غزة – «القدس العربي»: لم تعد المناطق القريبة من الخط الأصفر في قطاع غزة مجرد حدود تفصل بين مناطق مختلفة، بل تحولت إلى مساحة يواجه فيها المدنيون خطرًا مستمرًا، حتى أثناء محاولتهم ممارسة تفاصيل حياتهم اليومية.
وحتى مطلع نيسان/ أبريل 2026، وثّقت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مقتل 196 فلسطينيًا في هجمات إسرائيلية أُبلغ عن وقوعها قرب الخط الأصفر، بينهم 43 طفلًا و18 امرأة، ومن بين هذه القصص قصة حسن أبو منسي، الفتى البالغ 17 عامًا من مخيم المغازي، الذي خرج متوجهًا إلى صالة الألعاب الرياضية، قبل أن تتحول رحلته القصيرة إلى مأساة عاشتها عائلته وأهالي المنطقة لحظة بلحظة.
قماش أبيض
وتروي والدة الشهيد حسن أبو منسي أن لحظة إصابة ابنها كانت سريعة وقاسية، فبعد وصول دبابة وجرافة إلى المنطقة الشرقية من مخيم المغازي يوم الثلاثاء الماضي، بدأ إطلاق النار، وكان حسن في طريقه إلى النادي، وحقيبته على ظهره، قبل أن تصيبه رصاصة في رأسه ويسقط على الأرض.
وتقول والدته إن العائلة لم تتمكن في البداية من الوصول إليه بسبب استمرار إطلاق النار، ولم يكن أمامهم سوى محاولة إيجاد طريقة لإخراجه من المكان، عندها حملت عمته قطعة قماش بيضاء وبدأت تلوّح بها، في محاولة لإيقاف إطلاق النار حتى يتمكنوا من الوصول إلى حسن وإسعافه.
وتقول الأم: «ابني كان واقع على الأرض، وكنا نشوفه ومش قادرين نوصل له»، ومع عدم وجود رجال يستطيعون الوصول إليه في تلك اللحظة، تقدمت النساء وحملن حسن، وبدأن السير به بعيدًا عن مكان إصابته.
فقطعت النساء مسافة تقارب 500 متر وهن يحملن حسن بحثًا عن سيارة تنقله إلى المستشفى، وتقول والدته إنهن أوقفن أكثر من سيارة، لكن لم يكن أحد من السائقين يوافق على نقله، إلى أن تمكنّ بعد عناء من العثور على سائق وافق على أخذه.
فنُقل حسن إلى مستشفى شهداء الأقصى، وهناك بدأت والدته تراقب ما يجري حول ابنها، وتقول إن الأطباء وضعوا الأجهزة له، لكنها كانت تدرك من حالته أنه فارق الحياة، وتضيف: «لما شفتهم حطوا الأجهزة على ابني، زغردت، لأني عرفت أنه مفارق الحياة».
وبعد ذلك، تقول الأم، رُفعت الأجهزة عن حسن، وانتهت رحلة العائلة في محاولة إنقاذه، لتعود إلى المنزل وهي تحمل غياب ابنها بدلًا من أن يعود هو إليها.
غريق الدماء
فعلى مسافة من المكان، كان محمود شرف يسمع أصوات إطلاق النار والصراخ، ويقول إنه عندما سمع الضجيج، خطر في باله مباشرة أن شخصًا أُصيب، فخرج ليعرف ما يحدث.
فلم يرَ المشهد من بدايته، لكنه رأى ما تبقى منه، فكان عدد من الأهالي يركضون في الطريق، يحملون شابًا مصابًا، ولم يكن المشهد يحتاج إلى شرح، فالدم كان يغطي جسده، والذين يحملونه كانوا يحاولون الإسراع به بعيدًا عن مكان إطلاق النار.
فيقول شرف إنهم اقتربوا من أحد المنازل بحثًا عن شيء يساعدهم على حمل الشاب، فأعطاهم أحد الأشخاص بطانية، فوضعوا حسن عليها، وتحولت البطانية في تلك اللحظة إلى وسيلة لحمله ومواصلة الطريق.
فيتذكر شرف حركة الأهالي وهم يحاولون الابتعاد عن المكان، والارتباك الذي رافق المشهد، ولم يكن أحد يعرف ماذا سيحدث بعد ذلك، لكن الأولوية كانت إخراج الشاب من المنطقة والوصول به إلى مكان يمكن أن يتلقى فيه العلاج.
وبالنسبة إلى شرف، لم تكن صورة الشاب المحمول على البطانية مشهدًا عابرًا، حيث كانت صورة تختصر كيف يمكن للحظة عادية في أحد أحياء المخيم أن تنقلب فجأة إلى محاولة جماعية لإنقاذ حياة إنسان.
فلم يكن حسن يعرف أن خروجه ذلك اليوم سيكون الأخير، ولم يكن أهله يتوقعون أن يتحول انتظار عودته إلى محاولة يائسة لإنقاذه، وبقيت قصته معلّقة في ذاكرة المكان، لا كرقم جديد في قائمة الضحايا، بل كفتى كان له طريق وحياة وأشياء صغيرة اعتاد أن يفعلها، ثم انقطعت فجأة.