واشنطن وطهران… المواجهة في انتظار الانتخابات النصفية


كلما اقترب موعد الانتخابات النصفية الأمريكية، اتضح الموقف الأمريكي أكثر فأكثر، في حين إن الدبلوماسية الإيرانية تراهن على عامل الوقت وخسارة الحزب الجمهوري، لذلك لم تقدم تنازلات بالمستوى المطلوب أمريكياً، حيث البون شاسع بين الطرفين. الأمريكي يريد استسلاماً كاملاً على طريقة النموذج الفنزويلي، بينما الإيراني يبحث عن شكل الانتصار والصمود.
حدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موعداً للحرب في أعقاب الانتخابات، في خطوة تأتي مدفوعة بثقة متزايدة حول حسم ‘المعركة الأخيرة’ كما وصفها محللون عسكريون استناداً إلى التحشيد الضخم.
ويهدف هذا التوقيت إلى قطع الطريق على طهران لمنعها من الرهان على نتائج صناديق الاقتراع؛ إذ تمنح السنتان القادمتان ترامب أريحية سياسية توصف بالخالية من الضغوط الانتخابية، مما يمنح إدارته دافعاً أكبر لحسم المواجهة، تماشياً مع حسابات استراتيجية تركز بالدرجة الأولى على الداخل الأمريكي.
يبقى أمام طهران عامل الوقت فقط؛ إذ تسعى لتأجيل تقديم أي تنازلات حقيقية على أمل حدوث تغير سياسي في واشنطن أو تراجع في الموقف الأمريكي. وفي المقابل، يرسل ترامب رسائل حازمة تؤكد أن سقف المطالب لن ينخفض، بل قد يرتفع بعد الانتخابات.
أعتقد أن منطق الحرب يغلب منطق الدبلوماسية، وأن الوساطات والمبادرات السياسية قد انتهت، وعلى الجمهورية الإيرانية رصد وتسجيل التحركات العسكرية والتحشيدات، ووضعها في ميزان البراغماتية والمصلحة العامة؛ إذ إنه من دون هذه القراءة وتحليلها ستواصل طريقها نحو الانتحار. وبالتالي، فإن مقارعة دولة كالولايات المتحدة الأمريكية تحتاج إلى مقومات وإمكانات ضخمة، وتحالفات عضوية، والأهم من ذلك دعم دول الجوار الذي فقدته برعونتها.
جربت الولايات المتحدة كل الطرق السياسية والعسكرية، ولم تفلح في تغيير السلوك الإيراني؛ بل على العكس تماماً، فقد بلغ التصعيد ذروته، وتشتت التركيز على القوى الفاعلة بالرغم من الالتفاف حول شخصية المرشد المحتجبة. هذا الأمر زاد من قناعة الولايات المتحدة بأن النظام الإيراني لم يعد يصلح لهذه المرحلة الحساسة، وبالتالي أصبح من الواجب اقتلاعه من جذوره وتحويله من نظام ثيوقراطي إلى نظام مدني ليبرالي.
أعتقد أن النظام الحالي يشكّل خطراً على المصالح الأمريكية، كما أنَّ الكيان الصهيوني لن يرضى ببقاء النظام في طهران، إذ إنَّ الفرصة لن تتكرر في وقتٍ يبدو فيه ما يسمى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مأزوماً وغارقاً في قضايا فساد ورشاوى. بيدَ أن هذا لا يعني أن النظام الإيراني يعمل مبدئياً ضد المشروع الصهيو-أمريكي، بقدر ما يهدف إلى خدمة مشروعه الخاص وتثبيت وكلائه في المنطقة بغرض الاحتراز والمشاغلة، بعيداً عن التصادم المباشر.

 منطق الحرب يفرض نفسه بقوة، إلا إذا نجحت جهود الوساطة في إنجاز ما يسمى اختراقاً ونزع فتيل الحرب، وهو ما بات من المستحيلات

تحاول واشنطن زيادة وتيرة العقوبات القاسية أو الضغوط القصوى في هذه الفترة، وعينها على بروز قوى جديدة أو تحرك الشارع الإيراني بعد فقدان الثقة في قدرة الإدارة الحاكمة على تقديم تنازلات تلبّي المقاييس الأمريكية. وبالتالي، فإن منطق الحرب يفرض نفسه بقوة، إلا إذا نجحت جهود الوساطة في إنجاز ما يسمى اختراقاً ونزع فتيل الحرب، وهو ما بات من المستحيلات؛ فالسياسة المتبعة في إيران تُجرّم القبول بالشروط الأمريكية، ولذلك فإن نسبة اندلاع الحرب تفوق احتمالية الوصول إلى تسوية بين الطرفين.
لا أحد يريد لإيران أن تستسلم، كما لا نتوق لرؤية المارينز الأمريكي يصول ويجول في شوارع العاصمة طهران، أو الإتيان بطبقة حاكمة تابعة لواشنطن، ولا نحبذ مشاهد التدمير وسقوط الآلاف من القتلى. نتمنى من الجمهورية الإسلامية أن تكون واضحة مع نفسها وأهدافها لتحديد «صانع القرار»؛ فالشعب الإيراني في غالبيته ليس مؤدلجاً كي يساق نحو انتحار ثيوقراطي ماورائي، يلهث وراء شعارات استعادة أمجاد الإمبراطورية.
تواصل واشنطن حشد المزيد من المدمرات، وإرسال أسراب من الطائرات إلى مطار بن غوريون، بالتزامن مع انسحابات من قواعد أخرى في المنطقة. وتعمد إلى ربط الحوادث ببعضها لتوجيه الاتهام بشكل غير مباشر لإيران؛ بدءاً من تفجير خط شرق غرب في المملكة العربية السعودية، مروراً بحادثة القاعدة الأمريكية ببريطانيا، وليس آخرُها حادثة الطائرة الإماراتية (فلاي دبي) ومحاولة تحميل إيران المسؤولية الكاملة عنها، في مؤشر يعكس تهيئة الأجواء لتوجيه ضربة قوية وحاسمة.
أمام العقلاء الإيرانيين فرصة قد لا تتكرر: الوقوف بوجه الفوضى الحاكمة والنزول إلى الشارع، وتجنيب البلاد والعباد هول الحرب المدمرة التي لا تبقي ولا تذر، وكسر منطق الحرب وإحياء منطق السلام القائم على حسن الجوار، وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية الضيقة، واقتلاع الأوهام بالماضي الإمبراطوري التليد.

٭ كاتب فلسطيني وباحث سياسي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *