نشأت العلاقة الثقافية، بما في ذلك الثقافة الأدبية، بين المشرق والمغرب منذ القديم، بل أعلنت عن نفسها بحدّةٍ منذ أن أطلق الصاحب بن عباد صيحته الشهيرة: «هذه بضاعتنا رُدّت إلينا». ولم تكن هذه العلاقة تخلو من عناصر توتر وحجب ونبذ، طوال قرون. ثم تجددت بصورة أبرز في القرن العشرين، لا سيما بعد قيام النهضة العربية في بلاد الشام ومصر، وبروز ما يُسمى «مركز» ثقافي يمارس سلطته الاعتبارية، في مقابل «محيط» يتأثر بما يرد من الأول عبر الكتب والمجلات والأمثلة السائرة.
وإذا قصرنا الأمر على المجال الشعري، فقد نشأت بالفعل حداثة شعرية في المشرق تهيّأت لها عوامل بروزها وتطورها ضمن دينامية التاريخ والثقافة، وتأثر بها شعراء الأطراف، في دول المغرب والخليج والسودان واليمن وغيرها، وأخذوا عنها، من دون مركب نقص، ولكنهم عبروا في قصائدهم عن طرائق تجديدهم، وعن سبل إلهام نوعية تنحدر من أمزجتهم الخاصة وثقافاتهم وبيئاتهم المحلية، بل كان فيهم من كان نسيج وحده، وكان يكتب النص الأثر، وإن لم يأخذ حقه من الاعتباري النقدي في مجرى الحداثة الشعرية العربية ككل.
صحيحٌ أنّ هذه العلاقة (مركز/ محيط) لم تعد كما كانت، بعد حدوث تصدّعات أضعفت جاذبية «المركز المشرقي» وبنيته التحتية الخاصة بالإنتاج الثقافي وحرية التعبير وقدرته على العطاء والتأثير، في مقابل صعود «المحيط»، أو «الهوامش» بسبب ما صارت تمتلكه من خبرات معرفية مؤثرة، أو وزن مالي كبير يتحكم في وسائل الاتصال والطباعة والنشر، لكن رغم ذلك ما زال سؤال العلاقة يطرح نفسه بكيفيات مضمرة ومركبة في أحايين كثيرة.
بمناسبة رحيل الشاعر محمد السرغيني، طُرح مثل هذا السؤال: لماذا يصبح شاعرٌ ما «عربيّاً» بينما يظل شاعر آخر «عمانيّاً» أو «مغربيّاً» أو «تونسيّاً»، رغم أن القيمة الجمالية لنصّه وتجربته التي قد تمتدّ سنين عددا، ذات اعتبار نوعي فكريّاً وكتابيّاً؟ فهذا الشاعر، على سبيل التمثيل، كان حداثيّاً في الحساسية أكثر مما كان حداثيّاً في الشكل، ولكن لم يحظَ بالقدر نفسه من العناية النقدية كما حظي بها أصحاب مبادرات التجريب الشكلي في المشرق؛ إذ ظلّ الاهتمام بالشاعر داخل المغرب – على استحياء- ولم يتجاوزه إلى غيره من البلاد التي تقرأ بالعربية وتقول إن الشعر فنّها الأول.
وإذن، يعول السؤال القديم الجديد إلى الواجهة: لماذا المشارقة يجهلون الشعر المغربي، وكتبهم تضرب صفحاً عن حداثته، ومن ساهم في سيرورتها منذ ستينيّات القرن العشرين؟ ألا يتعلق الأمر بمركزية مشرقية خلقتها المراكز الشعرية النافذة وقتذاك (القاهرة، بغداد، بيروت..)، وبأدواتها التي تحكمت بدرجة أكبر في تشكيل الذائقة الشعرية العربية، وكانت لها أذرعٌ «ناعمة» لصناعة القيمة والريادة والانتشار في تاريخ الشعر العربي الحديث؟ وهل يمكن اليوم إعادة كتابة تاريخ جديد للشعرية العربية يتجاوز حدود الجغرافيا ومعايير السلطة النقدية، وينصف مشاريع الشعراء «المنسيّين»؟
منصف الوهايبي (تونس): الجوار الروحي
رحل الشاعر محمّد السرغيني في صمت ومن دون ضجيج إعلامي. رحيل هو صورة من شخصيّته. وكان في حياته؛ على ما أذكر حين التقيته في الثمانينيّات في المغرب، هادئا قليل الكلام؛ لكن ما أن يتكلّم حتى يكشف عن معرفة عميقة بالشعر والأدب في العالم العربي قديما وحديثا، وفي الغرب أيضا. وما أزال أتذكّر أنّه في ذلك اللقاء، لم يستدرج إلى الحديث عن نفسه، أو عن شعره وتجربته؛ حياء منه على ما أظنّ، مثل أكثرنا، نحن المغاربيّين، مقارنة بأكثر أشقّائنا المشارقة الذين يطنبون في الكلام عن أنفسهم مدحا؛ وكأنْ لا قبلهم ولا بعدهم.. رحل الشاعر وبقي الشعر شاهدا لصاحبه.. شعر يُقرأ في سياق الشعر المكتوب بالعربيّة في إقليم المغرب العربي (تونس والجزائر والمغرب وليبيا وموريتانيا)؛ لكن في علاقته بقرينه العربي المشرقي، وقرينه المكتوب بالفرنسية خاصة، وهو جزء من ثقافة المغاربيّين، لكن من دون تنزيله في آدابهم ذات اللسان العربي، حتى إن اعتبره البعض فرنسيّا بملمح عربي، أو عربيّا بلسان فرنسي. والأدب إنّما يُنسب إلى اللغة وليس إلى الجغرافيا.
على أنّ الشعر العربي المغاربي الحديث عامة، وليس شعر محمد السرغيني وحده، يعاني من حيف مقارنة بقرينه المشرقي. ولن يتسنّى تقديره حقّ قدره، وما له وما عليه؛ إلاّ بإعادة ترتيب علاقته بالشعر العربي الحديث، وبالترجمة إلى اللغات الأخرى، خاصّة وهي «رهان المنافسة العالميّة»، وبعبارة أدقّ «الكونيّة» من حيث هي قيمة إنسانية تتناسب وثراء الوجود الإنساني أو غناه، وهي لا تعني بأيّ حال العولمة من حيث هي استيطان مقنّع في أرض الآخر. لا أحبّ أن أخوض فيه كثيرا وهو هذا السجال القديم المتجدّد بين أهل المشرق وأهل المغرب؛ منذ أن كتب فيه ابن بسّام (علي الشنتريني ت 543 هـ) صاحب «الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة» ما كتب. ولكنّ هذا النعت «المغاربي» أو «المغربي» أو «المغرب العربي» يحوي دلالة مزدوجة، إذ يشير إلى عرب الشمال الافريقي من جهة، وإلى العلاقة بين العالمين: العربي الإسلامي المشرقي وقرينه المغاربي، أو ما كان يسمّى قديما «الغرب الإسلامي»، ويشمل بلاد المغرب أي شمال افريقيا والأندلس. وهي في الأدب علاقة «ائتلاف» عامّة، أو هكذا يحسن بنا أن نظنّ.
ولا يذهبنّ في الظنّ أنّنا إزاء وحدة ثقافيّة متجانسة، أو نجعل الجغرافيا تحجب عن التاريخ؛ ولكلّ من هذه البلدان على وشائج الرحم والقربى التي تجمع بعضها ببعض؛ أو «الجوار الروحي»، كما أحبّ أن أسمّيه؛ شخصيّتها الثقافيّة، وتاريخها الخاصّ.
إنّ التجربة الشعرية عند محمد السرغيني لا تنفصل عن تجربة الحياة، وما نعدّه شعرا، إنّما هو تحويل شكل لغويّ إلى شكل من أشكال الحياة، وتحويل شكل من أشكال الحياة إلى شكل لغوي. واللغة في السياق الذي نحن به هي العربيّة. على أنّ الشعر المكتوب بها في المغرب العربي، قد يكون موسوما في كثير أو قليل منه، بمؤثّرات اللغات الأجنبية وأظهرها الفرنسية؛ فثمّة «تعددية» لغوية في حيز العربية نفسها. وفي سياق هذه الشعرية يمكن أن نقرأ محمد السرغيني حقّا، نحن جميعا مغاربة ومشارقة؛ وأن تكون له مكانته في مدوّنة الشعر العربي الحديث.
رشيد المومني (المغرب): قريبا من الشعر، بعيدا عن مراكز التسويق
في تصوري الشخصي، ثمة مسافة شاسعة وشائكة في آن، تمتد بين شهوة كتابة الشعر وحِرفة تسويقه. وهما اختصاصان متنافران تنعدم بينهما أي صلة محتملة. فحيث تتفرد شهوة الكتابة بإوالياتها، فإن حرفة التسويق الشعري تأبى بالمقابل، إلا أن تستقل تمام الاستقلال بقوانينها التي تنسحب على أي سلعة مُعَدّةٍ سلفا لثنائية العرض والطلب، بصرف النظر عن طبيعتها ووظيفتها. ولعل الطرح الذي تفضّلتَ به يندرج ضمن الخانة الثانية، هناك تحديدا، حيث تتلذذ مراكز التسويق باكتساح كل هامش مُعلَن أو خفيٍّ من الهوامش الحافّة بِجشعها. وفعلا، هو إشكال يُغْري بأكثر من مُقارَبة، بالنظر لما يحظى به نظريا من حفاوة التكريس. غير أن السياق الذي نحن بصدده، أي المتعلق بشعرية السي محمد السرغيني، لا يلبث أن ينزاح بنا، وبإصرار كبير، عن أسواق المراكز وجغرافياتها، كي يستضيفنا وبسخاء منقطع النظير، في رحاب فراديس القول، وفي متاهاته، تلك التي تستمتع فيها الروح بمراودة أنوائها ومُفاكَهة فصولها، وطبعا بعيدا عن الاستجابة لحتمية التعاقب، وسكونية التكرار. وتلك هي الخصوصية الاستثنائية التي تتميز بها مسارات محمد السرغيني. وأعني بها خصوصية كتابةٍ شعرية، لم تكن أبدا مَعْنيةً بِهَدْر طاقتها في اللهاث خلف الهوادج الشعرية، التي تكتظ بها مراكز الشرق أو الغرب، بقدر ما كانت مستسلمة بالكامل للإنصات إلى نداءاتها الباطنية، العابرة لأمكنة القول وأزمنة التّحْبِير.
إن الكتابة تبعا لذلك، تأخذ بالنسبة للشاعر شكلَ اجتراحٍ وجوديٍّ، لكل التمظهرات الخفية والمُعلنة لجوهر المعنى، بحثا عن صيغة حياة منذورة لعمق شعريتها الخاصة بها، وليس لشعريةِ مركزٍ محروسٍ برهبوت المُشْتركِ، تعاليمه، ومكتسباته. كما لو أن الأمر يتعلق هنا بحق الشاعر في اقترافِ مخاطرِ ترسيمِه الحُرِّ، للحد الأدنى من مدارات حضوره أو غيابه. ترسيمٌ، له نكهة جنوح جامح وعصيٍّ، عبره فقط يمكن توصيفُ الأبعاد اللامتناهية لما انْكتَب أو سينكتب.
هكذا إذن، وضمن هذا الأفق الهادِر بغِبطة انفتاحه على المجهول، يمكن مقاربة شعرية محمد السرغيني، باعتباره روحا مسكونة بالبحث عما تيسر من مجهولها. وثمة – كما أرى – يكمن الأصل في تموضعه التام خارج المقاسات والقوالب، وخارج المنظومات المكرسة مِن قِبَل المراكز أو هوامشها.
هناك تحديدا، أي خارج بؤس الجاهز، والمُبرمج، يحظى الشاعر بوجوده الاستثنائي في مقاماته الموعودة، التي لا يطالُها مِعْولُ التصنيف، مُشِعّا بالتباسه الكبير، وبأنوار غموضه واغترابه، رغم أنه محاط بكل هذه الجحافل المتناسلة من المتمركزين، الآيِلين حتما إلى خرائب النسيان. فسلام لك مني، يا توأم العبارة الممهورة بِرَجّاتِ ما تناءى! سلام لك مني، أنت الحاضر هنا، والخالد هناك، في عمق خلواتك الباذخة.
عبد القادر رابحي (الجزائر): عن الإبداع المغاربي والمركزية المشرقية
ربما كان الأمر متعلقا بدرجة أعمق بالبنية التكوينية للمثقف المشرقي بما هي تصورٌ متعالٍ يحمله عن فكرة الذات ودورها في معركة التحديث الشعري التي توارثها من مراحل سابقة في النصف الأول من القرن الماضي، والتي يربطها، بطريقة أو بأخرى، بتجربة الإحياء الشعري، ثم بما سبقها من تجارب وصولا إلى العصر العباسي. لعل هذا التراكم في الإصغاء إلى الذات الذاتية، وليست الجمعية، في ما طرحته من ممكنات تجريبية سابقة تتغذى منها، قد حجب الرؤيا عن كلّ ممكن تجريبيّ يخرج جغرافيّا وإبداعيّا عن وعي المثقف المشرقي الذي يغطي المنطقة تاريخيا بالنزعة النرجسية المدعومة بالقرب الجغرافي. ولعله لذلك، يبدو المغرب العربي بعيدا جغرافيا خارج الصيرورة الثقافية، التي تصنع المبدع المشرقي. ولقد عبّر المثقفون المغاربيون عن الكثير من المواقف في ما صار يشكلّ نوعا من العقدة لديهم تجاه المشرق العربي.
لقد تغيرت الأزمنة والظروف، ولم يعد أحدٌ يعرف أحدا اليوم. كما لم يعد أحد يعترف بأحد أو ينتظر الاعتراف منه. لقد ماتت فكرة «الإصغاء» التي ولّدت فكرتي التجاهل، أو الاعتراف عند الأجيال السابقة، وكأنه لم يعد ثمة من فكرة يحملها المشرق عن المغرب، أو العكس بوصفهما جناحي وطن عربي واحد. لقد صار كلّ شاعر يكتب لذاته، أو يكاد يخرج عنها لمن يحيط به من المقربين، كما صار «المحو» طبيعة متأصلة في النظر إلى الشاعر الآخر بوصفه نصّا، ومبدأً ناظما للسياقات الإبداعية العامة، التي لم تعد فيها الشهرةُ مبنيةً على القواعد نفسها التي تحقّقت بها المعرفةُ بالشعر في القرن الماضي وأدت إلى توليد أفكار ومحاججات ومعارك تناسى فيها المشرق المغرب بسبب تصارع الأفكار وحدّة المعارك الفكرية والنقدية والإبداعية.
لقد التهمت وسائلُ التواصل، في ما أتاحته الثورة الرقمية من ممكنات اتصال، ربعَ قرنٍ جديد لم تستطع فيه الشعرية العربية أن تخطو خطوات مركزية بعمقها وشاملة بأفقها وجامعة بتصورها لانتمائها الحضاري عمّا حققته المعارك الأدبية والشعرية في القرن الماضي. ثمّة عطلٌ رهيبٌ في ساعة الزمن الشعري المتوقفة. وها نحن الآن في الحالة التي يبحث فيها الجميع عن شاعر «فحل» يعيد لنا مجد أبي تمام، أو المتنبي بالصورة نفسها، التي كانا عليها وغيرهم في ذلك الزمن.
كيف ننتظر من شاعرٍ مشرقيّ لم يستوفِ قراءة الموروث الشعريّ المشرقي ولم يتمثّله فكريا وإبداعيا، ولديه مواقف ثابتة عن كل التجارب التجديدية التي خاضها شعراء بلده القريبون منه، أن يعرف شاعرا مغاربيّا أو يعترف بتجربته التحديثية، وكيف لشاعر مغاربيّ أن يفعل ذلك اليوم في ظل ما تطرحه الماكينة الرقمية من تجاوزات «فرط شعرية» أصبحت فيها مواقعُ الذكاء الاصطناعي تُحاجج الأصواتَ الأصلية القليلة في «نافلة القول الشعري» بقصائد عصماء لا غبار عليها، وكيف لناقد، سواء كان مشرقيا كان أو مغاربيّا، مهما كانت سمعته ومعرفته بالموروث الشعري العربي، ألا يسقط في الخطأ القاتل وهو يتعامل مع ما يكتبه الذكاء الاصطناعي من مقاربات نقدية تمجّد النص وفق الرغبة الملحّة لصاحب الورقة النقدية!
لقد تغير مفهوم المبدأ الجغرافي الذي تم الاحتكام إليه في مشرقية الإبداع الشعري أو مغاربية، ولم يعد هناك من ريادة شعرية تصنع شاعر التضحيات الكبرى، كما انتهى دور «الشاعر النبي» الذي انبنت عليه فكرةُ التجديد الشعري منذ عهد أبي نواس إلى عهد السياب ونازك الملائكة، ولم يعد هناك شعراء كبار من أمثال محمود درويش يرفعون راية القضية الفلسطينية والقضايا المركزية الأخرى، ولعله لذلك، فإن فكرة التناسي المشرقي للمجهود المغاربي في حدّ ذاتها تسقط في مبدأ باومن «السائل».
لقد صارت المعرفة، أقصد معرفة الشعر بما هو تصور سابق للذات وللوجود وللكون، معرفةً شخصية ذاتية متأزمة، وفي أحسن الأحوال معرفة «تيكتوكيّة» «يوتوبية» عابرة، لا تقاوم إغواء الفيض الهادر من المعلومات المتهاطلة على رؤوس مليارات البشر الذين لم يعد لهم الوقت الكافي للقراءة أو للإنصات، وربما صارت فكرة الإصغاء نفسها غير مجدية في تتبع الصوت الشعري الباحث عن الضوء في دغل هذا العالم الرقمي المظلم.
ولعله لذلك، صار المجهود الشعري للأصوات الأصيلة، مشرقية كانت أو مغاربية، مجهودا فرديا لا يخضع لانتماءات فكرة الجغرافيا، كما لم يعد التاريخ المشترك منبع إبداع يحيل إلى المخيال الشعري للذات الجمعية.
كاتب مغربي