تتقاطع رواية ورّاق الحب للروائي السوري خليل صويلح مع محطات من سيرة كاتبها؛ من طفولته في البادية وعلاقته بجدته فضة الجاسم، التي كانت نافذته الأولى على عالم الحكاية، إلى اكتشافه متعة القراءة في سن مبكرة، ثم انتقاله إلى المدينة للدراسة والعمل في الصحافة، وصولا إلى الكتابة الأدبية.
وفي أحد حواراته، قال صويلح إن ما دفعه إلى كتابة ورّاق الحب هو الرغبة في كتابة نص سردي مختلف عما هو سائد في المشهد الروائي السوري، مع الانتباه إلى الهامش. وحضور الهامش والمهمشين سمة تتكرر في عدد من رواياته، من بينها عزلة الحلزون، ودع عنك لومي، واحتضار الفرس.
الرواية وأسرارها
تدور أحداث الرواية حول شخصية روائيّ قرّر أن يكتب «رواية عظيمة»، مستعيناً بكل ما اكتسبه من خبرات من قراءاته السابقة للروايات العالمية، ولكتب التراث العربي، مستعيناً أيضاً بعلاقاته الاجتماعية والمهنية والعاطفية. كان حلمه أن يكتب رواية «تشد القارئ من أذنيه»، على حدّ قول شخصية الروائي في الرواية ـ وتسحر لبّه، وتشغل الدنيا، وتكون على منوال روايات أبيه الروحي غابرييل غارسيا ماركيز.
سنعثر في رواية صويلح على هاجس وحيد هو «هاجس الكتابة»، لتتحوّل جميع مشاغل الحياة بالنسبة لبطلها إلى مشاغل ثانوية، وفي المقابل تتحول «الكتابة» إلى «مركز جذب» قويّ جدّاً أزاح عن طريق الروائي كلّ الأسئلة ذات الصلة بالحياة. فلا شيء يعلو فوق أفق الكتابة بكل ما يحمله من أسئلة وإشكاليات ومآزق معرفية وفنية وجمالية؛ وستتراوح يوميات الروائي بين كتابة المسودات، والبحث عن مصادر الإبداع، والحفر في التجارب الروائية العالمية بحثاً عن الطبخة السحرية لكتابة رواية عظيمة. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد جعل علاقاته بعشيقاته مصدراً لبناء شخصياته الروائية من النساء.
الميتا ـ رواية: الكتابة كأثر لوعي الرواية بذاتها:
نحن أمام عمل روائي لا يجسد خبرة في الواقع، بل على العكس من ذلك، جسّد مراحل تشكّل «الخبرة الجمالية» التي هي عتبة للحديث عن «الوعي الجمالي». وانطلاقا من هذا المفهوم انفتحت رواية خليل صويلح على المسارات التي تتخذها الكتابة الروائية، ضمن منظور «تكويني» يرصد عملية الإنتاج الروائي كحدث مركزي في الرواية، مبرزاً معالم هذا الوعي من خلال الكشف عن «المرجعيات الروائية والنظرية» التي استقى منها الروائي تصوراته لما يجب أن يكون عليه العمل الروائي. إذ تغدو رواية «ورّاق الحب» تمريناً على الكتابة الروائية، ومسودة مليئة بالملاحظات والتصورات والخطط السردية، ومختلف الاحتمالات الممكنة لتطوّر الأحداث، مع كل ما يتخلّلها من «محو» و«مراجعات» للمسودة بحثاً عن القصة الكاملة. من هنا يأتي اللجوء إلى «الرواية» كموضوع للسرد، كأحد أشكال التعبير عن تأزم علاقة الرواية بالعالم، وهو بحث عن شكل مغاير يعكس نزعتها التشكيكية تجاه الواقع وتجاه التقاليد الروائية نفسها؛ فـ«الميتا ـ رواية» جاءت تتويجاً لرؤية تشكيكية في تقاليد الرواية، فظهرت على إثر ذلك تجارب روائية دعت إلى مفهوم «اللارواية»، ويقوم هذا النوع على تدمير الحبكة الروائية وإزاحة القصة، والكتابةِ في المقابل عن «اللاشيء».
