بدأت طريقة إجراء الحوار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران تشبه الطريقة التي كانت تجري فيها الاتصالات المشابهة بين الدول قبل اختراع الهاتف أو الإنترنت. تصاغ أوراق العمل في واشنطن وطهران، ثم يسلمها ساعي بريد إلى وسيط ينقلها من طرف إلى آخر، في حين تتلقى وسائل الإعلام في الوقت نفسه نسخة جزئية منها تستخدم كاختبار أولي. الفرق أنه لم تعد هناك عربات تجرها الخيول أو سفن بخارية. مع ذلك، يبدو أن لا شيء يثير غضب أي طرف من الطرفين. يشير ملخص التحركات الدبلوماسية حتى الآن إلى أن افتراض استسلام إيران تحت وطأة الحصار البحري الأمريكي المشدد على الملاحة في مضيق هرمز ما زال بحاجة إلى إثبات، وهكذا بشأن توقعات ترامب حول استئناف الحرب.
لقد انقضت الأيام القليلة التي منحها الرئيس الأمريكي لإيران لـ “تسوية الفوضى” في قيادتها والتوصل إلى قرار متفق عليه. ويبدو أن القدرة على جمع المعلومات الاستخبارية حول هذا الشأن غير مجدية أيضاً. قد تعرف الولايات المتحدة وإسرائيل عدد الصواريخ التي بقيت في “مدن الصواريخ” السرية، وبنية القوة البحرية الإيرانية في الخليج. ولكن فيما يتعلق بالقرارات السياسية والخصومات الشخصية ووضع المرشد الأعلى الصحي، الذي يحيط به الغموض وكأنه المهدي الغائب، فإن المعلومات المتوفرة تستند إلى تقارير جزئية في وسائل الإعلام، ومصادر مجهولة، وتقديرات يصعب التحقق منها.
على سبيل المثال، جاء أن الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد قاليباف الذي ترأس الوفد الإيراني في محادثات إسلام آباد، يعملان على إقالة وزير الخارجية عباس عراقجي، بسبب اعتبارهما له “مثيراً للريبة” بسبب تنسيق مواقفه مع قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي، الذي يعارض المفاوضات مع الولايات المتحدة. مع ذلك، لم يتم وصف عراقجي في وسائل الإعلام إلا في الفترة الأخيرة بأنه شخص هامشي لا يتمتع بأي أهمية أو سلطة، بل قبل ذلك وصف بأنه من مؤيدي المفاوضات مع الولايات المتحدة. وجدير بالذكر أن لدى بزشكيان صلاحية إقالة عراقجي، لكن المرشد الأعلى لديه صلاحية منع الإقالة أو الموافقة على تعيين وزير بديل. وجاء أيضاً أن قاليباف استقال من منصب رئيس وفد التفاوض بسبب غضبه من تدخل وحيدي في المفاوضات. ولكنه ما زال شخصاًمحورياً في عملية اتخاذ القرارات.
إن الخلافات بين مراكز القوة في إيران ليست سراً من إسرار الدولة. يكفي الاطلاع على المقالات التي تنشر في موقع “رجا نيوز”، المقرب من سعيد جليلي، وهو الأمين العام السابق لمجلس الأمن القومي والذي يعدّ رمزاً لمعارضة أي مفاوضات مع الولايات المتحدة، كي نفهم عمق الخلافات في المواقف الأساسية. لقد اقترح حجة الإسلام علي رضا بناهيان في مقال نشره في موقع “رجا نيوز”: “يجب على السيد قاليباف والسيد بزشكيان التحدث مع مؤيدي التسوية وإجراء المقابلات معهم وسؤالهم عما يقلقهم. ولكن عليهما فعل عكس ما يقولونه”. بناهيان عالم دين إسلامي، له نفوذ وينتمي للتيار الراديكالي المقرب من علي خامنئي، ويعبر عن مواقف مجموعة من أعضاء البرلمان الذين رفضوا التوقيع على وثيقة تدعم إجراء المفاوضات. في المقابل، نشر موقع “تسنيم” المقرب من الحرس الثوري، مقالاً رد على ذلك، اتهم فيه الجناح الراديكالي بـ “زرع الفتنة وخدمة العدو”، وهو مقال تم شطبه من الموقع بعد ذلك.
من خلال الخطاب الإعلامي في إيران، يمكن الاستنتاج بأن طريقة تصرف متخذي القرارات في طهران لا تختلف في جوهرها عن الطريقة التي تجري في الولايات المتحدة، بين من يعارضون الحرب ومن يؤيدونها، ليس فقط بين الديمقراطيين والجمهوريين، بل أيضاً بين أعضاء الحزب الجمهوري الذين أيدوا ترامب وتخلوا عنه الآن. وكما هي الحال في أمريكا، حيث انتقل قرار استئناف الحرب إلى الساحة الداخلية، ويوازن، ربما بشكل أساسي، مع الثمن السياسي الذي قد يدفعه ترامب، فالاعتبارات في إيران مشابهة أيضاً. ولكن، بينما يعتقد القرار في أمريكا على قائد واحد، فإيران الآن تحكمها جماعات نفوذ تتصارع لتشكل توافق في المواقف يعرض على المرشد الأعلى لنيل الموافقة الرسمية. هذا نقاش حاد لا يقتصر على المسائل المصيرية التي تحتاج إلى إجابة فورية لمنع الحرب فقط، بل يتناول أيضاً مستقبل إيران بعد الحرب.
مع ذلك، رغم الاختلافات العلنية في الرأي، الناتجة عن التصورات الأيديولوجية حول وجود اتصالات مع “الشيطان الأكبر” من الأساس، وليس فقط حول أسلوب التفاوض، فإن القيادة في إيران تجيد صياغة أوراق موقف، وتغيير وتصحيح الصياغات التي رفضتها الولايات المتحدة، بل وقد تصل إلى صيغة يقبلها ترامب. ويطالب الاقتراح الإيراني الأخير، الذي وصفه ترامب بأنه تقدم ولكنه غير كاف، إضافة إلى رفع الحصار عن مضيق هرمز، إنهاء الحرب على الجبهات كلها، بما في ذلك لبنان، وانسحاب القوات الأمريكية من الفضاء الإيراني، وتقديم ضمانات بعدم تعرضها للهجوم، ورفع العقوبات، وإنشاء آلية لإدارة الملاحة في مضيق هرمز، وفصل المفاوضات حول المضيق عن الملف النووي، الذي ستتم مناقشته بعد التوصل إلى اتفاق بشأن هذه المواضيع.
إن هدف إيران من فصل هذين الملفين لا يعتبر تكتيكاً تفاوضياً، بل يهدف إلى إعادة النقاش حول الموضوع النووي إلى الإطار السابق الذي كان يجرى فيه الحوار الدبلوماسي “ليس تحت النار”، وهو مبدأ طرحته إيران كحجر أساس للحفاظ على كرامتها الوطنية. صحيح أن هذا المبدأ قد تضرر عندما تم عقد الجولات الأخيرة من المحادثات قبل اندلاع الحرب تحت التهديد بحشد القوات الأمريكية، ومع ذلك استمرت إيران في تصوير المفاوضات بأنها تتم بالتراضي وليس تحت التهديد.
إن قرار الولايات المتحدة تنفيذ التهديد العسكري وإنهاء المفاوضات بشكل أحادي الجانب وشن هجوم واسع النطاق، اتخذ مسارات غير متوقعة فاجأت ترامب. وقد أدى رد إيران القاسي على جيرانها العرب في الخليج، والأضرار التي لحقت بمنشآت النفط والغاز، وقبل كل شيء سيطرة إيران على مضيق هرمز، إلى توسيع نطاق التهديدات من ساحة الشرق الأوسط إلى الساحة العالمية، ومن سباق تسلح نووي إلى زلزال اقتصادي.
في المقابل، لم يبق الكثير من الأهداف الطموحة الأولى للحرب: إسقاط النظام، والقضاء على التهديد الصاروخي، وتحييد اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة، وقطع إيران عن حلفائها الإقليميين – كل هذه الأهداف بقيت على حالها، لكن ترتيب أولية تحقيقها تغير، وبعضها، مثل إسقاط النظام، تحول من هدف ملموس قابل للتحقق إلى رؤية لمستقبل ما.
إن استعداد ترامب لمنح النظام الإيراني المزيد من الوقت لاتخاذ قرار، في حين يهدد قيادة النظام في الوقت نفسه بحرب جديدة إذا لم تتخذ القرار الصحيح، ينطوي على تناقض جوهري. “إذا لم يعرف أحد من يدير إيران”، حسب قوله، “فلن يكون هناك من يتخذ قرار الاستسلام أو التفاوض، سواء بالحرب أو من دونها”. من جهة أخرى، إذا كانت هناك قيادة مستبدة في إيران، لا يمكن إخضاعها إلا بالحرب، فهل يعرف ترامب متى سينهار النظام، بعد أن فشلت أعنف حرب خاضتها إيران في تحقيق النتائج المأمولة؟ هل هو مستعد للضرر والدمار الذي ستلحقه حرب جديدة بدول الخليج والخليج نفسه، لا سيما بعد أن ثبت خطأ افتراضاته الأساسية حول كيفية رد إيران؟
هذه ليست معضلة أمريكية فقط؛ فالنظام الإيراني الذي الحاضر اليوم ويعمل ويتخذ القرارات، لا يكتفي بإصدار ردود علنية على تصريحات ترامب، ولا يكتفي بتقديم نفسه للجمهور بأنه قادر على التعامل مع أي تهديد. بل هو ملزم أيضاًبتحديد سلم أولويات واتخاذ قرار إذا كان مضيق هرمز “الذخر” الجديد الذي حصل عليه يستحق الخسارة الاقتصادية التي يتكبدها والأضرار التي قد تسببها حرب جديدة. هل يحول مضيق هرمز إلى قضية وطنية وأيديولوجية تحدد سياسة إيران، ثم لا يجب التنازل عنها، أم النظر إليها كورقة مساومة لتحقيق مكاسب أخرى؟ إذا كانت صياغة الاقتراح الإيراني الجديد كما نشرته أمس وسائل الإعلام تعكس الموقف الإيراني بشكل عام، فيبدو أن مضيق هرمز في طريقه إلى احتلال مكانة بين أوراق المساومة.
تسفي برئيل
هآرتس 4/5/2026