اندلع في الآونة الأخيرة جدلٌ حادٌّ حول الذكاء الاصطناعي وما إذا كان يُمثّل تهديدا وجوديا للبشرية. فبينما يحذّر بعضهم من أن الذكاء الاصطناعي خطرٌ يهدّد وجود الإنسان على سطح هذا الكوكب، يُقلّل آخرون من شأن هذه المخاوف ويعدّونها شيئا من المغالاة غير قابلٍ للتجسيد على أرض الواقع. يتوافق الرأي الأخير وما خلصتُ إليه في كتابي باللغة الإنكليزية، الواقع في 369 صفحة، والصادر في أبريل/نيسان 2026 بعنوان «حق المؤلفين في استخدام الذكاء الاصطناعي بحرية: لماذا الذكاء الاصطناعي أداة، وليس مؤلفا؟».
إن أمعنّا النظر في ماهية هذه التقنية وجدنا أن الذكاء الاصطناعي، بطبيعته، أداةٌ بين أيدي البشر، يُبرمج لتنفيذ مهام محددة يرسمها له الإنسان، ولا يمتلك وعيا أو نية أو قابلية فطرية لإلحاق الضرر. وأي خطرٍ يصدر عنه إنما ينشأ من سوء إدارة هذه التقنية وسوء استخدامها؛ فهي ابتكارٌ من صنع الإنسان خاضعٌ لإدارته وسلطته وإرادته.
تهديد وجودي مستقبلي
انتقل النقاش حول مخاطر الذكاء الاصطناعي مؤخرا من المختبرات وكبار مطوّري التقنية، إلى المؤسسات التشريعية، إذ تناول مجلس اللوردات البريطاني احتمال أن تُؤدي هذه الأنظمة المتقدمة إلى تهديد وجودي للبشر خلال السنوات المقبلة. وقد استعرضت الجلسة شهادات خبراء في الأمن التقني وحقوق الإنسان، محذرين من أن وتيرة التطور الحالية تتجاوز قدرة الحكومات على التنظيم والاستجابة، داعين إلى تنسيق دولي عاجل لوضع تشريعات ملزمة للحد من المخاطر الوجودية المحتملة.
لا تقتصر هذه المخاوف على الخبراء وصنّاع القرار، بل تمتد إلى الرأي العام. فقد أظهر استطلاع نشرته «بوليتيكو» في سبتمبر/أيلول 2026 أن 63% من الأمريكيين يرون أن الذكاء الاصطناعي يشكل خطرا متوسطا على الأقل لتدمير البشرية، بينما رأى 17% أن ذلك شبه مؤكد. كما أظهر استطلاع لآلاف باحثي الذكاء الاصطناعي أن نسبة معتبرة منهم قدّرت احتمال فقدان السيطرة على الأنظمة المتقدمة بما بين 10% و19%.
ويرى بعض المتشككين، أن التهديد الحقيقي يأتي من أنظمة ذكاء اصطناعي مستقبلية أكثر تطورا، وهو ما أشارت إليه صحيفة «الغارديان»، التي نقلت عن جاكوب كوكسون الباحث السابق في شركة «أنثروبيك»، تحذيره من أن الذكاء الاصطناعي قد «يقتلنا جميعا» في غضون عقد من الزمن، لا لأن الأنظمة الحالية تمتلك هذه القدرات، بل لأن التقدم التكنولوجي يتسارع بوتيرة تفوق قدرة الحكومات على الاستجابة. وفي نوفمبر/تشرين الثّاني 2023، وقّعت الولايات المتحدة والصين والمملكة المتحدة ودول أخرى على «إعلان بليتشلي»، الذي أقرّ بأن أنظمة الذكاء الاصطناعي المتطورة تنطوي على إمكانية إحداث ضرر بالغ، وربما كارثي، سواء وقع ذلك عن قصد، أو من دون قصد.
خطرٌ مجسّدٌ في الواقع
لا تنحصر مخاوف الذكاء الاصطناعي في المستقبل، إذ يرى بعض الباحثين أن أضراره تتجسد بالفعل في الواقع. فقد حذّرت الباحثة في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي تيمِنت غِبرو، في صحيفة «الغارديان»، من أن الانشغال بفرضيات انقراض البشرية، يصرف الانتباه عن مشكلات قائمة، مثل المراقبة الجماعية، وتركّز القوة التكنولوجية، والأضرار البيئية، والتوسع في الاستخدامات العسكرية للذكاء الاصطناعي. مخاوف غبرو تبدو في محلّها، فثمة ما يدل على أن بعض هذه الأخطار بدأ يظهر بالفعل. ففي مطلع العام الجاري، نقلت «نيويورك تايمز» عن مسؤولين أوكرانيين أن طائرة مسيّرة روسية موجَّهة بالذكاء الاصطناعي قتلت ثلاثة أشخاص بعد أن اصطدمت بجدار وانفجرت. وإذا كانت أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي تشارك فعلا في هجمات قاتلة، فإن المخاطر ليست هواجس مستقبلية، بل واقع قائم. وبينما يخشى بعضهم أن تتفوق الآلات فائقة الذكاء على البشر، يرى آخرون أن الخطر الأكبر يكمن في إفراط البشر في الاعتماد عليها.
فقد رأى الكاتب والمحلل إيم لورينك، في مقال نشرته «الغارديان»، أن الذكاء بحد ذاته ليس جوهر القضية، وأن الخطر الحقيقي يبدأ حين تشرع الآلات في تفسير القواعد بدلا من الالتزام بها. ويشير لورينك، مستندا إلى قوانين أسيموف الشهيرة، إلى أن الأنظمة تصبح أقل قابلية للضبط عندما تنتقل من تنفيذ القواعد إلى تأويلها بطريقتها الخاصة.
مخاوف قديمة بثوب جديد
غير أن هذه المخاوف، على وجاهة بعضها، لا تعني بالضرورة أن الذكاء الاصطناعي يشكل تهديدا وجوديا للبشرية. فلا تختلف المخاوف الراهنة بشأن الذكاء الاصطناعي كثيرا عن تلك التي رافقت الثورة الصناعية قبل أكثر من قرنين. فالتقنيات الجديدة كثيرا ما أثارت عبر التاريخ توقعات بدمار شامل، ومع ذلك لم يتحقق هذا الانهيار أبدا وفق تلك التنبؤات.
خلال الثورة الصناعية، التي انطلقت في إنكلترا في حدود عام 1760، حذّر اقتصاديون بارزون، مثل ديفيد ريكاردو وجون ستيوارت ميل من أن الآلات ستدمّر الوظائف وتقوّض العمل البشري. صحيح أنّ الثورة الصناعية أدت إلى اضطرابات شديدة، لكن الانهيار الذي جرى الترويج له لم يحدث. فسرعان ما تكيّفت المجتمعات، وتحوّلت الصناعات، وظهرت أشكال جديدة من العمل، واستمرت الحياة.
ولم تقتصر ردود الفعل على مجرد تحذيرات نظرية. ففي مطلع القرن التاسع عشر، هاجم عمال النسيج البريطانيون، المعروفون بحركة «اللاضّيين»، الآلات الجديدة التي اعتقدوا أنها تهدد أرزاقهم، احتجاجا على خفض الأجور وتهميش المهارات الحرفية. لم تكن المشكلة بأي حال من الأحوال في الآلات ذاتها، بل في كيفية توظيفها والتعامل مع آثارها الاجتماعية. وينطبق المبدأ نفسه اليوم على الذكاء الاصطناعي؛ فالخطر لا يكمن في الأداة، بل في طريقة استخدامها.
وهكذا، تبدو المخاوف من الكارثة ردّ فعل متكررا تجاه الابتكارات الكبرى؛ فالمشهد أقرب إلى حالة «ديجا فو» تتكرر مع كل ثورة تكنولوجية جديدة. وهو ما لخّصته الخبيرة في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي مهيري أيتكن بقولها: «لقد سمعنا هذا من قبل، إنه حبكة مألوفة نشهدها تقريبا في كل فيلم خيال علمي عن الذكاء الاصطناعي».
النووي أخطر من الذكاء الاصطناعي
ويأتي تحذير مبتكري الذكاء الاصطناعي اليوم ليعيد إلى الأذهان مشهدا مماثلا قبل ثمانين عاما، حين أطلق مبتكرو السلاح النووي أنفسهم صيحات الإنذار من خطر ما صنعته أيديهم. فبعد نجاح اختبار «ترينيتي» في صحراء نيو مكسيكو في يوليو/تموز 1945، وصف روبرت أوبنهايمر المدير العلمي لمشروع مانهاتن، لحظة التفجير بكلمات من النصوص الهندوسية المقدسة: «الآن صرتُ الموت، مهلك العوالم». وقال في تسجيل لاحق إن «العالم لن يكون كما كان بعد اليوم».
ورغم موجات الخوف والإنذار، ورغم امتلاك عدة دول هذا السلاح وسط تنافس محتدم، تمكنت البشرية من كبح انتشاره والسيطرة على تقنية تفوق قدرتها التدميرية ما يمكن أن ينتجه الذكاء الاصطناعي. فالسلاح النووي قادر على محو الحضارة من سطح الأرض، ومع ذلك ظل تحت السيطرة إلى يومنا هذا بفضل المعاهدات والرقابة الصارمة والإرادة البشرية.
معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، التي وقّعتها 191 دولة، ما تزال ركيزة أساسية في منظومة الأمن العالمي، وقد خفّضت الولايات المتحدة ترسانتها النووية بنحو 88% منذ الحرب الباردة. قد يجادل بعضهم بأن ما يضاعف خطر الذكاء الاصطناعي هو تمتعه بقدر من الاستقلالية في اتخاذ القرار، لكن الاستقلالية لا تستلزم ذكاء. فالأنظمة النووية نفسها يمكن أن تفعل تلقائيا عبر قواعد ثابتة أو حساسات أو آليات ميكانيكية، وتوجد فعلا أنظمة مصممة لاتخاذ قرارات الرد، من دون تدخل بشري مباشر. ومع ذلك، لم يُدمّر العالم. وهذا يعني أن الخطر لا يكمن في الاستقلالية بحد ذاتها، بل في قرار البشر تخليهم عن مسؤولية الإشراف عليها.
الطائرات المسيّرة نموذجا
فضلا عن الأسلحة النووية الخطرة، تقدّم الطائرات المسيّرة نموذجا لافتا للأخطار التي تشكلها التقنيات الجديدة عند غياب الرقابة البشرية. تُصنع المسيرات وتُبرمج وتُسيَّر بأيدي البشر، لكن بمجرد تشغيلها بحرية، من دون رقابة بشرية، يمكن أن تعيث في الأرض خرابا. ثمة أمثلة بارزة على ذلك في النزاعات الحديثة.. في عام 2020، أشار تقرير للأمم المتحدة إلى أن طائرة تركية الصنع من طراز «كارغو-2» هاجمت مقاتلين في ليبيا من غير تحكم بشري مباشر. في المقابل، رغم قدرة أنظمة مثل «إيجيس» التابعة للبحرية الأمريكية على اكتشاف التهديدات والرد عليها تلقائيا، فإنها تبقى تحت إشراف بشري، لأن الاستقلالية الكاملة تُعتبر خطرا.
وهكذا، لا تُعدّ المخاوف الحالية بشأن الذكاء الاصطناعي ظاهرة جديدة؛ فالتاريخ يكشف أنه كلما ظهرت تقنيات جديدة، تميل المجتمعات إلى تخيّل أسوأ السيناريوهات. الثورة الصناعية أثارت مخاوف من بطالة دائمة، والطاقة النووية استحضرت رؤى عن دمار شامل. واليوم يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي بالطريقة نفسها، ويُقدَّم أحيانا كما لو كان كيانا مستقلا له روحه وأفكاره وأحاسيسه وطموحاته. وفي واقع الأمر، الذكاء الاصطناعي ليس شكلا من أشكال الحياة؛ فهو لا يمتلك وعيا ولا نوايا. إنه ابتكار بشري يُصمم ويُدرَّب ويُستخدم تحت سلطة الإنسان. وكغيره من التقنيات، يمكن أن يُستخدم لأغراض نبيلة أو ضارّة، ومع ذلك يظل أداة في يد البشر.
لقد تعلّم البشر، على مرّ الزمان، التحكم في تقنيات أشد فتكا من الذكاء الاصطناعي. فالسلاح النووي، الذي اعتُبر تهديدا وجوديا للبشرية منذ البداية، لا يزال خاضعا للتنظيم والمراقبة. وينطبق المبدأ نفسه على الذكاء الاصطناعي، الذي يبقى مجرد أداة قابلة للضبط والرقابة مهما بلغت درجة تطوره. فالبشرية في مأمن من كل ابتكار، شريطة الرقابة والاحتراس من الأخطار.
كاتب جزائري