القاهرة – «القدس العربي»: حقق الفيلم الوثائقي المصري «50 متر» للمخرجة يمنى خطاب إنجازًا جديدًا للسينما المصرية والعربية، بعدما فاز بجائزة أفضل فيلم طويل ضمن مسابقة الأفلام غير الروائية في الدورة التاسعة من مهرجان سانتياغو ديل إستيرو السينمائي في الأرجنتين، الذي أقيم خلال الفترة من 15 إلى 20 الشهر الجاري، ليحصد بذلك أولى جوائزه في مسيرته بالمهرجانات السينمائية الدولية.
وحظي الفيلم بإشادة كبيرة من لجنة التحكيم التي أثنت على لغته السينمائية الهادئة وقدرته على تحويل تجربة شخصية شديدة الخصوصية إلى عمل إنساني يلامس مشاعر الجمهور في مختلف أنحاء العالم.
وأكدت اللجنة أن الفيلم تميز باستخدام دقيق وحساس لأدوات السينما الوثائقية، كما نجحت المخرجة في توظيف الكاميرا لطرح أسئلة تتجاوز حدود الشاشة وتصل مباشرة إلى المشاهد.
يأخذ الفيلم المشاهد إلى عالم يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل الكثير من الدلالات الإنسانية العميقة. تدور الأحداث داخل حوض تدريب بطول خمسين مترًا يضم فريقًا من الرجال الذين تجاوزوا السبعين من العمر ويمارسون تمارين الأيروبيك المائية بشكل منتظم.
ومن خلال هذا المكان، تخوض المخرجة يمنى خطاب، في أول تجربة لها بإخراج فيلم وثائقي طويل، رحلة بحث شخصية لفهم علاقتها بوالدها والتقرب منه بعد سنوات من المسافات النفسية والصمت غير المعلن. وبين كتابة المشاهد وصياغة التعليق الصوتي وبناء الحكاية، يتحول الفيلم إلى مساحة للتأمل في العلاقات الأسرية والذاكرة والاختيارات التي تصنع حياة الإنسان.
ويقدم العمل صورة صادقة عن محاولة ابنة فهم والدها وفهم نفسها في الوقت ذاته، حيث تنجح في كسر العزلة بينهما وفتح باب للحوار حول أسئلة الحياة والمصير والتقدم في العمر. ومن خلال هذا البوح الإنساني، تصل المخرجة إلى حالة من التصالح مع ذاتها ومع والدها، لتصبح صناعة الفيلم نفسها جزءًا من رحلة العلاج والمصالحة.
شهد عرضه العالمي الأول ضمن فعاليات مهرجان كوبنهاجن الدولي للأفلام الوثائقية، قبل أن يواصل رحلته في عدد من المهرجانات السينمائية الدولية المهمة.
وشارك الفيلم بعد ذلك في مهرجان فالنسيا لأفلام البحر المتوسط في إسبانيا، ومهرجان وهران الدولي للسينما العربية في الجزائر، ومهرجان مونبلييه للفيلم المتوسطي بفرنسا، إلى جانب مهرجان سينما وثقافة الشرق الأوسط المعاصرة، حيث حظي باهتمام نقدي وإعلامي واسع، قبل أن يحقق أول انتصاراته بحصد جائزة الأرجنتين.
وهو من إنتاج مشترك بين مصر والدنمارك والسعودية، وجمع عددًا من المبدعين من دول مختلفة. وتولى إنتاجه أحمد عامر وباتريشيا دراتي، بينما شارك في المونتاج جلاديس جوجو وخالد معيط، وأسهمت الموسيقى التصويرية في تعزيز الطابع الإنساني والتأملي للعمل.
ويعكس هذا التعاون الدولي حجم الاهتمام الذي حظي به المشروع منذ مراحله الأولى، كما يؤكد قدرة السينما المصرية المستقلة على بناء شراكات ناجحة تتيح وصول أعمالها إلى جمهور عالمي.
قبل اكتمال إنتاجه، حصد «50 متر» عددًا من الجوائز والمنح التي ساعدت في خروجه إلى النور. فقد فاز بجائزة خاصة في سوق ديربان السينمائي عام 2022، كما شارك في أحد أهم ملتقيات مشروعات الأفلام الوثائقية في العالم خلال عام 2023. كما حصل على دعم من صندوق البحر الأحمر، وصندوق معهد الفيلم الدنماركي، وصندوق تطوير ويكرز، بالإضافة إلى تسع جوائز دفعة واحدة خلال منتدى تقديم المشروعات في الدورة الخامسة من مهرجان الجونة السينمائي، وهو ما عكس الثقة الكبيرة التي حظي بها المشروع لدى المتخصصين قبل اكتماله.