باريس- “القدس العربي”:
فتح وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان “فصلا جديدا” في التعاون القضائي بين فرنسا والجزائر، من خلال زيارته الاثنين إلى الجزائر، جاء ذلك في إطار سلسلة التحركات التي يقوم بها مسؤولون فرنسيون في الآونة الأخيرة لإعادة بناء الثقة، بعد أزمة دبلوماسية استمرت نحو عامين، لاسيما بعد اعتراف فرنسا بـ“مغربية الصحراء الغربية”.
وكانت زيارة الوزيرة المنتدبة لدى وزارة الجيوش الفرنسية أليس روفو قبل عشرة أيام، وقبلها زيارة وزير الداخلية لوران نونيز في منتصف شباط/فبراير، قد ساهمتا في تحسين العلاقات بين باريس ومستعمرتها السابقة الجزائر التي نالت استقلالها عام 1962.
للتذكير فجيرالد موسى دارمانان يتحدر من أصول مالطية وجزائرية وقد سمي أيضا باسم جده لأمه موسى واكيد، الجزائري الذي خدم في صفوف الجيش الفرنسي.
تؤكد السلطات الفرنسية أن الهدف الأساسي من زيارة دارمانان يبقى تقنياً، ويتمثل في إعادة تفعيل التعاون القضائي الذي تأثر بشكل كبير بسبب التوترات السياسية، مع التركيز على مكافحة الجريمة المنظمة، في حين لا تُطرح حالياً ملفات التعاون في مكافحة الإرهاب ضمن الأولويات.
وأوردت وسائل إعلام فرنسية أن الزيارة تهدف إلى معالجة عدد من القضايا الحساسة، بما في ذلك ملفات مرتبطة بالجريمة المنظمة، حيث تأمل فرنسا في الحصول على معلومات حول مطلوبين يُشتبه في وجودهم في الجزائر، بالإضافة إلى قضايا تتعلق بشبكات تهريب المخدرات.
من بين الأسماء البارزة المطروحة، شخص يُلقب بـ“ميمو”، كان قد أُدين في فرنسا عام 2023 بالسجن ثلاثين عاماً لتورطه في جريمة قتل، ثم أُلقي القبض عليه في الجزائر، غير أنه لم يتم تسليمه بسبب حمله الجنسية الجزائرية، وما يزال وضعه القضائي هناك غير واضح، مع ترجيحات بوضعه تحت الرقابة القضائية في مدينة وهران.
كما تطالب الجزائر من جهتها بتعزيز التعاون في ملف “الأموال المنهوبة”، مشيرة إلى وجود قضايا مهمة في فرنسا لم تلق استجابة كافية من السلطات الفرنسية. وينعكس هذا التوجه نحو إعادة التعاون في تشكيل الوفد المرافق للوزير الفرنسي، الذي ضم عدداً من كبار القضاة والمسؤولين القضائيين، تشير وسائل إعلام فرنسية.
من القضايا المطروحة خلال الزيارة، ملف موظف قنصلي جزائري موقوف احتياطياً في فرنسا للاشتباه في تورطه في عملية اختطاف واحتجاز المؤثر الجزائري أمير بوخرص المعروف باسم “أمير دي زد”، والذي تؤكد السلطات الفرنسية أن التحقيق بشأنه ما يزال جارياً، مع الإشارة إلى أن الموظف القنصلي استفاد من زيارات قنصلية أثناء احتجازه، كما طلبت السلطات الجزائرية.
تبرز أيضا قضية الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، المسجون في الجزائر منذ نهاية شهر يوليو عام 2025 بعد إدانته بتهمة “تمجيد الإرهاب”، إثر مقابلات أجراها مع شخصيات قريبة من حركة “الماك” المصنفة كحركة إرهابية في الجزائر، وذلك في إطار تحقيق صحفي حول نادي شبيبة القبائل.
في هذا الصدد، تتبنى وزارة العدل الفرنسية موقفاً حذراً فيما يتعلق بهذه القضية، معتبرة أن أفضل وسيلة للإفراج عنه هي عدم إثارة القضية إعلامياً بشكل مفرط، وهو ما يعكس حساسية التوازن الذي يسعى دارمانان إلى الحفاظ عليه بين العلنية والسرية خلال زيارته.
كما تشير معطيات صادرة عن الشرطة الفرنسية إلى أن هناك عشرات الأشخاص المطلوبين قد يكونون موجودين في الجزائر، من بينهم عدد كبير متورط في قضايا مخدرات أو جرائم منظمة، وهو ما يعزز أهمية استئناف التعاون بين البلدين في هذا المجال.
وفي محاولة للضغط على الحكومة الفرنسية لتبني موقفاً أكثر تشدداً جدد حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف، انتقاداته الحادة للنهج الذي تتبعه الحكومة الفرنسية حيال الجزائر، حيث دعا المتحدث باسمه، لوران جاكوبيلي، إلى اعتماد ما وصفه بـ“دبلوماسية الحزم” بدل “دبلوماسية الانحناء”، معتبراً أن فرنسا لم تحقق نتائج ملموسة من سياستها الحالية تجاه الجزائر.
واعتبر جاكوبيلي أن الرئيس إيمانويل ماكرون ينتهج أسلوباً يقوم على تقديم تنازلات، وأن الوزراء الفرنسيين يزورون الجزائر في وضعية اعتذار دون مقابل، مما يؤدي إلى صدور مواقف أكثر تشدداً من الجانب الجزائري، على حد قوله، مضيفاً أن هذه اللقاءات يجب أن تفسر عن التزام الجزائر بوقف ما اعتبره إهانات متكررة لفرنسا، وباستعادة المجرمين الجزائريين الموجودين على الأراضي الفرنسية، فإن ذلك قد يمثل تقدماً حقيقياً. وشدد على رفض أي شروط تتعلق باعتراف فرنسا بمسؤوليتها الكاملة عن تاريخها، معتبراً ذلك غير مقبول.
وطالب زميله نائب رئيس الحزب سيباستيان شونو بتحقيق نتائج ملموسة من هذه الزيارة، وعلى رأسها الإفراج عن الصحافي كريستوف غليز، إضافة إلى استعادة الجزائر لمواطنيها المدانين في فرنسا.