اشتهرت مقالة «نقد العنف» للمفكر الألماني فالتر بنيامين، بوصفها نصاً تأسيسياً بمعنى الكلمة في النظرية السياسية المعاصرة. في هذا النص صاغ بنيامين تمييزه الشهير بين العنف المؤسِّس للقانون، والعنف الحافظ للقانون؛ وكذلك بين العنف الأسطوري والعنف الإلهي. وعلينا أن نتوقع بالطبع كثيراً من القراءات الضعيفة لنصوص بنيامين المعقدة، التي لا تخلو من غموض وتركيب ولغة أدبية واستعارات متعددة الدلالة، إلا أن السياق العام لفكر بنيامين، ونقده لليبرالية والقانون الليبرالي واضح، وهو بالتأكيد ليس من النقّاد المحافظين أو اليمينيين، ومنهم كارل شميت على سبيل المثال. تتعدد بالتأكيد مستويات التأويل والقراءة للنص، وقد يمكن إيجاد روابط وتقاطعات بين عدة مفكرين على اختلافهم، ولكن يبقى أن هنالك أصولاً للقراءة، لا بد من التشديد عليها، كي لا تتحول أسماء مفكرين من وزن بنيامين بدورها إلى تعاويذ.
في نقده للقانون الليبرالي، المستند إلى تراث طويل في النظرية السياسية، يعمل بنيامين على فكرة أساسية في نقد العقلانية كلها: هنالك في النهاية، في كل منظومة عقلانية متكاملة، مسلمات وافتراضات تنبني عليها المنظومة، ولا يمكن برهنتها عقلانياً. ما يبدو لنا عقلانياً في القانون، وقائم على مصفوفة متكاملة من المفاهيم الحقوقية، لا بد له من قوة أوليّة من خارج القانون نفسه، ولا يمكن تبريرها به، تلك القوة هي العنف المؤسِّس، أي اللحظة التي يقوم على أساسها النظام القانوني كله، والتي تنتج أسطورتها، وعالمها الرمزي، وروايتها عن الإنسان، ووجوده في العالم، وتنشئ معها مفهوماً عن الذنب، والعقوبة، والممنوع والمسموح، والحدود وتجاوز الحدود. يشبّه بنيامين ذلك العنف بعنف الآلهة في الأساطير اليونانية، الذي يرسم مع العقوبة حدود سيادة الآلهة على البشر.
في العنف المؤسِّس، الناتج عن انتصار إمبراطوريات، أو ثورات، أو دول استعمارية، أو مشاريع قومية، تصبح أجساد البشر نفسها موضوعات للسيادة، وعندها ينشأ القانون، وسلطة القانون، وتُفرض الروايات، والمفاهيم. ولا تنبثق من هذه العملية السيادة فحسب، بل أيضاً الشرعيّة، وبعدها يصبح العنف حافظاً للقانون، الذي تأسس في لحظة القوة التي لا يمكن تبريرها قانونياً، إلا أن تلك القوة المؤسِّسة لا تختفي، بل تطبع النظام القانوني بأكمله، الذي يبقى محتفظاً بأثر من العنف الأصلي الذي أنشأه. وجهاز الشرطة مثال ممتاز على ذلك، فهو كما يُفترض جهاز تنفيذي، يطبّق القانون فقط، ولكنه فعلياً، وبممارساته اليومية، وعنفه المستمر، وقراراته بالتدخّل أو عدم التدخّل، يعيد رسم حدود القانون. هذا يعني أن الدولة لا تحتكر الشرعية والعنف فقط، بل تحتكر أيضاً تعريف، وإعادة تعريف العنف العقلاني.
هل كان بنيامين سعيداً بكل هذا؟ أو يبشّر بموقف عدمي تجاه السلطة، يساوي بين كل أنواع الأنظمة السياسية؟ أو يرى في كل من يمارس العنف اليوم مؤسس القانون غداً؟
هنا يبدأ الخلط والقراءة الضعيفة غالباً، التي قد تُستعمل لتبرير أبشع الجرائم، والدعاية لأسوأ المجرمين. بنيامين ينتمي إلى تقليد فكري نقدي، يحاول استكشاف جذور انعدام العدالة في الحداثة، والمخاطر التي قد تحوّلها إلى مأساة، وانقلاب العقل على ذاته، وذلك عشية صعود الفاشية، التي كان من مناهضيها ونقّادها الأبرز، وأيضاً ضحاياها، فقد انتحر في سياق فراره اليائس من النازيين، وهو اليساري واليهودي، بعد قرار السلطات الإسبانية إعادته إلى فرنسا، التي كانت تحت السلطة النازية. كان سؤال بنيامين الأساسي: كيف وصلنا إلى هنا، رغم كل وعود العقل والتنوير؟ وليس تبرير فعل هذا الطاغية، أو تلك المجموعة الإجرامية، بحجة أنها «عنف مؤسِّس».
من ناحية أخرى، فقد كان نقد بنيامين لليبرالية تحذيراً مما قد تنتجه من قوى مدمّرة، وليس رفضاً مبدئياً لقيم الإنسانية، أو الفردانية، أو الحق، أو المساواة؛ أو اعتبارها قيماً قاصرة عن محاكمة «العنف المؤسِّس»، بل العكس صحيح، فهو كان يرى عطباً أساسياً في الليبرالية، يمنعها من تحقيق ما تعد به من قيم، ويجعلها قابلة لتصاعد ظواهر الشعبوية والفاشية، ولذلك كان لا بد من نقد قيمها بوصفها بناءات اجتماعية وسياسية، يجب إدراك أصولها وتناقضاتها وأساطيرها وعنفها، أي محاولة جعلها أقرب للعدالة، التي لا تتطابق مع القانون. نقده كان «إلى الأمام»، أي في محاولة كسر دائرة العنف المؤسطر، لليبرالية وغيرها، وهنا تحدث عن «العنف الإلهي»، و»إلهي» هنا لا تعني ديني، بل أقرب إلى طوفان، لا يسعى إلى قانون جديد، ولا إلى تأسيس سيادي، بل يدمر القانون والسيادة نفسيهما، في لحظة انعتاق وتحرر وقطيعة، وهي تبدو فكرة طوباوية وغامضة، وتقرّبه من عوالم المفكر الفرنسي جورج سوريل، الذي نظّر بدوره لنمط من العنف اللاسلطوي، في إطار الإضراب العمالي العام. وبغض النظر عن تأويلات فكرة بنيامين، وتأويلات التأويلات، واجتهادات المفكرين اللاحقين، فيبقى أنه لم يكن يوماً منبهراً بـ»عنف مؤسِّس»، أو متفائلاً به، أو مشرعناً له، بل كان تماماً نقيضه الجدلي.
يمكننا إذن أن نلاحظ ثلاث لحظات عند بنيامين، لحظة الأسطرة، ولحظة القوننة، ولحظة الانعتاق، ولكنها ليست لحظات متعاقبة أو سببية، ولا يمكن فصلها عن بعضها، بل تتزامن وتمتزج، ولا تظهر أي منها إلا بالعلاقة مع الأخريين، وجميعها تقع في نطاق العنف. وهو كتب في «نقد العنف»، ليس بمعنى ذمّه، بل اكتشاف شروطه وعلاقاته وبناءاته، وتحديد أي شكل من العنف قد يكون منتجاً للفاشيات، وأيها قد يكون مُنجياً منها. وعدم فهم رحلة بنيامين التراجيدية، على المستوى الفكري والحياتي، للنجاة من الفاشية، قد تجعل تلقي أفكاره ضعيفاً للغاية، فرحلته شملت رفض الحرب والتجنيد، والتعويل على النقد الفكري والإضراب العمالي، ومن ثم الهروب الفيزيائي، وصولاً إلى الانتحار، عند إدراك استحالة النجاة، أي ربما توجيه «العنف الإلهي» إلى الذات، بغرض الانعتاق النهائي.
ولكن، بعيداً عن خيارات فالتر بنيامين نفسه، هل تنطبق نظريته عن «العنف المؤسِّس» على كل الحالات؟ أي هل سينشأ بالضرورة عن كل عنف منفلت، يعقب اضطراباً سياسياً كبيراً، أو حرباً أهلية، أو احتلالاً خارجياً، قانون جديد، يصبح مقبولاً عند اللاحقين؟ هذا قد يقود إلى سؤال أخطر: هل الفاشية نفسها، التي رفضها وحاربها بنيامين، كانت ستؤدي إلى عنف مقونن مقبول، لو أنها انتصرت على أعدائها وحققت مشاريعها؟ وهل كل عنف ناجح سيصبح شرعياً؟ الإجابة على هذه الأسئلة تستلزم في البداية أن نرى ما هو تأسيسي حقاً، ثم نبحث في إمكانياته وتناقضاته ونتائجه. ليس كل عنف تأسيسي بالضرورة، وليس كل تأسيس يمكن القبول به، أو الخضوع له، أو مساواته بغيره؛ كما أن الصراعات الاجتماعية لا تنقطع، وتختلف باختلاف الشرط التأسيسي لها. كل هذه التمييزات ضرورية جداً في وجه التجهيل، الذي قد يحوّل أكثر الأفكار تمرداً ونقدية، إلى مجرد عبارات فارغة من المعنى، وجانباً من الإخضاع والدعاية لأبشع الممارسات والقوى. ربما علينا أن نستعيد رحلة بنيامين لكي نفهم أين نحن، وسط الفوضى والعنف الذي نعيشه اليوم، ونتساءل بجدّية: ما الذي يُؤَسَّسُ اليوم فعلاً؟
تبدو الأساطير في منطقتنا شديدة الركاكة، والعرض بالغ الرداءة، ما يجعل العنف الجاري يبدو عبثياً، ولا يؤسس لما هو أكثر من المزيد من الانحدار والانقسام والتشتت، ولهذا عوامله البنيوية، فنحن هنا أمام شبكات من المسلحين والمتنفّعين، لا يمكنها أن تدمج فئات واسعة ضمنها، لأنها قائمة على الانتفاع الضيّق، وعلاقات الولاء والتبعية البدائية.
أساطير ركيكة
على الرغم من أن بنيامين أكدّ أن الشرعية والقانون لا يساويان العدالة، بل يحملان «البصمة التأسيسية» لهما دائماً، وهي العنف المؤسطر، إلا أنه لم يساوِ بين كل أنواع الأنظمة السياسية.
في مقالة أخرى له، لا تقل شهرة عن «نقد العنف»، وهي «العمل الفني في عصر إعادة إنتاجه تقنياً»، يتحدث بنيامين عن الفاشية بوصفها قمة أسطرة العنف، وما يمكن ترجمته بـ «تحويل السياسة إلى ظاهرة جمالية» Die Ästhetisierung der Politik، إذ تعيش الجماهير السياسة وكأنها عرض فني، مليء بالرموز والأساطير، تمنحهم وهم السيطرة، بدون أن تعطيهم حقوقاً فعلية، وتجعل «الأمة» والاندماج بها، الحرية الوحيدة الممكنة، ومجالاً للاستعراض، الذي يتخلل كل مناحي الحياة اليومية، ويوجّه العاطفة، فيصير التماهي التام مع الأمة بديلاً عن الحق والمصلحة والميل الفردي والفئوي. وإذا كانت الأسطرة المنتجة للقانون تحدد مجال الذنب والعقوبة، بناء على فعل الأفراد وأخطائهم، فإن الأسطرة الفاشية تحوّل الذنب والعقوبة إلى هوية: هنالك مجموعات وفئات وأعراق وأديان، وجودها بحد ذاته خطأ يستحق العقوبة، ولذلك فهي يجب أن تُستأصل، عبر عمليات عنف جميلة ومقدّسة وبطولية. الفاشية سرد عن شعب وقدر وأمة ومظلمة تاريخية يجب تصحيحها، تحوّل البشر إلى ما يشبه الجمهور في مسرح، متعطش لمزيد من الجماليات العنيفة، فيما لا يملك أي سلطة فعلية، ولا يقدر إلا على ممارسة دمويته على أعداء الأمة، المذنبين فقط لأنهم موجودون.
هذا النمط من الجماليات باهظ التكاليف، فهو قد ينجح في حشد الجماهير، وبناء آلة حرب واستئصال هائلة، ولكنه سينتج صراعات شديدة الضراوة، وعلى أساس وجودي، وعندما تدفع عدوك لحروب وجودية، فالنتائج لن تكون سارّة لأحد، والانتصارات الأولية، مهما كانت باهرة، لن تكون قابلة للاستمرار. التجربة التاريخية بيّنت أن الفاشية قادرة على صناعة حروب ملحمية، بجماليات باهرة لجمهورها، ولكنها ستصطدم بمقاومة شديدة، تتخذ طابعاً وجودياً، تمنعها من الاستقرار، ما قد يدفعها إلى تغيير طبيعتها، أو التعرّض لهزيمة ساحقة، مع إمكانية دائمة للعودة من جديد.
قد تكون هذه «قضايا عالم أول» بشكل من الأشكال، فأساطير الفاشية المكتملة تحتاج إلى جانب الحس الجمالي، والثقافة الرفيعة، والنظرية عن العنف والتفوّق، تطوراً تقنياً وتنظيماً، ومجتمعاً صناعياً، واقتصاداً نامياً، وقدرة على البناء، وهذا لا يتوافر في منطقتنا، التي تعاني من انهيارات شاملة، مع انعدام القدرة على أي بناء. توجد أفكار عن تفوّق و»مظلومية»، وأمة أحادية يجب الاندماج بها، وعنف مقدّس، له جماليات أقرب للإباحية الدموية، وأعداء واجبي الاستئصال، وجودهم بحد ذاته جريمة، ويُقدّم كل هذا بديلاً عن الحقوق والسلطة الفعلية للجمهور، ولكنْ كل هذا يبدو أقرب لعناصر بدائية، أعجز من أن تصبح عرضاً متكاملاً، أو أسطورة متسقة ومقنعة وقابلة للهيمنة. في النهاية، أي عرض منضبط يريده أصحاب السلطة في منطقتنا، قد ينقلب إلى مهزلة، على يد أمير حرب، أو سياسي جاهل.
تبدو الأساطير في منطقتنا شديدة الركاكة، والعرض بالغ الرداءة، ما يجعل العنف الجاري يبدو عبثياً، ولا يؤسس لما هو أكثر من المزيد من الانحدار والانقسام والتشتت، ولهذا عوامله البنيوية، فنحن هنا أمام شبكات من المسلحين والمتنفّعين، لا يمكنها أن تدمج فئات واسعة ضمنها، لأنها قائمة على الانتفاع الضيّق، وعلاقات الولاء والتبعية البدائية. الفاشي كان يفكر بأمة عضوية، ودولة عضوية، فيما لا يفكّر الفاشي الرث بأبعد من الغنيمة، وتمكين سلطته للحصول عليها، ويرى في نيلها انتصار أمته وكيانه السياسي. لا يمكن اعتبار هذا عنفاً مؤسساً بشكل جدي، وقد ينجح بتأسيس فصائل مسلّحة، متعطشة للحرب والقتل، ولكنه لن ينتج قانوناً، أو مؤسسات، أو دولة، فكل هذا يتعارض مع منطق شبكات الولاء، والأوامر الشفوية، والمرونة التنظيمية للميليشيات الرثة، وميلها إلى اللامركزية، ليس بالمعنى الإداري المقونن، بل بمعنى لا مركزية إقطاعيات الحرب.
ليس كل عنف عنفاً مؤسِّساً، فهنالك عنف همجي خالص، مناهض أصلاً للقوننة، وأداء الوظائف الاجتماعية، وبناء المؤسسات الضرورية لاستمرار المجتمعات، وربما لن يفيدنا فالتر بنيامين في وصف هذا النمط من العنف، فهو لم يشاهد له شبيهاً، رغم أنه شهد في زمانه ومكانه ما هو أشد هولاً.
العنف الإلهي
أثارت فكرة «العنف الإلهي» كثيراً من الالتباس لدى قرّاء بنيامين، واعتبرها البعض دعوة طوباية تطهّرية لعنف عدمي ضد القانون؛ وحاول آخرون تأويلها أخلاقياً، إلا أن إحالاته إلى الإضراب العمالي العام، وفكر جورج سوريل، قد ينتج قراءة أكثر وضوحاً، فهو يميّز بين عدة أنواع من الإضراب، وهي «الإضراب السياسي العام» و»الإضراب القطاعي» و»الإضراب البروليتاري العام»، ويرى في النوعين الأولين إعادة إنتاج لدائرة العنف والقانون، ففي الإضراب الاعتيادي، تقونن الدولة احتجاج العمّال، ضمن روايتها عن الحقوق والواجبات، وتضبط العنف الذي قد ينتج عن الصدامات العماليّة بهيئة اتفاقيات مدوّنة، تحت غطاء قانونها وسيادتها، وبالتالي فهو نوع من المساومة تحت مظلة عنف السلطة، وإعادة إنتاجها لمجال السيادة والقانون، عبر ممارساتها السلطوية اليوميّة. أما في «الإضراب البروليتاري العام» فقد تخرج الأمور عن السيطرة، إذ قد يدمّر العمال آلاتهم، ويستولون على مصانعهم، ويصطدمون بعنف مع الأجهزة الأمنية، بل وقد ينشؤون بنى مناقضة لسيادة الدولة، مثل المجالس العمّالية، وهذا ما رآه بنيامين نموذجاً للعنف المناهض للعنف المؤسطر والمقونن، وقطيعة معه. إنه حالة انعتاق اجتماعي شامل، لا يؤسس لقانون جديد، بل يكسر الدائرة نفسها.
بالتأكيد، يبدو منظور بنيامين عتيقاً، يعود إلى عصر المعامل الانضباطية الكبرى، والإضرابات العامة في عشرينيات و ثلاثينيات القرن الماضي؛ كما أن فكرة عالم عادل، بلا قانون، أو ذنب، أو عقوبة، تبدو مربكة للغاية، وأقرب لتفكير مهدوي (ظهور المهدي أو المسيح المخلّص)، إلا أن ما أراده بنيامين كان البحث عن طريقة للخروج من عنف ساحق للبشر إلى شرط عادل، يؤمّن نجاتهم، ولذلك فإن «كسر الدائرة» ضرورة، ويتجسّد في مجموعة من الممارسات اليومية، التي تفكك تراكب العنف مع القانون، مثل رفض التجنيد والتهرّب منه، وهو ما فعله بنيامين نفسه، أثناء الحرب العالمية الأولى؛ وتحطيم الماكينات التي تخضع العمّال لعلاقات سلطة وهيمنة ورقابة شديدة الإيلام؛ ومقاطعة السلطات الفاشية، ورفض إعطائها الشرعية، والمقاومة الاجتماعية لها؛ وأيضاً التسيير الذاتي للحياة، بعيداً عن هيمنتها.
قد ينتج هذا النوع من المقاومة الاجتماعية قوانينه وسيادته في ما بعد، بل قد يميل للتسلّط والعنف، إلا أنه يبقى غير قابل للمقارنة بالفاشيات، المتطورة منها والرثّة، كما أنه يتسم بالقدرة على نقد ذاته، وتشكيل مقاومات جديدة عند الحاجة، وتوسيع مساحات المشترك بين الناس، عبر التواصل والتضامن، وليس القسر، وهي كلها إنجازات شهدتها البشرية، بفضل مقاومتها للفاشية، ولم يكن بنيامين محظوظاً لكي يعيشها. وربما لا بد من استعادتها اليوم، في عصر يشهد أنماطاً من نزع التحضر في كل مكان، فما بالك في منطقتنا. قد نحتاج إلى «إضراب عمالي عام»، بلغة بنيامين، ضد أساطيرنا الركيكة، فربما نحصل على فرصة للنجاة، لم تتح له.
كاتب سوري