باريس- “القدس العربي”: تحت عنوان: “أسرار المنفى الجزائري للإمام المالي محمود ديكو”، أوضحت مجلة “جون أفريك” الفرنسية أن هذا الأخير، الذي كان في السابق صانع ملوك في مالي، يعيش منذ عامين في منفى بالجزائر، حيث أصبح رغم ابتعاده شخصية مؤثرة وغامضة في آن واحد، إذ يحظى باهتمام كل من المعارضين والجماعات المسلحة، كما يخضع لمراقبة الأجهزة الأمنية الجزائرية والمالية.
وأضافت المجلة الفرنسية أن آخر ظهور علني للإمام كان في 27 مايو الماضي، بمناسبة عيد الأضحى، حيث نشر مقطع فيديو له داخل المسجد الكبير في الجزائر إلى جانب الرئيس عبد المجيد تبون، في مشهد يعكس علاقة تبدو ودية، لا سيما وأن السلطات الجزائرية دأبت على دعوته للمناسبات الدينية الكبرى.
وتلقى الإمام ديكو أيضاً هدايا رمزية، من بينها كتب عن الأمير عبد القادر ولباس تقليدي كان يخصه، في إشارة ذات دلالة سياسية مرتبطة برمز المقاومة الجزائرية للاستعمار الفرنسي. ورغم هذا القرب الظاهري، فإن واقع إقامة ديكو في الجزائر أكثر تعقيداً، إذ يعيش تحت مراقبة مشددة منذ مغادرته مالي في ديسمبر 2023 برفقة ابنه، توضح “جون أفريك”.
وذكرت مصادر أن جميع من يحيطون به، من سائقين وحراس، مرتبطون بأجهزة الاستخبارات الجزائرية، كما يقيم في مقر تديره هذه الأجهزة. كما أن تحركاته الخارجية أيضاً خاضعة للرقابة، حيث سافر في شهر فبراير الماضي إلى موريتانيا على متن طائرة رئاسية جزائرية للمشاركة في مؤتمر إفريقي حول السلام، برفقة عناصر أمنية.
وخلال هذه الزيارة، عبّر لأحد المقربين من السلطات الموريتانية عن شعوره بأنه “محاصر” في الجزائر، لكنه رفض مغادرتها دون موافقة رسمية، خوفاً من توتر علاقته مع البلد المضيف، تؤكد “جون أفريك”، قائلة إن الجزائر ترى في الإمام ديكو ورقة استراتيجية يمكن استخدامها في مرحلة ما بعد الحكم العسكري في مالي.
وتابعت المجلة الفرنسية أن الإمام، رغم القيود، ما يزال يستقبل شخصيات من المعارضة المالية في المنفى، التي ترى فيه شخصية قادرة على التأثير في المشهد السياسي. وقد التقاه بعض المعارضين في الجزائر لعرض مشروع لتوحيد المعارضة ضمن إطار واحد يهدف إلى إسقاط المجلس العسكري بقيادة عاصمي غويتا.
وأوضحت “جون أفريك ” أن ديكو لم يكن في البداية منخرطاً بشكل مباشر في هذا المشروع، بل دخل فيه لاحقاً بطلب من شخصيات مقربة، لكنه لم يكن على دراية كاملة بتفاصيله، ما أدى إلى سوء فهم حول دوره، حيث اعتُبر قائداً للتحالف بينما كان يرى نفسه مجرد داعم معنوي وسياسي.
ونشر ديكو في 22 ديسمبر رسالة مصورة دعا فيها الماليين إلى “الانتفاض” و”الاتحاد” لإنهاء الوضع القائم، في موقف اعتُبر موجهاً ضد السلطة العسكرية. إلا أنه لاحقاً عبّر عن تحفظات، مؤكداً أنه لم يكن ينوي تولي دور قيادي. ويرى بعض المعارضين أن دور الإمام داخل التحالف رمزي أكثر منه فعلي، مشيرين إلى أنه لم يعد نشطاً في مواقفه العلنية، بل ربما يراجع موقفه لو أتيحت له الفرصة.
كما أشارت “جون أفريك” إلى أن اسم الإمام ديكو عاد إلى الواجهة بعد هجمات شنتها جماعات مسلحة في أبريل، حيث أكد أحد قادة الحركات الانفصالية وجود اتصالات غير منتظمة معه، رغم أن بعض هذه الجماعات لا تثق به بالكامل بسبب تقلب مواقفه.
ومضت المجلة قائلة إن وضع ديكو لا يقتصر على علاقته بالجزائر ومالي، بل يتداخل أيضاً مع التنافس الجزائري المغربي، إذ كانت له علاقات قوية مع المغرب في السابق، خاصة مع الملك محمد السادس، الذي وعده بتوفير دعم طبي له عند الحاجة.
وقد حدث في عام 2014 توتر في علاقته بالمغرب بعد استبعاده من استقبال رسمي للملك، ويُعتقد أن السبب يعود إلى موقفه المؤيد للجزائر في قضية الصحراء الغربية، وهو ما اعتُبر خطاً أحمر بالنسبة للرباط.
وحاول ديكو لاحقاً الحفاظ على توازن في علاقاته بين الجزائر والمغرب، مستفيداً من شبكة علاقاته في البلدين، واستمرت الاتصالات بينه وبين المسؤولين المغاربة حتى بعد التغيرات السياسية في مالي.
كما أوضحت “جون أفريك” أن المغرب كان يسعى للاستفادة من نفوذ ديكو لفهم الوضع السياسي بعد الانقلاب في مالي، فيما حافظت الجزائر بدورها على قنوات التواصل معه، ما جعله في موقع حساس بين الطرفين.
وكان ديكو يعتقد في مرحلة ما أنه قادر على التأثير في العسكريين والحفاظ على التوازن السياسي، لكنه أخطأ في تقدير قوتهم، حيث قاموا بتهميشه لاحقاً، تقول المجلة.
وما تزال العلاقات بين مالي والجزائر متوترة، لا سميا بعد تقارب باماكو مع الموقف المغربي في قضية الصحراء الغربية، ما يزيد من تعقيد وضع الإمام ديكو، الذي يعيش اليوم بعيداً عن بلده، محاطاً بالغموض، لكنه ما يزال يحتفظ بنفوذ مهم في المشهد المالي، توضح “جون أفريك”.