عمر عبد الظاهر
القاهرة ــ «القدس العربي»: يُقام حالياً وحتى 8 أغسطس/آب 2026 في قصر الفنون في دار الأوبرا المصرية معرض بعنوان «50 سنة فن»، احتفاء بمرور نصف قرن على إنشاء نقابة التشكيليين المصريين (1976 ــ 2026).
ومن الأعمال المُشاركة يمكن الالتفات إلى جزء من رحلة التشكيل المصري على اختلاف مدارسه وأساليبه الفنية، وكذلك طبيعة الموضوعات التي تهم الفنان وتصبح مجالاً لكيفية التعبير، سواء من خلال فنون التصوير، النحت، الخزف، الغرافيك، والتجهيز في الفراغ.
من خلال الأعمال المعروضة، أو المُنتقاة، بمعنى أدق، يمكن أن نلمح فكرة تطور التقنية للتعبير عن الموضوع الواحد، من دون أن نعني هنا أن كلمة (التطور) تبدو إيجابية على إطلاقها. فهي رؤية مختلفة لأجيال متعاقبة ـ شارك في المعرض ما يُقارب 250 فنانا ــ هذه الرؤى المتباينة تكشف بدورها عن دور التقنية في خدمة الموضوع، أو اللعب بالتقنية وحدها كاستعراض باهت ليس أكثر.
حداثة رصينة
من ناحية أخرى توجد أعمال لفنانين أثروا الحركة التشكيلية المصرية، حيث رصانة التكوين، والأسلوب المُتناسب وموضوع اللوحة، أو الحالة التي يريد الفنان التعبير عنها، ونذكر منهم مثالاً لا حصراً.. عز الدين نجيب، مصطفى الرزاز، صبري راغب، محمد ناجي، عطيات السيد، أحلام فكري، عبد الغفار شديد، أيمن سعداوي، سامح البناني وإبراهيم الطنبولي. هؤلاء على تباين تجاربهم وأساليبهم حافظوا على كلاسيكيات القواعد مع الخروج عليها وفق رؤيتهم عن وعي فني ودراسة جادة للعمل الفني وموضوعه، ومنها نجد كيف طوّع الفنان الأسلوب الحداثي لمعالجة موضوعه، الذي يتناوله تعبيراً عن حالات ورؤى اجتماعية وسياسية. فمن حالات معاناة الوحدة الإنسانية (أحلام فكري) إلى معالجات للطبيعة الصامتة (عز الدين نجيب)، وصولاً إلى معالجات لحياة الريف المصري والحواري الشعبية (سامح البناني، حسني أبو بكر، أيمن ونيس، وعطيات السيد)، أو عودة إلى التراث الشعبي المنسي، وكأنه في اللوحة شكل من أشكال التذكير الدائم بعصر البطولات والملاحم، كما في لوحات مصطفى الرزاز.
التجريب
وتبدو فكرة التجريب من خلال عدة أعمال لم تكتف بتجسيد المشهد كما هو مألوف للذاكرة البصرية لدى المُتلقين، بل من خلال اللعب من جهة المنظور، ليصبح المنظر، أو اللقطة أكثر إدهاشاً، كما في أعمال كل من عطيات السيد، عمر عبد الظاهر، محمد عبد المنعم، وشريف عبد القادر، حتى إن الأخير يؤنسن الأشياء، ويختلق عالماً له مفرداته وكائناته، التي تتحاور وتتشابك علاقاتها، ذلك فقط من خلال تصوير لقطة لماكينة خياطة قديمة، وكل ما يمت إلى عالمها من قطع قماش وبكرات خيوط ومقصات وما شابه من أدوات لا تخرج عن دائرة هذه العائلة. فكرة (ماكينة الخياطة) نفسها يجسدها عمل الفنانة سما يحيى (تجهيز في الفراغ) من خلال علاقات بين عناصر تبدو فوق المنطق من الوهلة الأولى، ولكن بالتأمل يمكن اكتشاف العلاقة الوثيقة بين هذه العناصر وحياتها، مع تغييب العنصر الأساس، الذي يصبح هنا مجرد ذكرى ليس أكثر، وأن هذه الأشياء هي الدالة على وجوده الذي كان.
معيار الاختيار
ومن بين هذه الأعمال اللافتة يأتي الكثير من الأعمال التي صاغها أصحابها كيفما اتفق، فقط استعراضا لكل ما هو غريب، أو تكرارا باهتا لتجارب فنانين سابقين، «أي حاجة جنب أي حاجة»، وهو ما يدعو دائماً إلى مناقشة فكرة معيار اختيار الأعمال المشاركة ـ أزمة المعيار مأساة دائمة في كل التظاهرات الفنية ـ وهنا يدور التساؤل حول لجنة الاختيار واسماء المشاركين واستبعاد آخرين كانوا أجدر بالمشاركة، وهي آفة ثقافية مصرية أصيلة لا تقتصر على نقابة التشكيليين وحدها.
