هل يمكن حسم حرب السودان عسكريا، أم أن الطريق أصبح مسدودًا على الرغم من استمرار القتال؟
سؤال يظل مطروحا في أكثر من موقع وفي كل الأوقات، ونحن نود الإجابة عليه ومناقشته في إطار تناولنا لأطروحة الدكتورة أمينة العريمي التي تتبنى إمكانية الحسم العسكري للحرب، والتي لخصنا أهم نقاطها في مقالنا السابق. صحيح، هناك عدة عوامل تدعم أو توحي بإمكانية الحسم العسكري للحرب، منها أن الجيش السوداني باعتباره مؤسسة دولة نظامية، يمتلك شرعية ومقومات استمرارية أعمق على المدى الطويل مقارنة بالميليشيات، فضلاً عن تزايد الإدراك الإقليمي والدولي بأهمية الحفاظ على الجيش كركيزة أساسية لمنع تفكك الدولة السودانية. كما أن الجيش نجح في استعادة زمام المبادرة في بعض المحاور والمدن الرئيسية، بدءا بفك الحصار عن القيادة العامة وإرغام قوات الدعم السريع على الخروج من العاصمة وتحقيق تقدم تدريجي في بعض الجبهات كشمال كردفان. أضف إلى ذلك ما حدث من انشقاقات مؤثرة في صفوف قوات الدعم السريع، وتراجع خطوط إمدادها في بعض المناطق الحيوية.
ولكن بالمقابل أيضا، يرى كثير من الخبراء العسكريين والاستراتيجيين أن الانتصار والحسم العسكري في حرب السودان دونه عقبات كبرى، أبرزها: 1- طبيعة العمليات القتالية: فالمعارك لا تدور على خطوط تقليدية واضحة، بل تتداخل داخل المدن والمناطق المأهولة، مما يجعل الحسم التام صعبا ومكلفاً بشرياً ومادياً. كما أن قوات الدعم السريع تمتلك عمقًا اجتماعيًا وجغرافيًا واسعًا، وتعتمد على شبكات قبلية وإمدادات عابرة للحدود وتحركات غير كلاسيكية، مما يجعل القضاء عليها عسكرياً أمراً شاقاً. وحتى إذا انهارت قيادة الدعم السريع المركزية وتراجعت قوته الرئيسية، فقد تتناسل مجموعات مسلحة محلية منه وتواصل حرب عصابات يصعب القضاء عليها، خصوصاً في ظل تعدد التشكيلات والحركات المسلحة والميليشيات وتداخل التحالفات والمصالح الإقليمية. 2- السودان بلد شاسع المساحة، وانتشار قوات الدعم السريع في مناطق متعددة يجعل السيطرة العسكرية الكاملة عليها عملية بالغة الصعوبة وتتطلب وقتاً طويلاً. 3- استمرار خطوط الإمداد وتدفق شبكات الدعم الخارجي ومصادر التمويل وشراء التكنولوجيا العسكرية المتقدمة التي تتيح ضرب البنية التحتية في العمق، تطيل أمد الحرب وتحول استراتيجيتها تدريجيًا من «السيطرة على الأراضي» إلى «تدمير القدرة القتالية للخصم». ومثل هذه الحرب الاستنزافية يصعب أن تترجم إلى نصر حاسم. وما لم يتم قطع خطوط الإمداد ووقف تدفق شبكات الدعم الخارجي، ستبقى القدرة على مواصلة القتال والمقاومة قائمة. 4- استمرار الصراع يؤدي إلى تفاقم كارثي في الأمن الغذائي والبنية التحتية، مما يجعل حسم المعركة عسكرياً على حساب الدمار الشامل للدولة يطرح تساؤلات عميقة حول شكل «الدولة» القادمة
المعارك لا تدور على خطوط تقليدية واضحة، بل تتداخل داخل المدن والمناطق المأهولة، مما يجعل الحسم التام صعبا ومكلفاً بشرياً ومادياً
بعد الحسم، وحول التداخل بين العسكري والسياسي، حيث تتصل الحرب بمستقبل السلطة، وطبيعة الدولة، والعلاقة بين المؤسسة العسكرية والحكم المدني، وتوزيع الموارد والنفوذ.
وفي الحقيقة، فإن سؤال حسم الحرب عسكريا يقع في صميم المأزق السوداني، لأنه يتجاوز مسألة من يستطيع تحقيق التفوق في ميدان القتال، إلى سؤال أكثر جوهرية: هل يؤدي الانتصار العسكري إلى إنهاء الحرب فعلاً، أم أنه سيغيّر فقط موازين القوى ويؤجل الصراع ليندلع بعد حين في صورة أخرى؟ فالجيش قد يحقق انتصارات عسكرية مهمة، ومكاسب ميدانية كبيرة كاستعادة المدن والأراضي، وإضعاف قدرات الدعم السريع القتالية، وفرض شروط جديدة عليه، ولكن كل ذلك لا يعني بالضرورة أن الحرب انتهت، ولا أن أسبابها السياسية والاجتماعية قد عولجت. وبالتالي ينبغي ألا يكون السؤال محصوراً في من سينتصر عسكرياً، بل أن يمتد إلى ما الذي سيحدث في اليوم التالي للانتصار، وكيف ستُمنع عودة الحرب؟ فإذا تحقق تفوق عسكري حاسم، لكنه ترك وراءه تعدداً مسلحاً، ومجتمعات خائفة أو مهمشة، ودولة ضعيفة، وغياباً للمحاسبة والشرعية السياسية، فإن احتمالات استمرار العنف ستظل قائمة. كما أن عوامل النزوح وانهيار الخدمات وانعدام الثقة والانتقام المحلي قد تنتج أشكالاً جديدة من العنف، ما لم تُعالج أسبابها. أما إذا اقترن تغيير ميزان القوى بإنهاء التشكيلات المسلحة الموازية، وإعادة بناء الدولة، وحماية المواطنين، وانتقال سياسي مدني ذي مصداقية، فقد يصبح التطور العسكري جزءاً من إنهاء الحرب. فالمعيار الحقيقي ليس فقط مَن يسيطر على الأرض، بل ما إذا كان السودانيون سيتمكنون بعد الحسم العسكري من العيش في دولة لا يحتاجون فيها إلى السلاح لحماية أنفسهم أو انتزاع حقوقهم. صحيح أن أي إنجاز عسكري حاسم يمكن أن يكون مدخلاً لإنهاء الحرب، ولكن فقط إذا اقترن بتسوية، وليس صفقة، أمنية وسياسية، وبإعادة بناء مؤسسات الدولة، وضمانات للمناطق والمجتمعات المتضررة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. وحتى إذا قبلت الأطراف الجلوس إلى طاولة الحوار، فإن المفاوضات وحدها لا تكفي إذا ظلت القيادات تعتقد أنها تستطيع تحسين شروطها بمزيد من القتال. وتبقى العقبة الأساسية هي كيفية جعل الأطراف ترى أن الاستمرار في الحرب أقل جدوى من الالتزام بتسوية قابلة للتنفيذ.
ومن زاوية أخرى، فإن رفض اعتبار الحسم العسكري طريقاً لإنهاء الحرب لا يعني تجاهل مسؤوليات الأطراف المختلفة، أو مساواة أفعالها، أو نفي حق الدولة في حماية المدنيين واستعادة الأمن. كما أن الدعوة إلى التفاوض لا تعني منح جميع القوى المسلحة شرعية سياسية متساوية. وفي هذا السياق، نحتاج إلى التمييز بين ثلاثة أمور: 1- المساءلة والتحقيق في الانتهاكات والجرائم، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون. 2- الترتيبات الأمنية بهدف إنهاء تعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة، وبناء مؤسسة عسكرية مهنية موحدة خاضعة للسلطة المدنية. 3- التوافق السياسي حول معالجة قضايا الحكم والحقوق والمشاركة السياسية بصورة لا تجعل السلاح شرطاً للحصول على السلطة.
والآن، ما هو البديل العملي عن انتظار الحسم العسكري؟ نحاول الإجابة عليه في مقالنا القادم.
٭ كاتب سوداني