يصنع الفلسطيني فرحه بين الأشواك… وعمتي سهيلة تنطق بالحكمة وتنشر إيمانها «بأن الظلم لا يدوم»


«قطر الندى» فرح خليلي يتحدى المحتل… وسردية من العادات والتقاليد وفائض الإنسانية

بيروت ـ «القدس العربي»:بات للحكاية أهمية توازي الرصاصة في أصل القضية التي تُلهب شرقنا. حكت الصهيونية ونشرت تزويراً ما بعده تزوير. كذُبت، احتالت حتى على داعميها لتقول إن فلسطين لها، وتنتظرها لتحييها. وأنها أرض يباس تحتاج سواعد هؤلاء الطوال القامة، الهياكل العظمية بدون عضل لتشجير تلالها وقممها، المشجرة أصلاً. رائدة طه تشق دربها بثبات لتروي وتحفظ ذاكرة وطنها المحتل وأهله وناسه، وعاداته وتقاليده. ومواجهات ناسه اليومية مع جنود ينتشرون بينهم ويحترفون أنواعاً لا تُحصى من التعذيب والقهر والقتل.
رائدة طه على المسرح من جديد في سردية «قطر الندى». حكاية جذورها ممتدة ومنتشرة في كل دسكرة من مدينة الخليل. مدينة نابضة بتقاليدها الإنسانية والوطنية والإسلامية، كمثل وجود التكية منذ أيام ابراهيم الخليل. وبفضلها لم ينم خليلي جائعاً، ولا مات خليلي جوعاً. غريب أمر هذه المدينة ومعها نتمنى لو كانت التكية عدوى، منتشرة في بلاد الضاد، حيث فائض المال، وحيث فائض الجوعى، والعطاشى في غزّة والسودان وغيرهما.
رغم الذاتي الذي انطلقت منه حكاية رائدة طه الجديدة «قطر الندى»، إلا أن جذورها المنغرسة عميقاً في مفاصل مدينة الخليل جمعت بين دهرٍ من الفرح الفلسطيني، ودهرٍ من الصبر والمقاومة. في فلسطين كانت عمّتها سهيلة التي عاشت 95 سنة رمزاً وقضية بحد ذاتها. بكل فخر وعنفوان تستذكرها، وتسرد مواجهاتها مع الحياة الصعبة في ظل الاحتلال. وبكل حب وفخر كذلك تستعيد بعضاً من حياة والدتها فتحية، في بيروت خاصة. امرأتان قويتان قديرتان حكيمتان، هما معاً نتاج الاحتلال الذي غيّر مسيرة حياتهما، كما الكثير من الشعب الفلسطيني.
أمسكت رائدة طه بخيوط حكايتها وراحت تسردها بين فرح وحزن، بين ترقب وفعل، بين عادات وتقاليد جميلة ومحببة واقتحامات الاحتلال. ويفضي بنا مقام الحكاية رابطاً بين زمنين. زمن زواج في القدس لحفيد، واعتقال لآخر من قلب الفرح. وسهيلة تأمر بتواصل مراسم العرس. والمعتقل يتحرر بتبادل الأسرى في غزّة، يُبعد ويتزوج بدون ان تراه جدته سهيلة.
في كل مرّة نسأل ماذا ستقول بعد رائدة طه؟ لكنها تبحث في مفاصل وطنها السليب لتقول منه وعنه بأنه لشعب متجذّر بأرضه، وليس لاحتلال يخترع ويكذب ويفشل في إثبات انتمائه لتراب لم يعرفه من قبل.
حكاية وطن، ووطن الحكايات فلسطين، في قطر الندى فردت سهيلة التاريخ والجذور و«العزوة» وقالت لرائدة ولكل الأجيال التالية، هذه الأرض لنا، وليس لظلم ان يعيش مؤبدا. كذلك فعلت فتحية عندما فرضت على بناتها التحدث بلهجة فلسطين في بيتهنّ البيروتي. هو فعل نساء في التربية والتنشئة والتمسك بالهوية والحق بالوطن والأرض.
غنّت رائدة طه ورافقها كمان رزان الكمان بحضور معبّر وحنون، الأمر الذي شكّل إضافة إلى مسرحها. قدّمت عرضها الجديد في مسرح المدينة بصالة ممتلئة، وتصفيق حار في الختام.
مع رائدة طه هذا الحوار:
○ شاهدنا حكايتك الجديدة في فضاء متقشف وكأنك راوية في جلسة عائلية. هل تثقين بحكايتك وحاجتها فقط لصوتك وصدقك؟
• بت أمتلك تصوراً مختلفاً للمسرح في ظل الأوضاع التي نعيشها، وتصوراً لكيفية تقديم هذه الحكايات. عندما تقتضي الحاجة مهم أن يتضمّن العرض المسرحي كامل العناصر المعروفة، بينما يعتمد مسرحي على النصوص. ليست المرّة الأولى التي أعتلي فيها خشبة متقشفة. ففي 36 شارع عبّاس لم يكن على المسرح أي سينوغرافيا، باستثناء الإضاءة. وليس من شأن بعض العناصر على المسرح أن تزيد من قوة الحكاية، وقوة الواقع. يُعرف مسرحي بواقعيته، ويتبع نهجاً مسرحياً لا يحتاج للجماليات وللعناصر الداعمة لسرديته ومضمونه. ما أقوله مسنود بالحكاية والواقع والقصص والتموجات، المشابهة للحياة بكامل عناصرها. سياق القصة بذاته يفرض التقشُّف، ونهجي على الدوام «الأقل هو الأكثر». شجرة التين وقطر الندى مسرحيتان من إخراجي بكامل عناصرهما البسيطة. قطر الندى تعتمد على قوة القصة وزخمها وعفويتها، تحمل قدراً من صدق وواقعية، وليست بحاجة للزخرفة.
○ في مرحلة بدون روادع حيث الاحتلال يمارس عنفه حتى على الجنين الفلسطيني في رحم امه. لماذا خطر لك ذكر العنف الذي مارسه الصهاينة ضدك؟
• ما تعرضت له لا يقارن مُطلقاً بممارسات الاحتلال ضد أهل غزّة والضفة خاصة في المرحلة الراهنة. الفلسطيني والفلسطينية متهمان دائماً، سواء قاما بفعل ضد الاحتلال أم لا. ما ذكرته عني هو مثل بسيط جداً لإنسان بالعمر الذي أنتمي إليه، ولم يتعرّض مُسبقاً للتوقيف على جسر «العودة». الأطفال الفلسطينيون في دائرة الاتهام فكيف بغيرهم؟ الاتهامات جاهزة على الدوام، واستحضارها ليس بصعب على المحتلين.
○ عندما وصلني برومو يختصر «قطر الندى» توقعت أن سرديتك الجديدة سيغلب عليها الفرح. هل هي علتي مع الحزن المقيم منذ ثلات سنوات؟ أم أن توقعي في غير مكانه؟
• لو وجد الفرح بثمن لأشتريته منذ زمن بعيد. منذ مئة سنة والفلسطينيون تحت الاحتلال. وقبلها بعشرات السنوات وهم يواجهون المؤامرات. أردت التعبير عن هذا الشعب القادر على الفرح عندما يُتاح له. شعب يُدافع عن فرحه ويقتنص لحظته، حتى وهو يتعرّض للوحشية والإجرام. رغم كل الإبادة والوحشية التي تعيشها غزّة منذ السابع من اكتوبر هناك لحظات زواج وفرح وولادة. إنها حتمية الحياة بتعايش الحزن والفرح. إنما يكمن الموضوع في استمرارية هذا الاحتلال، واستمرارية توحشه واعتدائه على فرحنا وعلى حياتنا الطبيعية. بين كل هذه الأشواك يصنع الفلسطيني لحظات فرح. وليس للإنسان أن يعيش بدون فرح حتى وإن كان بسيطاً أو شحيحاً. كانت عمتي سهيلة تفرح بزواج حفيدها، وفي هذه الأثناء نادى الاحتلال على حفيد آخر لها واعتقله. أصرّت على مواصلة العرس، ولم ترض بأن يخطف الاحتلال لحظة الفرح.
○ رائدة طه ترى في عمتها سهيلة مثالاً مقاوماً على جبهات مختلفة؟
• انها سهيلة على الدوام. هي انتيغون فلسطين، كما أنها مثال للفرح. لم ألتق بمن يضحك أكثر من سهيلة. تتمتع بدم خفيف أكثر من كل أهل الأرض. قد تضحك وتبكي في آن. هي مثال للمرأة الفلسطينية الجبّارة، تُخزّن في قلبها حزناً دفيناً، ولا تمنع نفسها من الفرح. الفرح جزء من استمرارية الحياة برأيها، وبعيداً عن الفذلكة، فهي امرأة لا تقرأ ولا تكتب. تتمتع سهيلة بقدر كبير من الحكمة والتجربة التي تساعدها على الفرح رغم كل الألم. الألم والوجع مستمرّان طالما الاحتلال موجود. كانت سهيلة تكمش الممكن من الفرح لتتمكّن من الاستمرار مع أبنائها. الفرح عدوى، ومن المستحيل أن يكون الإنسان حزينا على مرّ الزمن. ورغماً من الحزن والألم، والقمع والاضطهاد، ففي حياة الفلسطيني لحظات فرح قوية، والأهم لحظات أمل وإيمان. سهيلة إنسانة مؤمنة. تؤمن بالتاريخ، وبالحكمة التي تقول ما من ظلم يستمر مدى الدهر. وما من حال يبقى على حاله، فكل حال إلى زوال. أصابتني العدوى من سهيلة، وعلينا أن نؤمن أولاً بأننا ننتظر حالة نصر، ونعمل من أجل هذا النصر، كل وفق طريقته.
○ سهيلة وفتحية بطلتا حكايتك الجديدة. هل أردت تبيان دورهما كمناضلات؟
• أبداً. هما امرأتان عاديتان فرض عليهما النضال. لو لم تُفرض قضية احتلال بلدهما عليهما، لكانت حياتهما مختلفة تماماً. وأنا شخصياً كنت سأعيش حياتي بشكل مختلف. وبالتأكيد كانت همومي وأحلامي مختلفة جداً. سهيلة وفتحية ليستا بطلتين.
○ ما وصلنا عبر مسرحك هما سيرة يُحتذى بها بالأمانة لوطنهن المحتل؟
• لقد اُجبرتا. هما معاً برغم اختلاف الظروف، أخذتا دورهنّ بكل عفوية. لم يكن لديهن اعتقاد بأنهن يناضلن، بل هنّ مؤمنات بما تقومان به. سيدتان لديهنّ مسؤوليات تجاه أولادهن وأحفادهن كما سائر نساء العالم. إنما اقتضى الأمر أن تكنّ محاربات نظراً لاحتلال بلدهنّ. سُهيلة وفتحية تمثلن نساء كثيرات تزوجن وأنجبن. النساء الفلسطينيات مجبرات على أدوار متعددة في حياتهنّ، وهذا ليس خياراً. أن يكون للمرأة أو الرجل دوراً نضالياً، فهذه ليست هواية. بل يفترض الدفاع عن الحياة بكافة اتجاهاتها. وعندما ذكرت في العرض المسرحي إصرار والدتي على أن نتحدّث باللهجة الفلسطينية في منزلنا حفاظاً على هويتنا، شكّل ذلك مواجهة للقمع الذي نتعرّض له من جرّاء لهجتنا، والتي هي جزء من ذاكرتنا وهويتنا.
○ تعرّفنا إلى الزفاف في القدس إنما العادات خليلية وبسخاء كبير. فهل ما تزال معتمدة في حياة باتت مُكلفة؟
• نحن خليليون، ولهذا اُعتمدت التقاليد الخليلية في الزفاف. قد تكون تلك العادات تراجعت قليلاً، إنما ثوابت احترام المرأة تبقى نفسها. لها حقها ببيت حتى وإن كان ضمن منزل أهل العريس. وحق في الذهب، وفرش المنزل. في عيون أهل الخليل الرجل ما يزال رجلاً وعلى عاتقه مسؤوليات. يُضاف إلى ذلك احترام الضيف وإعلان العرس. لا مساومة أبداً على هذه الثوابت إنما بقدر امكانات العريس.
○ وهل فعلاً ما تزال التكية موجودة في الخليل؟
• وإلى حينه وما من خليلي يموت جائعاً، أو ينام دون عشاء. التكية موجودة من أيام سيدنا ابراهيم. وأهل الخليل يتزاحمون للتبرّع لها، وهي تستمر على مدى 365 يوماً في العام.
○ وهل من متطوعين لإعداد الطعام أم فيها موظفون؟
• متطوعون وعملهم صدقة جارية لله.
○ في أي سياق حضر الكمان؟ هل أتى به عنوان قطر الندى وحنان الأغنية؟
• أشعر بالكمان آلة ناطقة، ولأنغامها أثر على نفسي، وتحاكي مشاعري. رغبت بحضورها في سياق موضوع قطر الندى. لبّى الكمان حاجة النص، وكان له دور تحريك المشاعر والذهن، وتأكيد وجودنا. من شأن الأغنية أن تجمع حولها وتترك أثراً، وأن نعيشها بشكل طبيعي. الموسيقى والأغنية تحملان المتلقي إلى مكان آخر بعيد عن الكلام. تنوعت الأغنيات في هذا العرض المسرحي بين أغنية شعبية «جبناها وجينا يا خليلي»، وبين أغنية وطنية «منتصب القامة أمشي». و«الحنة يا حنة يا قطر الندى»، وكذلك «كانوا يا حبيبي». كل أغنية تأتي في سياق درامي معين وتحمل قصة.
○ لماذا أخذت مهمة المخرجة؟ وهي ليست المرة الأولى؟
• نعم هي الثانية بعد «شجرة التين». لا يحتاج الموضوع لعناصر متعددة لترفعه. وفي اعتباري النص هو الأهم. بت أمتلك تجربة وخبرة طويلة بحيث لا اُحمِّل النص أكثر من حاجته. وأمتلك تصوراً لنص يترك أثراً مع تلك العناصر المحدودة. هي تجربة، ورغبتي كبيرة بالتجارب في المسرح، حيث وجدت أن العناصر الخفيفة لا تثقل على المتلقي. يرغب المتلقي بسماع القصة وفهمها. وفي القصة عناصر مفاجئة. قطر الندى على سبيل المثال كما ألاقي زيك فين يا علي، عنوانان غشّاشان، ويبثان الاعتقاد بوجود الكثير من الأغنيات.
○ ماذا أضاف المخرج عوض عوض إلى الدراماتولوجي التي تشاركتما بوضعها؟
• أشترك مع عوض بعصف فكري. تشاركنا الدراماتورجيا وكان تعاوناً جميلاً ومثمراً. تبادلنا الأفكار والآراء، وعندما بدأت الحرب سافرت إلى عمّان وتابعت العمل المسرحي الذي أخذ طريقه بعروض ثلاثة هناك. عروض ناجحة جداً. وسأعود مجدداً لعروض مقبلة في أيلول/سبتمبر إلى عمّان.
○ وماذا عن صلتك بجمهور بيروت؟ وهل تنتظرين ردة الفعل؟
• طبعاً أنتظر. بيروت بالنسبة لي مركز انطلاق. في لبنان جمهور مسرح يمتلك تراكمية ثقافية، ويهتم بالحضور، ويُقدّر العمل المسرحي. بيني وبين هذا الجمهور علاقة متشابكة. هنا نشأت وكبرت. ثمة لغة بيني وبين هذا الجمهور، وبيروت موجودة في حكاياتي كما فلسطين. بيروت جزء من حياتي شاء من شاء وأبى من أبى. علاقتي وثيقة مع المكان والناس والوضع السياسي والثقافي والاقتصادي. أنا جزء من هذا البلد الذي عشت فيه طفولتي ومراهقتي. وكل ما قمت به لأول مرّة في حياتي كان في لبنان.
○ هل تصورين مسرحياتك؟ وهل ترغبين بتوزيعها فيديو؟
• صوّرت كافة مسرحياتي. وقريباً في عمّان سأصوّر قطر الندى. أحتفظ بالتصوير لي شخصياً. من الصعب مشاهدة مسرحية عبر الفيديو، فهو يسلب سحرها. جاذبية المسرح وسحره في كونه مباشراً، وتلك العلاقة التي تُنسج مع الجمهور. كثيراً ما ترد جمل ارتجالية خلال العرض المسرحي. وتنتج بالطبع من التفاعل مع الجمهور.
○ وماذا عن عروض مسرحياتك في فلسطين؟
• جميعها عُرضت في فلسطين. توقفت عن العروض بعد السابع من اكتوبر. عرضت في الناصرة، وحيفا، ورام الله والقدس، والخليل والجولان والطيبة. سأزور فلسطين في اكتوبر وسأعرض هناك. يهنأ بال مسرحياتي بعد عرضها في مخيمات لبنان، وفي فلسطين. الخطوة القريبة المقبلة العروض في المخيمات. أهتم كثيراً بعروض في العالم العربي. ولا أهتم لأي عرض في بلد أوروبي، فلست في وارد اقناع أو نشر توعية في أوروبا خاصة بعد السابع من اكتوبر. أعمل من أجل الاستمرارية والإصرار. وكذلك الموقف الثابت من الجمهور العربي الذي عليه أن يعي أن لديه قضية ولغة ولهجة وهوية. ودوره تعزيزها جميعها، وأن يفتخر بها وبتاريخه رغم كل ما يحصل. صُرفت الكثير من الأموال لمحاربتنا بهويتنا وتاريخنا وعلى مدى أكثر من مئة عام. فمنذ تكونت الصهيونية كفكرة بدأ بلاؤنا، وبدأت محاولات القضاء على عاداتنا وتقاليدنا وقدراتنا وذكاؤنا وتفوقنا. بدأت تبوء محاولات الكيان المحتل بنشر الأكاذيب بالفشل رغم ملايين الدولارات التي تصرف. لقد سقط تجييش العالم ضدنا. نحن حيال مسألة وقت، وعلينا أن نعي أن الوقت بحساب التاريخ طويل. وليس ممكناً اجتثاث جذور الصهيونية في سنوات معدودة، وهي التي أعدّت عدّتها بدءاً من القرن الثامن عشر. يقول التاريخ: سنكون ما نريد.
○ هل تتلقين عروضاً للتمثيل السينمائي؟
• قليلاً، إنما لم يقنعني أي نص. قد أقدم على كتابة سيناريو.
○ مقدامة أنت؟
• تضحك.
○ وماذا سنحكي بعد؟
• لا شيء سوى أننا سننتصر «وبس».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *