يوميات فلسطينيي الداخل… نجاة بلا خلاص


ثمة مفهوم في اللاهوت الكاثوليكي، يُدعى «المَطهر» (Purgatorium). لتبسيط هذا المفهوم بعيداً عن تعقيدات الفلسفة الدينية؛ هو مكان مُخصص لأولئك الذين تعثرت خطواتهم في الدنيا، بين فضيلة لم تكتمل وخطيئة لم تبلغ حد الهلاك؛ مؤمنون داهمهم الموت قبل التوبة الكاملة، فصاروا في منزلة بين المنزلتين، يُطهّرون بنارِ المَطهر قبل عبورهم إلى الفردوس حتى يغدوا أهلاً له. إنه مكانٌ للمؤمن الذي ليس قديساً كاملاً يستحق دخول الجنة على الفور، وليس في الوقت ذاته شريراً محضا ليهوي في عذاب الجحيم الأبدي. أي يمكننا ببساطة اعتبار المطهر «محطة ترانزيت» روحية لن تجد فيها عقابا ساحقا، ولا ثوابا باذخا، تقع تماماً في المسافة الفاصلة بين الفردوس الموعود وجهنم المستعرة.

​إلا أن هذا «المَطهر» لا ينحصر عند غيبيات اللاهوت فحسب، إنما يمكننا إسقاطه بمرارة على حالة بشرية أرضية، تتجسد تداعياتها على تخوم الجغرافيا والتاريخ كمكانة سياسية واجتماعية متفرّدة وبالغة التعقيد. إن برزخ الهوية هذا، يبدو وكأنه مرسومٌ لنا خصيصاً على جدران المَطهر، يتبدى في واقعنا المعاصر بجلاء، فلن تجد له تجسيداً أدق من تلك الكتلة البشريّة المعلقة في شِباك الزمكان، نحن فلسطينيي الـ48، أو «فلسطينيي الداخل» أو «عرب إسرائيل» أو عرب الـ48» تتعدد التسميات وتتغير القوالب، لكن جوهر «المَطهر» يظل واحداً؛ إنها الجماعة التي تعيش في منزلة برزخية بين الفردوس المُتخيَّل وجهنم الملاصقة خلف الجدران، إنه ليس أبعد من مسافة رمية حجر من ذلك الجحيم المتّقد الذي يستلهم منه إبليس أبشع فصول المآسي، ليدوّنها في كتاب غبن التاريخ، لكن في الوقت ذاته، يجدون أنفسهم مُجبرين على التناغم مع إيقاع حياة تحاول إقناعهم عنوة بأنهم في رغد ونعيم. ​في هذا الفصام الوجودي الحاد، تصطدم التناقضات، بل تتداخل الحواس لتصنع مشهداً سريالياً عبثيا؛ ففي أذنٍ يتردد صدى المآسي وعويل الآلام المقبلة من أتون الحرب والنزوح مباشرة من خلف أسوار المطهر، وفي الأذن الأخرى، تتسلل تهاليل الرب الواعد المخلّص السامع الغفور، لكن لشعبه المصطفى فحسب. بطرف لسانك تتلذذ بطعم الجعة وكوكتيلات الحانات الصاخبة في «البلدة التحتى» في حيفا أو بإسبرسو وويسكي مقاهي وبارات «فلورنتين» في تل أبيب، وبطرفه الآخر، تتجرع مرارة الاستعلاء والفرز القومي، والتمييز الممنهج.

​ تتدفق إلى إحدى فتحتي الأنف رائحة الموت المجاني الذي يحصده منجل الجريمة المنظمة في شوارع قرانا، بينما تتسلل إلى الأخرى روائح السوشي والكوردون بلو التي تفوح من المطاعم والمقاهي. بعين تعاين هدم البيوت ونسف الذكريات في أزقة القرى، وعين أخرى تتطلع إلى ناطحات السحاب الزجاجية ومكاتب شركات التكنولوجيا، حالمة بأن تجد لها مكانا بين جدرانها. تمتد يد تبحث عن خلاصها الفردي نحو المستقبل، متشبثة بمبدأ «أنا ومن بعدي الطوفان»، لكن مطرقة التمييز الجائرة تعيدها في كل مرة إلى موقعها، لمجرد أنها تنتمي إلى المجموعة «الخطأ». إنه موقع عبثي، لا يعرف فيه الحاكم ماذا يفعل بهذا «العبء»، ولا تدري أنت ما ينبغي أن تفعله لتنجو بنفسك. فلا المجتمع المهيمن يفهم حالتك، ولا أنت تفهم تماما منطق سياساته، بل إنك، في لحظات الصدق، ربما تعجز عن فهم نفسك.
مطهرنا هذا إن بسّطناه، يشبه تلك الحالة الرمادية عندما تنال علامة أعلى من حافة النجاح بقليل في اختبار مدرسي؛ أنت لست راسباً لتُعاقب بقسوة، ولست متفوقاً لتُكافأ بحفاوة، فيفرك والدك أذنك مبتسماً لك ابتسامة لا تنم عن الرضى والفخر، ولا عن السخط والعار، وتبادله أنت بدورك الشعور ذاته، لتبقى معلقاً في منطقة لا الغبطة فيها تغمرك، ولا الحزن يكسرك. إذ نجحنا نحن أن نبقى في أرضنا، لكننا لسنا أحرارا، لسنا راضين عن أنفسنا ويفرك الضمير أذننا على صمتنا، أما عجزنا فيبتسم لنا بدوره ابتسامةَ من لتوه وصَـمَك بوصمة خزي وهوان.

​ هل هذا «المَطهر» عقوبة مؤقتة أم أنه حالة وجودية أبدية؟
يبدو أن الإقامة في هذا المطهر ليست مجانية، بل هي دفع متواصل لضرائب باهظة من وعينا الجمعي. نحن ندفع ثمن صمتنا وانكفائنا على ذواتنا، وثمن لامبالاتنا وتواطئنا مع كذبة «أن كل شيء سيكون على ما يرام»، حتى تحوّل وعينا إلى حالة «عاطل عن العمل، لكنه راضٍ»، وإدراك فارغ بلا لون أو هيئة. لقد استهلكنا الأمل أو بالأحرى أَشبعنا قادتنا عهودا في «مستقبل واعد» حتى تحول الأمل نفسه إلى أداة تخدير، وبدا أننا عالقون في هذا المطهر التاريخي تائهين في حلقة مفرغة. أما الأنكى من ذلك كله، أنه حتى لو فُتحت أبواب هذا المطهر يوماً ما وتغيرت المعادلات، فإن الواقع يؤشّر لنا بكلتا يديه: إن الوجهة المقبلة لن تكون، بأي حال من الأحوال إلى الفردوس. لقد اختلف الأخوة الكاثوليك تاريخياً على كنه المطهر؛ هل هو مكان مادي أم حالة روحية؟ أما في سياقنا، فلا خلاف، مطهرنا مكان مادي وحالة معاً، يلتصقان كما بالجسد كذلك بالوعي. لكن الفارق الجوهري أن المطهر اللاهوتي مؤقت، كما تقول العقيدة (فكل من يدخله مصيره حتما إلى الجنة بعد التطهّر) أما مطهرنا نحن فهو باقٍ ما بقي هذا المشروع يشرع فينا خطاياه ويزرعها في نفوسنا فيدنسنا وندنس نحن بها أنفسنا ليحصد هذا الزرع من بعدنا أبناؤنا…

كاتب من فلسطين



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *