أبسط وأوفى تعريف للمقهى أنه المكان الذي يمنحنا أكبر كمية من الدعة والاطمئنان والراحة، وبالتالي السعادة، بأقلّ التكاليف. مقاعد وطاولات من البلاستيك، وناس يلتفون حولك، هذا كلّ ما في الأمر. يتمّ هذا أحيانا دون الحاجة إلى محلّ؛ جلسة مرتجلة في الشارع أو على الرصيف، والشمس تحرس المتنعمين في هذه الجنة في النهار، والنجوم وهالة القمر في الليل.
إن شعورا بعدم الاطمئنان يلمّ بإنسان المدينة الحديثة، فيقصد المقهى وإن كان الصبح في أوله. مع تقدم النهار يزداد هذا الشعور، وفي الحشود فقط يمكننا التحرر من الخوف، بنوعيه: الفطري وغير الفطري. البعض يذهب إلى دور العبادة، ومثلي وأمثالي نطلب المقهى والحانة، أو محلات الفرجة في السينما والمسرح، وكذلك الملاعب الرياضية. في هذه الأماكن يشملنا ما يمكن وصفه بالجنون المؤقت الجميل، تنقلب بفضله المخافة إلى عكسها. لقد التقت سويداءُ القلب بالقلب الشبيه والنظير، فانتعشت وتقوّت وسكنت. التجمع اللازم يجب أن يكون من النوع الكثيف والمتراص، حيث يدفع ويضايقُ الجسد جسدٌ آخر وآخر… الأرواح حين تلتم تُعين بعضها البعض. لقد تساوى الجميع على نحو مثالي، بسبب الإحساس العميق بالرفقة والائتلاف، إذ لا فروق يُحسب لها حساب، حتى تلك المتعلّقة بالجنس.
المقهى المثالي ممتلئ إلى النصف، النصف الآخر روحانيّ بحت. أما البار فعلى العكس، كلما كان مكتظّا بالشاربين والطاعمين ازداد دفئا في الشتاء، وكانت النسائم أشدّ طراوة ورقّة في الصيف. لهذا السبب كانت الحانات صغيرة أو متوسطة الحجم، بينما تتوسع المقاهي أفقيا وشاقوليا وفي جميع الجهات.
في رواية «لمن تُقرع الأجراس» يقول العجوز أنسيلمو بعد جرعة كبيرة من النّبيذ، محدّثا البطل روبرت جوردون، وكانت تهبّ عاصفة ثلجية في الخارج: «هذا هو ما يقتل الدّودة التي تطاردنا». في البار الهادئ وغير المكتظ، تظل الدودة تلاحقنا، وتتمكن منا في الأخير، وتميتنا. كخطوة أولى، والخطوة التالية لهذه الآفة العملاقة أنها تجعلنا مدركين أننا موتى ومشغولون بطبيعة موتنا.
العاملون في هذه المحالّ يقومون بأعمال لا تُضاهى، لكن ليس ثمة من يُعطيها حقّ قدرها. للياباني ريو موراكامي قصة قصيرة يفتتحها بهذا المقطع: «كلما جلست في بار أشرب، أتذكر كم هي مقدسة مهنة النادل في الحانة، فهو ينتقل هنا وهناك مثل كاهن يهودي يؤدي طقوسا. يصبّ الخمر في الكؤوس، وينصت بابتسامة وَقُور متعاطفة، بينما يتلو المصلّون حسراتهم». في هذه الكلمات قوة سرية، تُعطي رجاحة لهذا المكان على غيره من منشآت المدينة، القديمة والحديثة. كما أن كل ما يُقال عن المقهى يجري على الحانة؛ فهي بيت آخر أيضا بعيد عن البيت، دون مسؤولياته التي لا تُحصى، وهي مكان اللمّة مع الآخرين الذين هم النّعيم، نلجأ إليه لنستقويَ على زماننا، ونتغلّب على الشّعور بالعزلة والغربة. يُلقي موراكامي بطل قصته في أجواء وظروف تذكّرنا بقصص ألف ليلة وليلة، يعاشر فيها أشخاصا أشرارا وطيّبين، وأنصاف أشرار وأنصاف طيّبين، وعندما يستهلكه التّعب والعناء يعود إلى الحانة ليلتقط أنفاسه: «لم يكن البارمان يستريح مطلقًا. كان يرتب الكؤوس في صفوف أنيقة، ويُبرِّد الشامبانيا والنبيذ الأبيض، ويكسر المكعّبات من لوح ثلج، ويستبدل منافض السجائر، ويقدِّم أطباق السّجق أو المحار. يمكن القول إن كل الجالسين لديهم خطيئة ما، تختلف الظّروف من واحد إلى آخر، والبارمانات نوع آخر من القساوسة، واختصاصهم ذات الاختصاص».
حتى نهاية سبعينيات القرن الماضي، في مدينة العمارة كان بار «الساحل» واحدا من بين أكثر من عشر حانات يقع بعضها على شاطئ دجلة، أو في شارع دجلة، كلها تزدحم بالزبائن مساءً. على حائط البار صورتان لمارلين مونرو شبه عارية، ولمكتبة الكونغرس الأمريكي، مع لوحة ثالثة منقوش عليها بالخط الفارسي: «وقت الشدّة شِدْ روحَك». التعارض بين الممثلة الأمريكية ومكتبة الكونغرس صادم، لأنه ليس ثمة علاقة بين دنيا المعرفة والبحث الفكري، وعالم مارلين مونرو شبه عارية على الشاطئ. لكننا، وبعد قليل من التأمل والتدقيق، نجد ثمة وشيجة بين العالمين، لأنهما يمثّلان الجهد البشري في ساعات الكدّ والجهد والعمل، وإن اختلفت الوسائل والنتائج.
اختراع آخر قدمته لنا الحداثة، أو ما بعد الحداثة، ولا أعرف له اسماً غير «المقهى-البار»، يبيت في الليل حانة للراقصات وشاربي الخمر ولاعبي القمار، وفي الصباح يصير مقهى يتناول فيه العامة فطورهم: الكرواسون والبيض والأومليت مع الشاي والقهوة. عندما يجتمع الليل مع النهار في مكان واحد، ويختلط المقدس بالمدنس، يمتزج الواقع بالخيال، ويبدو كل شيء معقولاً وإن كان غير معقول. لو كان المكان فندقاً أو بيتاً أو محلّ عمل، لانتقلت حتماً رائحة بعيدة من صفات أحدهما إلى الآخر. الصخب الذي يعمّ جوّ البار في الليل، والهواء القاتم المشبع بروائح الطعام والدخان وعطور الأجساد، مع الموسيقى التي تهزّ أعماق المكان، كلّ ذلك كان مسؤولاً عن بقاء حالة التواصل شبه معدومة بين جمهورَي المحلّين، رغم أنهم يشغلون المكان ذاته.
في رواية محمد زفزاف «محاولة عيش» نقرأ وصفا لهذا الجوّ: «كان البار صاخبا، وهناك سكارى كثيرون، وأناس لا تستطيع أن تعرف هل كانوا شاربين أم لا، أمام فناجين قهوة أو كؤوس اللبن المخلوط بالقهوة. بعضهم يأكل، والبعض الآخر يتأمل في العالم حوله والشمس لم تشرق بعدُ». يأتي زبائن الصباح لغرض واحد: التطلّع إلى آثار الصخب الذي كان يرجّ الجدران والسقف في الليل، في سبيل التقرّب إلى ما ورائه من أفعال شائنة لا يجرؤون عليها، لكن تأمّلها يبدو لهم الآن، وهم يتناولون فطورهم، مأنوسا بل ولذيذا. لقد تنفّس المكان صيحات الراقصين والراقصات، وتأوّهات العاهرات، وهم الآن يصغون إلى صداها، ويشمّون رائحة الخمرة ودخان السجائر في ثيابهم، وربما على بشرتهم أيضا، ويتشرّبون الجمال الشرير والغواية الطاغية في أوجه الانحطاط فيها، كأن التجربة التي مرّ بها زبائن الليل أصبحت تخصهم. في الزّمن الممتدّ بين انقضاء وردية العاملين في الحانة الصاخبة وخلودهم إلى النوم، وبين ساعة استيقاظ زبائن المقهى، يتم انقلاب حادّ في أماني الفريقين؛ فجماعة الليل يصيخون السمع من بعيد إلى «أصوات الشرف العظيم» التي يتنعّم بها فريق النهار، كأن خطا رهيفا ينتقل بينهما، وإن كان بطريقة غير مباشرة.
الذين يعملون في المقاهي الليلية، ويشتركون في الدسائس والمؤامرات التي تتم في طبقات من الصمت والصخب، ومن يرتادونها ويدمنونها، لا يؤمن هؤلاء حتما بوجود إله. يقول بيسوا: «عدم وجود إله هو بذاته إله». إن دخيلة الإنسان واحدة لدى الجميع، الأشرار والخيّرين، وسكّان بؤر الجريمة والناسكين في المعابد. هناك ضوء مقدس وراء خطوط وألوان كل الموجودات في الطبيعة، والطبيعة قديمة على الدوام وجميلة، والقلب الإنساني أيضا قديم، وهو جزء منها، وميله نحو الخير أو الشرّ يجيء بالصدفة ضمن ظروف لا قِبَل له بتغييرها. توجد في أعماق النبلاء والقديسين بذرة من الخِسّة والدناءة، كما أنه في قلب أعتى المجرمين قبسٌ من نور الفضيلة، وسوف يحين اليوم الذي يظهر فيه إلى الملَأ.
عندما تشرق الشّمس تكون السماء خارج الحانة صافية، والأشجار والعصافير تلعب على الأغصان. اللوحة المعلقة في بار الساحل تحمل حكمة عظيمة: «وقت الشدّة شِدْ روحك». كلا الجهدين مقدّسان؛ الانشغال بالكتب والبحث في ميادين الفكر والعلوم والفنون، ومقاربة النساء في الفراش ومطارحتهن الغرام في كلّ وقت وأرض. في مكتبة الكونغرس يكون صراع الذهن مع النفس، ومع المرأة يحلّ الجسد محلّ الذهن، بينما النفس واحدة، عليها يقع الشدّ والكسب أو الفشل والخيبة.