم اختطاف 251 شخصاً. وقد نشرت هذه الأقوال في ختام أسبوع حافل بفعاليات إحياء الذكرى والاستقلال. وظهرت عدة أمور أخرى في هذا البيان، ترتبط بنبرة الغموض التي اتسم بها تصريحه الأخير. فقد تجلت هذا الأسبوع تحديداً جهود نتنياهو لعرقلة تشكيل لجنة تحقيق رسمية خلال جلسات الاستماع في المحكمة العليا، وتستر أنصاره في المحكمة (الذين ما كان بعضهم ليأتي لولا رغبته)، وحفل إشعال الشعلة الذي هيمنت عليه محاولة إعادة كتابة التاريخ، من خلال المقارنة الفاضحة بين عملية “عنتيبة” وإطلاق سراح المخطوفين من غزة الذين عاد العشرات منهم قتلى.
هآرتس 26/4/2026