تندرج «الميتا–رواية» ضمن هذا التيار التجديدي الذي قدّم تصوّراً جديداً ومختلفاً لطرائق الكتابة الروائية، ومن أساسات هذا التصوّر هو «التهجين» بين «الخطاب التخييلي»، و«الخطاب النقدي»، و«النظري». تقف الكتابة بالنسبة لبطل الرواية على رأس أولوياته، فمشكلاتها التي تواجهه لا تقل خطورة عن مشكلات الحياة الاجتماعية؛ بمعنى آخر: ما الذي يمثل مركزاً بالنسبة للروائي؟ الحياة أم الكتابة؟
«حسناً، هذا ما أود القيام به: أن أهيئ ضربة مؤثرة، ولكن «كيف تُحكى حكاية؟» وكيف يتم رصد تفاصيل نزوات ذهاب وإياب المخيلة، والإمساك فجأة باللحظة الدقيقة التي تنبثق فيها فكرة، مثل الصياد الذي يكتشف فجأة في منظار بندقيته اللحظة الدقيقة التي يقفز فيها الأرنب؟». ستكون مهمة هذا الروائي العثور على أسرار كتابة الرواية محاولاً تجسيدها في عمله الروائي؛ ومن جهة أخرى، فإنّ الكتابة تتأسس على تحويل الحياة نفسها إلى مادة للتخييل، ولا يقتصر عملها على النقل الآلي للواقع، بل على تشويه هذا الواقع. إذ لعمل مخيلة الروائي منطقه الخاص الذي يقوم على خلق حياة موازية قد تتقاطع مع الواقع في حوادث معينة، لا سيما التي تنتمي إلى سيرة الكاتب، لكنها في الوقت نفسه تمارس «الشطط» على حد تعبير بطل الرواية وهو يستعيد المسودات التي كتبها، فيكتشف حجم الانزياحات التي مارسها أثناء الكتابة.
امتلأت الرواية بالكثير من التأملات النقدية حول الرواية وفنيات كتابتها والقضايا المتعلقة بها وبشخصية الروائي؛ إذ تُظهر بُعداً آخر فيها هو بُعد «القارئ» و«الناقد» على حد سواء. وقد أشرت سابقاً إلى حرص هذه الشخصية على الكشف عن مرجعياتها وتأثرها بروايات عالمية وبكتب من التراث السردي العربي القديم.
حضور الخطاب النقدي لم يُربك حركة السرد في الرواية، بل نجد أنّ هذه الأخيرة استمدت جماليتها من هذا الحضور، بل إنّ الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فقد فتح صويلح روايته على ذاكرة سردية في شكل اقتباسات متفاوتة الطول من روايات عالمية ومن كتب تراثية قديمة؛ مثل المقطع الطويل الذي اقتبسه من رواية «ساعي بريد نيرودا» لسكاراميتا، وهو حوار بين بياتريث ووالدتها حول خطر الاستعارات الشعرية التي كان ماريو يلقيها على مسامع هذه الفتاة المراهقة.
إننا أمام نص نجح في احتواء مختلف الخطابات ضمن نسق سردي مفتوح على التعدد والاختلاف، لكن بخلق شروطه الخاصة به؛ فكل نص كتابي يعمل على خلق قوانينه وشروطه المستقلة بمعزل عن الآخر، فهي تتشكّل من خلال النص ذاته بتلقائية عالية، وهذه الشروط والقوانين لا تخضع لنظام معين ولا لخصوصية معينة، أو طريقة بنائية في الكتابة، إنما تتعدد من خلال المسحة الجمالية للنص وكثافته الصورية المؤثرة التي تعمل على خلق بلبلة دائمة في الحواس، من دون أي مؤثر خارجي.
ناقد أدبي جزائري