باريس- «القدس العربي»: في مؤشر جديد على انفراج العلاقات بين البلدين بعد توتر استمر أشهراً، استقبل وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، نظيره الجزائري سعيد سعيود، في زيارة عمل لبحث سبل تعزيز التعاون الثنائي، لاسيما في الملفات ذات الاهتمام المشترك.
عقد الوزيران لقاء ثنائيا في مقر وزارة الداخلية الفرنسية، تلاه اجتماع موسع ضم وفدي البلدين، خُصص لمناقشة عدد من القضايا الحيوية، بما في ذلك ملفات الأمن، وعلى رأسها مكافحة الجريمة المنظمة، بما يشمل شبكات تهريب المخدرات والتطرف، إلى جانب قضايا الهجرة ومسألة إعادة المهاجرين غير النظاميين، والتنسيق في مجال الحماية المدنية.
وما تزال قضية الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، المحتجز في الجزائر منذ حزيران/يونيو 2025 بتهمة «تمجيد للإرهاب»، تلقي بثقلها على العلاقات بين البلدين. وقال لوران نونيز على إذاعة فرنسا إنتر، الإثنين: «سأتطرق بطبيعة الحال إلى وضع كريستوف غليز».
كما أكد الوزير الفرنسي أن عمليات ترحيل الرعايا الجزائريين المقيمين بشكل غير قانوني ستشهد «تصعيدًا تدريجيًا»، بعد استئنافها في أيار/مايو الماضي.
وعبر عن ارتياحه لعودة التعاون بشكل فعّال في ملف الهجرة، مشيرًا إلى أن الجزائر منحت حوالي 140 تصريح مرور قنصلي، وهي وثيقة تسمح بعودة مواطنيها إلى أراضيها. وقال إن «المطلوب الآن هو زيادة عدد تصاريح المرور التي يتم الحصول عليها، وبالتالي عمليات الإعادة إلى الجزائر».
يأتي استقبال وزير الداخلية الجزائري في باريس بعد أسبوعين من زيارة وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان إلى الجزائر.
تندرج هذه الزيارات ضمن مسار سياسي أوسع، يعكس رغبة مشتركة لدى قيادتي البلدين، عبّر عنها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لإحياء حوار فعّال يقوم على احترام المصالح الوطنية لكلا الطرفين، بعد فترة من الفتور الدبلوماسي التي شهدتها العلاقات بين البلدين منذ صيف 2024، على خلفية مواقف سياسية متباينة بشأن قضية الصحراء الغربية، ما أدى حينها إلى سحب الجزائر سفيرها من باريس.
كما ساهمت ملفات أخرى في تعقيد المشهد، من بينها قضايا قضائية وإعلامية حساسة، زادت من حدة التوتر بين الطرفين خلال الفترة الماضية.
ورغم استمرار التحديات، برزت خلال الأشهر الأخيرة بوادر تهدئة، من خلال تبادل الزيارات الرسمية بين مسؤولين رفيعي المستوى، وعودة قنوات الاتصال السياسي، ما يعكس إرادة مشتركة لاحتواء الخلافات.
كما حملت بعض المبادرات الرمزية، لا سيما المرتبطة بالذاكرة التاريخية، إشارات إيجابية نحو تخفيف التوتر، وإن كانت لا تزال تشكل أحد أبرز الملفات الشائكة في العلاقة بين البلدين.
رغم التقارب النسبي، تبقى العلاقات الفرنسية الجزائرية محكومة بجملة تحديات، في مقدمتها ملف الذاكرة الاستعمارية، إضافة إلى الضغوط السياسية الداخلية في كلا البلدين.
ويرى متابعون أن التركيز على الملفات العملية، مثل الأمن والهجرة والتعاون القضائي، قد يمثل مدخلًا أكثر واقعية لتعزيز الثقة، بعيدًا عن القضايا التاريخية المعقدة.