واشنطن- “القدس العربي”: تكشف أزمة طوابير الهجرة إلى الولايات المتحدة عن تفاوت هائل في فترات الانتظار بين المتقدمين بحسب بلد الميلاد ونوع التأشيرة، ففي الوقت الذي قد يصل فيه الانتظار النظري لبعض الهنود المتقدمين للحصول على الإقامة الدائمة عبر العمل إلى 175 عاماً أو أكثر، يواجه المتقدمون من الدول العربية طوابير طويلة، خصوصاً في بعض فئات الهجرة العائلية، وإن كانت بعيدة جداً عن المستويات القياسية المسجلة للهند.
وتستند تقديرات الانتظار الطويل للهند إلى حجم التراكم الهائل في فئات الهجرة القائمة على العمل، ولا سيما EB-2، حيث أدى تدفق أعداد كبيرة من المهنيين الهنود، بالتزامن مع القيود العددية المفروضة على الهجرة من كل دولة، إلى تشكل طابور قد يتجاوز عمر المتقدم نفسه.
الهند.. انتظار قد يتجاوز عمر المتقدم
وبحسب تحليل المؤسسة الوطنية للسياسة الأمريكية (NFAP)، فإن مواطناً هندياً يتقدم للحصول على الإقامة الدائمة ضمن فئة EB-2 قد يواجه، وفق معدلات التراكم الحالية، انتظاراً نظرياً يصل إلى نحو 175 عاماً أو أكثر.
ولا يعني ذلك أن السلطات الأمريكية تمنح موعداً رسمياً بعد 175 عاماً، وإنما يمثل الرقم تقديراً حسابياً لما قد يستغرقه تصريف التراكم إذا استمرت القواعد الحالية ومعدلات إصدار بطاقات الإقامة على نحو مماثل.
وتعود الأزمة إلى أن القانون الأمريكي يفرض سقفاً سنوياً على الهجرة القائمة على العمل، إلى جانب حد أقصى فعلي للهجرة من دولة واحدة. ومع ضخامة أعداد المتقدمين الهنود مقارنة بالحصة المتاحة، تتراكم الطلبات عاماً بعد آخر.
وتشير بيانات NFAP إلى أن الهنود يشكلون الجزء الأكبر من المتراكم في فئات الهجرة المهنية الثلاث الرئيسية، وهو ما جعل الهند الحالة الأكثر حدة في نظام الهجرة القائم على العمل.
الدول العربية.. طوابير أقصر ولكنها قد تمتد لعقود
ولا يواجه المتقدمون من الدول العربية الوضع نفسه. فمعظم الدول العربية مدرجة في نشرة التأشيرات الأمريكية ضمن فئة «جميع مناطق الاستحقاق الأخرى»، وهي الفئة التي تضمّ الدول التي لا توجد لديها حالياً قوائم انتظار منفصلة بسبب تجاوز الطلبات للحصص، في حين توجد جداول منفصلة للهند والصين والمكسيك والفلبين.
وبالتالي، فإن المتقدم العربي في العديد من فئات الهجرة القائمة على العمل لا يواجه التراكم الهائل الذي يواجهه المتقدم الهندي.
لكن الصورة تختلف عند الانتقال إلى الهجرة العائلية، حيث يمكن أن تصل فترات الانتظار إلى سنوات طويلة.
إخوة وأخوات الأمريكيين.. أقدم طابور عربي يصل إلى 2011
وتظهر أطول قوائم الانتظار بالنسبة لمعظم الدول العربية في فئة F4، الخاصة بإخوة وأخوات المواطنين الأمريكيين البالغين.
وفي سبتمبر/ أيلول 2026، كان تاريخ الإجراء النهائي لهذه الفئة لمعظم الدول عند 22 أكتوبر/ تشرين الأول 2011.
وهذا يعني أن الطلبات التي دخلت الطابور بعد ذلك التاريخ لا تزال تنتظر دورها، فيما لا يمكن اعتبار ذلك موعداً ثابتاً للحصول على التأشيرة للطلبات الجديدة، لأن حركة الطابور قد تتسارع أو تتباطأ أو تتراجع.
وبعبارة أخرى، فإن شخصاً يبدأ إجراءات الهجرة العائلية من خلال شقيق أو شقيقة مواطن أمريكي اليوم قد يدخل في مسار يستغرق سنوات طويلة وربما أكثر من عقد.
الأبناء المتزوجون.. انتظار يتجاوز عقداً
وفي فئة F3، الخاصة بالأبناء المتزوجين للمواطنين الأمريكيين، كان تاريخ الإجراء النهائي لمعظم الدول، بما فيها الدول العربية، عند 22 أكتوبر/ تشرين الأول 2014.
أما فئة F2B، الخاصة بالأبناء غير المتزوجين الذين تبلغ أعمارهم 21 عاماً أو أكثر لحاملي الإقامة الدائمة، فوصل التاريخ إلى 22 أغسطس/ آب 2019.
وفي فئة F1، الخاصة بالأبناء غير المتزوجين البالغين للمواطنين الأمريكيين، كان التاريخ 22 يناير/ كانون الثاني 2020.
وهكذا، فإن طبيعة العلاقة العائلية يمكن أن تحدث فرقاً كبيراً في مدة الانتظار، حتى بالنسبة لأشخاص من البلد العربي نفسه.
ليس كل العرب في الطابور نفسه
ولا توجد قائمة انتظار منفصلة لكل دولة عربية في معظم فئات الهجرة.
فالمصري والأردني واللبناني والعراقي والسوري واليمني، على سبيل المثال، يخضعون في معظم الحالات لتاريخ المجموعة العامة نفسها، وليس لكل دولة تاريخ مستقل كما هو الحال بالنسبة للهند والصين والمكسيك والفلبين.
وهذا يعني أن بلد الميلاد لا يخلق في الحالة العربية فروقاً ضخمة كتلك الموجودة بين الهند وبقية العالم في الهجرة القائمة على العمل.
لكن نوع التأشيرة، وعدد الطلبات، وتاريخ تقديم الطلب، كلها عوامل تحدد موقع الشخص في الطابور.
العمّال العرب.. وضع أفضل بكثير من الهنود
وفي الهجرة القائمة على العمل، كانت فئة EB-1 متاحة لمعظم الدول العربية في سبتمبر/ أيلول 2026، وكذلك فئة EB-2.
أما فئة EB-3، فكان تاريخ الإجراء النهائي لمعظم الدول عند 1 سبتمبر/ أيلول 2024، بينما وصل التاريخ في فئة العمّال الآخرين ضمن EB-3 إلى 1 أبريل/ نيسان 2022.
في المقابل، كانت الهند تواجه قيوداً أشد بكثير، خصوصاً في EB-2 وEB-3، نتيجة الحجم الاستثنائي للطلبات المتراكمة.
وهذا يوضح سبب عدم إمكانية تطبيق رقم الـ175 عاماً على المهاجرين العرب؛ فالرقم يعكس حالة استثنائية مرتبطة بالتراكم الهندي، وليس متوسطاً عاماً لكل المهاجرين إلى الولايات المتحدة.
لماذا أصبحت الطوابير طويلة إلى هذا الحد؟
يعود جزء كبير من الأزمة إلى قوانين الهجرة التي تضع سقوفاً عددية على التأشيرات، رغم أن الطلب على الهجرة المهنية والعائلية تجاوز في بعض الفئات الأعداد التي يسمح بها القانون.
وفي الهجرة القائمة على العمل، يبلغ السقف الأساسي نحو 140 ألف تأشيرة سنوياً، ويشمل هذا الرقم العمّال المؤهلين وأفراد أسرهم.
ومع استمرار الطلب المرتفع، ولا سيما من الهند، تتراكم الطلبات غير المنجزة عاماً بعد آخر.
وتزداد المشكلة تعقيداً بسبب أن النظام لا يسمح ببساطة بإصدار عدد غير محدود من التأشيرات للدول التي لديها أكبر عدد من المتقدمين، ما يجعل حجم الطلب الهندي أكبر بكثير من القدرة السنوية على تصريف الطابور.
175 عاماً.. رقم يكشف مشكلة أوسع
ورغم أن رقم 175 عاماً يبدو غير واقعي بالنسبة إلى حياة أي متقدم، فإنه يستخدم لتوضيح مدى اختلال التوازن بين حجم الطلب والحصة المتاحة في بعض فئات الهجرة.
فالمشكلة بالنسبة للهند ليست مجرد تأخر في معالجة الملفات، وإنما تراكم هيكلي يتطلب تغييراً في القانون أو زيادة كبيرة في أعداد التأشيرات المتاحة حتى يتم تقليص الطوابير بصورة جوهرية.
أما بالنسبة للمهاجرين من الدول العربية، فالمشكلة أقل حدة في الهجرة المهنية، لكنها قد تكون قاسية في الهجرة العائلية، حيث تظهر تواريخ تعود إلى أكثر من عقد في بعض الفئات.
وبين 175 عاماً للهند وأكثر من عقد في بعض فئات الهجرة العائلية للدول العربية، تكشف طوابير التأشيرات الأمريكية عن نظام يجعل انتظار المهاجر مرتبطاً ليس فقط بمؤهلاته أو علاقته العائلية، وإنما أيضاً بالفئة التي يتقدم من خلالها وبلد ميلاده وحجم الطلب المتراكم أمامه.