ولد عبد العزيز يواجه الغزواني برسالة نارية حول بيع ممتلكاته المحجوزة



عبد الله مولود

نواكشوط – «القدس العربي»: في تطور يعكس عمق الشرخ بين أركان السلطة السابقين في موريتانيا، فجّر الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز موجة جديدة من الجدل السياسي والقانوني، بعدما وجه رسالة مطولة وحادة اللهجة إلى الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، اتهم فيها النظام الحالي بالإشراف على «مهزلة قضائية» تستهدفه شخصيًا وعائلته، وتُمهّد، حسب تعبيره، لبيع ممتلكاته المصادرة دون سند قانوني واضح.
وليست الرسالة التي جاءت بعد سنوات من الصمت النسبي للرئيس السابق، مجرد مذكرة دفاع قانونية، بل تبدو أقرب إلى مواجهة سياسية مفتوحة بين رجلين شكلا لعقدين أحد أبرز الثنائيات العسكرية والسياسية في البلاد، قبل أن يتحولا إلى خصمين يفصل بينهما ملف قضائي هو الأكبر في تاريخ الجمهورية الإسلامية الموريتانية الحديث.

رسالة تتجاوز التظلّم القانوني

ولم يكتف ولد عبد العزيز بالطعن في الأحكام القضائية الصادرة بحقه، بل ذهب أبعد من ذلك، حين حمّل الرئيس الغزواني مسؤولية سياسية وأخلاقية عمّا يحدث، مذكّرًا إياه بما وصفها «شهادة شخصية» منه بأن ثروته لا علاقة لها بالمال العام.
وفي أكثر المقاطع إثارة، كشف الرئيس السابق أن جزءًا من الأموال والسيارات التي اعتبرها القضاء أساسًا لتهمة «الإثراء غير المشروع»، كانت، حسب روايته، هدية مباشرة من الرئيس الحالي عقب تسليم السلطة سنة 2019. وأكد ولد عبد العزيز «أن الغزواني سلّمه 5.5 ملايين يورو، و5 ملايين دولار، نقدا، إضافة إلى خمسين سيارة «تويوتا هايلكس».
وكما سبق له أن فعل خلال استجواباته وأمام جلسات المحكم، كرر ولد عبد العزيز في رسالته التأكيد بأن مصدر ثروته هو الرئيس الغزواني نفسه، وهو تصريح يحمل أبعادًا سياسية خطيرة، لأنه يربط رأس السلطة الحالي مباشرة بمصدر الأموال التي أصبحت لاحقًا جزءًا من ملف الإدانة.
تعود جذور الملف إلى آب/أغسطس 2020، حين شكّل البرلمان الموريتاني لجنة برلمانية مكلفة بالتحقيق في ملفات تتعلق بفترة حكم ولد عبد العزيز (2009 ـ 2019)، شملت التحقيقات صفقات الطاقة، وإدارة قطاع الصيد، وبيع ممتلكات الدولة، وتسيير شركة الكهرباء، وصفقات مرتبطة بميناء نواكشوط ومشاريع البنى التحتية.
وأحالت اللجنة لاحقًا تقريرها إلى القضاء، لتبدأ واحدة من أكثر المحاكمات متابعة في تاريخ موريتانيا.
وفي آذار/مارس 2021، وُجهت إلى الرئيس السابق وعدد من معاونيه ورجال الأعمال المقربين منه تهم تتعلق بالفساد، وغسل الأموال، والإثراء غير المشروع، واستغلال النفوذ، وتبديد المال العام.
ومنذ ذلك التاريخ، خضع ولد عبد العزيز لإجراءات قضائية متواصلة، شملت الرقابة القضائية ثم السجن، وسط انقسام سياسي وإعلامي حاد بين من رأى في المحاكمة خطوة تاريخية لمحاربة الفساد، ومن اعتبرها تصفية حسابات سياسية داخل النظام نفسه.

مسار المحاكمة

وبدأت محاكمة ولد عبد العزيز رسميًا مطلع 2023 أمام المحكمة المختصة في جرائم الفساد بنواكشوط، وسط حضور إعلامي وسياسي كبير.
وفي كانون الأول/ديسمبر 2023، أصدرت المحكمة الابتدائية حكمًا بسجن الرئيس السابق خمس سنوات نافذة، بعد إدانته بتهم تتعلق بالإثراء غير المشروع وغسل الأموال، مع مصادرة بعض ممتلكاته وتجريده من حقوق مدنية؛ بينما برأته المحكمة من عدد من التهم الثقيلة المتعلقة بتبديد المال العام ومنح امتيازات وصفقات مشبوهة.
غير أن القضية لم تتوقف عند هذا الحد، ففي مايو 2025 شددت محكمة الاستئناف الحكم إلى 15 سنة سجن نافذة، معتبرة أن الوقائع المرتبطة بالإثراء غير المشروع وغسل الأموال أكثر خطورة مما انتهت إليه المحكمة الابتدائية. كما أيدت الحكم بمصادرة ممتلكات، والحرمان من الحقوق المدنية، وتثبيت عدد من التهم المتعلقة باستغلال النفوذ وغسل الأموال.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2025، أيدت المحكمة العليا الحكم بشكل نهائي، لتُغلق بذلك جميع مسارات الطعن الداخلية، ويصبح الحكم واجب النفاذ بصورة نهائية.

جوهر الخلاف

يرتكز دفاع ولد عبد العزيز اليوم على نقطة قانونية يعتبرها جوهرية، وهي أن الأحكام القضائية تحدثت عن مصادرة «الأموال المتحصلة من الجريمة»، لكنها، بحسب قوله، لم تحدد تلك الممتلكات بشكل دقيق.
ويقول إن السلطات تتجه حاليًا إلى بيع كل الممتلكات التي خضعت سابقًا للحجز أو التجميد، بما فيها ممتلكات سابقة على قانون مكافحة الفساد، وممتلكات تخص أبناءه وأقاربه، ومستحقاته المالية كرئيس سابق وجنرال متقاعد.
ويرى أن ذلك يمثل تجاوزًا للأحكام القضائية نفسها، وانتهاكًا لحق الملكية الذي يكفله الدستور.
تكمن حساسية الرسالة في أنها لا تطعن فقط في القضاء، بل تضرب في قلب التوازن السياسي الذي حكم انتقال السلطة سنة 2019، فولد عبد العزيز يحاول إعادة رسم صورة مختلفة لما حدث ليس باعتباره رئيسًا أُدين بالفساد، بل باعتباره ضحية «تحالف المال والسلطة».
كما أن الرسالة تحاول تحميل الغزواني مسؤولية مباشرة، ليس فقط بسبب صمته، بل عبر الإيحاء بأنه يعرف حقيقة مصدر الأموال محل النزاع.
ولذلك ينظر كثير من المراقبين إلى الرسالة باعتبارها أخطر تصعيد سياسي من الرئيس السابق منذ بدء محاكمته.
بين مكافحة الفساد وتصفية الحسابات
ومنذ وصوله إلى السلطة، حاول الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تقديم نفسه باعتباره قائد مرحلة «التهدئة والإصلاح»، دون الدخول في مواجهة مباشرة مع سلفه، لكن ملف «العشرية» تحول تدريجيًا إلى اختبار حقيقي لشعارات مكافحة الفساد؛ فأنصار السلطة يعتبرون أن محاكمة رئيس سابق سابقة تاريخية تؤكد تطور مؤسسات الدولة واستقلال القضاء، أما معسكر ولد عبد العزيز فيرى أن الملف استخدم لتفكيك شبكاته السياسية والاقتصادية، وإبعاده نهائيًا عن المشهد العام.
واللافت أن رسالة ولد عبد العزيز الأخيرة جاءت بلغة تمزج: القانون بالسياسة،
والدين بالأخلاق، والتاريخ الشخصي بالصراع على الرواية.

التحولات العميقة

ولم تعد قضية ولد عبد العزيز مجرد ملف قضائي يتعلق بالفساد أو الإثراء غير المشروع، بل تحولت إلى مرآة تعكس طبيعة التحولات العميقة داخل النظام السياسي الموريتاني، فالرسالة الأخيرة تكشف أن الصراع لم يعد يدور فقط داخل أروقة المحاكم، بل أيضًا داخل معركة الذاكرة والرواية السياسية.
وفي بلد اعتاد أن تمر انتقالات السلطة فيه بهدوء نسبي، تبدو هذه القضية وكأنها تعيد تعريف العلاقة بين الرؤساء السابقين والسلطة القائمة، وتطرح أسئلة أكبر من مصير رجل واحد: فهل دخلت موريتانيا فعلًا مرحلة محاسبة سياسية وقضائية جديدة، أم أن الأمر لا يعدو كونه إعادة ترتيب لموازين القوة داخل النظام ذاته؟



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *