لندن- “القدس العربي”: عاد موضوع الحجاب في الجزائر إلى واجهة النقاش العام خلال الأيام الأخيرة، بعد سلسلة من الأحداث والتصريحات التي أعادت طرحه في سياق نقاشات سياسية وفكرية مرتبطة بدور المرأة في المجتمع والأحزاب السياسية.
وضمن هذا السياق، أثار ظهور وزيرة التضامن الجزائرية صورية مولوجي دون غطاء للرأس تفاعلا واسعا على منصات التواصل، حيث انقسمت التعليقات بين من اعتبر الأمر عاديا ويدخل في إطار الحرية الشخصية، وبين من توقف عند التغيير في مظهر الوزيرة مقارنة بالسابق خلال مناسبات رسمية.
وجاء هذا الجدل بعد مشاركة الوزيرة في حفل تكريم إطارات سامية أحيلت على التقاعد، وهو نشاط إداري وبروتوكولي محدود الحضور الإعلامي عادة. غير أن الصور التي نشرتها صفحات رسمية للوزارة حوّلت الحدث إلى موضوع نقاش واسع، حيث ركز جزء كبير من التفاعل على المظهر العام أكثر من مضمون المناسبة نفسها.
والوزيرة مولوجي (مواليد 1977)، أكاديمية وباحثة تحمل دكتوراة في الترجمة والأنثروبولوجيا. اشتغلت لسنوات في البحث العلمي والتدريس الجامعي قبل دخولها العمل الحكومي. وقد تولت وزارة الثقافة والفنون في فبراير 2022، قبل أن تنتقل لاحقا إلى وزارة التضامن في إطار تعديلات حكومية متتالية.
ورغم حجم التفاعل الذي رافق صورها، فإن الاتجاه العام للتعليقات جاء هادئا أو محايدا، حيث اعتبر كثيرون أن لباس المسؤولين مسألة شخصية، وأن تقييم الأداء يجب أن يرتبط بالعمل والسياسات العمومية وليس بالمظهر الخارجي.
ولم يكن هذا الجدل معزولا، بل تزامن مع عودة نقاشات أخرى مرتبطة بالحجاب وحضوره في المجتمع الجزائري، خاصة التفاعل الذي رافق تصريحات الأكاديمية اللسانية خولة طالب الإبراهيمي، حفيدة الشيخ البشير الإبراهيمي أحد أبرز رموز جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التاريخية. فقد قالت الإبراهيمي في حوار بثّته قناة “الخبر” إن الحجاب مفهوم أوسع من مجرد الغطاء الظاهر للرأس، وإنه قد يرتبط بسلوك الإنسان وقيمه الداخلية. وقد أثار هذا الطرح موجة من التعليقات، خاصة أنه صدر عن أكاديمية تنحدر من عائلة ذات ثقل ديني وتاريخي.
وغير بعيد عن ذلك، برز موضوع الحجاب في الحملة الانتخابية للتشريعيات، بعد ترشيح حركة البناء الوطني وهو حزب ذو مرجعية إسلامية لنساء غير محجبات ضمن قوائمه الانتخابية، وهي ليست المرة الأولى التي يعتمد فيها هذا الخيار.
وفي هذا السياق، كتب الأكاديمي سليمان ناصر منشورا تساءل فيه عن خلفيات هذا التوجه، وما إذا كان الأمر يعكس مرونة تنظيمية أو تحولا في المرجعية الفكرية، أو مجرد محاولة لتوسيع القاعدة الانتخابية واستقطاب شرائح جديدة من الناخبين.
وقد تباينت ردود الفعل حول هذا الطرح، حيث رأى البعض أن ما يحدث ليس جديدا في تجارب الأحزاب الإسلامية عبر العالم، مستشهدين بتجارب سياسية في تونس وتركيا، حيث شاركت نساء غير محجبات ضمن الفضاء الحزبي الإسلامي دون أن يعني ذلك بالضرورة تغييرا جذريا في المرجعية الفكرية لتلك الأحزاب. وذهب آخرون إلى اعتبار أن هذه الظاهرة تعكس ما وصفوه بأزمة هوية تعيشها بعض التشكيلات السياسية التي تحاول التوفيق بين المرجعية الفكرية ومتطلبات المنافسة الانتخابية.
وفي مفارقة لافتة، أثار ظهور نساء دون صورهن في بعض القوائم الانتخابية لحزب جبهة القوى الاشتراكية وهو حزب بمرجعية علمانية، تساؤلات أيضا حول أسباب اختيار مرشحات غير قادرات على الظهور في منافسة انتخابية.
وفي هذا السياق، كتب الصحافي محمد مولوج معلقا حول جدوى الترشح في غياب صورة المرشح أو المرشحة، في وقت تقوم فيه الانتخابات أساسا على التعريف بالمترشح وبناء علاقة ثقة بينه وبين الناخبين.
وجاء في تدوينة مولوج: “كيف يمكن للناخب أن يتعرف على ممثله إذا كان هذا الأخير يختار عدم الظهور أمامه؟ وكيف يمكن بناء الثقة في شخصية سياسية دون الحد الأدنى من التعريف البصري الذي يسمح للناخب بتمييزه ومتابعته خلال المسار الانتخابي؟”.
كما طرح الصحافي تساؤلات أخرى ذات طابع قانوني وسياسي، متسائلا عن الإطار الذي يسمح بترشيحات لا تتضمن صورا واضحة للمترشحين، وما إذا كان ذلك يدخل ضمن ما ينص عليه القانون الانتخابي أو يطرح فراغا تنظيميا يستوجب التوضيح. وتساءل أيضا عن سبب عدم تحرك الجهات المعنية إذا كان الأمر غير مطابق للقواعد المعمول بها، أو عن الأساس الذي تم الاعتماد عليه إذا كان مسموحا به.
وتتركز هذه الظاهرة في سياق اجتماعي خاص، حيث تلعب العادات الاجتماعية المحافظة في بعض المناطق دورا في تحديد شكل حضور المرأة في الفضاء العام، بما في ذلك الحملات الانتخابية، وهو ما يفسر في نظر بعض المتابعين ميل بعض المترشحات إلى عدم إظهار وجوههن في الإعلانات الانتخابية أو القوائم المنشورة.