وفرة مائية غير مسبوقة تعزز “آمال العراق” في استعادة توازنه المائي


متابعة/المدى

بعد سنوات من تراجع الإيرادات المائية واشتداد آثار الجفاف، يجد العراق نفسه أمام واقع مختلف فرضته الزيادة الملحوظة في كميات المياه الواصلة عبر نهر الفرات من تركيا مروراً بسوريا، ما يفتح المجال أمام تعزيز الخزين المائي في السدود والخزانات واستثمار هذه الوفرة في دعم القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها الزراعة.

وخلال السنوات الماضية، ظل ملف المياه أحد أكثر الملفات تعقيداً بالنسبة للعراق، مع تراجع الإطلاقات المائية القادمة من دول المنبع وانخفاض مستويات الخزين في عدد من السدود والخزانات. إلا أن الأسابيع الأخيرة شهدت تغيراً واضحاً في المشهد المائي، مع ارتفاع كميات المياه المتدفقة في مجرى الفرات، الأمر الذي انعكس على مناسيب النهر في عدد من المحافظات، ولا سيما محافظة الأنبار.

وأظهرت المتابعات الميدانية ارتفاعاً في مستويات المياه على طول مجرى الفرات داخل الأنبار، بالتزامن مع وصول موجات مائية قادمة من الأراضي السورية، ما دفع الجهات المختصة إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات الاحترازية ومتابعة حركة المياه بشكل متواصل لضمان استيعاب الكميات الواصلة والاستفادة منها بالشكل الأمثل.

وخلال زيارة أجراها إلى سد حديثة، أكد وزير الموارد المائية مثنى التميمي أن المؤسسات الحكومية أتمّت استعداداتها الفنية والإدارية للتعامل مع الموجة المائية القادمة عبر الحدود السورية، مبيناً أن التصاريف الحالية التي تصل إلى نحو 700 متر مكعب في الثانية تقع ضمن المعدلات الطبيعية ولا تمثل تهديداً للمناطق السكنية أو المرافق الحيوية القريبة من مجرى النهر.

وأشار التميمي إلى أن الوزارة تنظر إلى هذه التطورات بوصفها فرصة مهمة لتعزيز إدارة الموارد المائية ورفع مستويات الخزين الاستراتيجي، موضحاً أن سد حديثة يؤدي دوراً محورياً في استيعاب الكميات الإضافية من المياه وتوظيفها في دعم المخزون المائي الوطني بعد سنوات من التراجع الناجم عن الشح المائي.

وتأتي هذه التحركات ضمن توجه حكومي يهدف إلى تعزيز إدارة الموارد المائية بوصفها إحدى الأولويات الاستراتيجية، في ظل الحاجة إلى بناء قدرة أكبر على مواجهة التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية وتذبذب الإطلاقات المائية خلال السنوات المقبلة.

موسم رطب يعيد الحياة إلى الفرات

من جانبه، أوضح الخبير المائي رمضان حمزة أن الزيادة الحالية في مناسيب نهر الفرات ترتبط بشكل مباشر بارتفاع حجم الخزين المائي داخل تركيا نتيجة وفرة الأمطار وذوبان الثلوج خلال الموسم الحالي، الأمر الذي دفع السلطات التركية إلى تمرير كميات أكبر من المياه ضمن إجراءات إدارة الخزين والمحافظة على سلامة منشآتها المائية.

وبيّن حمزة أن المؤشرات المناخية المسجلة هذا العام تختلف عن السنوات السابقة، لافتاً إلى أن الموسم الحالي يُعد من أكثر المواسم رطوبة منذ فترة طويلة، وهو ما انعكس على الموارد المائية في المنطقة وأوجد ظروفاً أكثر ملاءمة لتحسين الواقع المائي في العراق.

وأضاف أن استمرار هذه الظروف خلال الأشهر المقبلة يمنح العراق فرصة مهمة لزيادة خزينه المائي والاستفادة من الكميات المتدفقة في دعم الأنشطة الزراعية وتحسين الظروف البيئية التي تأثرت خلال السنوات الماضية نتيجة انخفاض الإيرادات المائية.

وأكد أن موجة المياه الأخيرة أسهمت في استعادة جزء من الطبيعة الهيدرولوجية لنهر الفرات بعد سنوات شهدت تراجعاً واضحاً في مناسيبه، مشيراً إلى أن الجهات العراقية المختصة تمكنت من مواكبة هذه التطورات عبر إجراءات فنية ومتابعات مستمرة للسدود والمنشآت المائية، ما ساعد على إدارة الوضع بكفاءة عالية.

فرصة استراتيجية لتعزيز الأمن المائي

ويرى مختصون أن أهمية الزيادة الحالية في الإطلاقات المائية لا تقتصر على ارتفاع مستويات المياه في الأنهار فحسب، بل تمتد إلى إمكانية تحويل هذه الوفرة إلى رصيد استراتيجي طويل الأمد من خلال رفع مستويات الخزن في السدود والخزانات الرئيسة، بما يعزز قدرة البلاد على مواجهة أي موجات جفاف محتملة مستقبلاً.

ويؤكد هؤلاء أن حسن إدارة الوفرة الحالية يمثل عاملاً أساسياً في تعزيز الأمن المائي للعراق، خاصة في ظل التقلبات المناخية التي تشهدها المنطقة والتحديات المتواصلة المرتبطة بتقاسم الموارد المائية المشتركة.

الأنبار في حالة متابعة مستمرة

وفي محافظة الأنبار، كثفت الجهات المعنية أعمال الرصد والمتابعة على امتداد مجرى الفرات، فيما استمرت غرف العمليات المشتركة بمراقبة حركة المياه والتنسيق بين الدوائر الخدمية والأمنية لضمان سلامة المواطنين وحماية المنشآت والمناطق الزراعية.

كما شهدت الفترة الماضية رفع مستويات الجاهزية لدى المؤسسات المختصة للتعامل مع أي تطورات ميدانية محتملة، بالتوازي مع العمل على استثمار الزيادة المائية الحالية بما يخدم الخطط الزراعية ويعزز المخزون المائي المتاح.

ويشير مراقبون إلى أن إدارة الملف خلال الفترة الحالية عكست قدرة على التعامل المبكر مع المستجدات المائية، إذ جرى توجيه الجهود نحو استثمار الكميات المتدفقة وتحويلها إلى فرصة لدعم الخزين الاستراتيجي بدلاً من الاكتفاء بالتعامل معها باعتبارها تحدياً مؤقتاً.

ومع استمرار تدفق المياه ووجود مؤشرات إيجابية بشأن الموسم المطري في دول الحوض، تتزايد التوقعات بإمكانية تحقيق تحسن ملموس في الواقع المائي العراقي، بما يمنح البلاد فرصة لاستعادة جزء من توازنها المائي بعد سنوات طويلة من الضغوط والأزمات التي ألقت بظلالها على أحد أكثر الملفات حيوية وأهمية بالنسبة للعراقيين.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *