يقول الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول: «إذا أردت أن تتحدث في السياسة، فعليك أن تحمل أطلساً (خريطة للكرة الأرضية)»، أي أن تكون على معرفة كاملة بالقارات والمحيطات والدول والبحار والجزر والأنهار والمضائق.
يعيش اليمن أوضاعاً إنسانية وسياسية واقتصادية كارثية نتيجة الخلافات السياسية المحتدمة والنزاعات المسلحة التي طال أمدها، لا سيما منذ اندلاع الحرب الأهلية عقب تصاعد النزاع في عام 2014 ومطلع عام 2015. هذه الخلافات والاختلافات الداخلية، التي تداخلت معها أطراف إقليمية ودولية، حوّلت البلاد إلى مسرح لواحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في التاريخ الحديث.
جماعة «أنصار الله» المعروفة إعلامياً بالحوثيين، هي حركة سياسية ودينية ومسلحة في اليمن، تحولت من كونها تمرداً محلياً في جبال صعدة إلى قوة عسكرية وسياسية رئيسية تتحكم في أجزاء واسعة من البلاد وتؤثر في الملاحة الدولية.
لن أتحدث عن البداية والحروب التي خاضتها الجماعة، ولا عن المؤسس الأول وعلاقتها بإيران، بل سأركز على الطرق اللوجستية التي تؤمنها الجماعة بالرغم من العداء السعودي – الإماراتي في وقت اندلعت الحرب بينهما باسم التحالف، وكيف أوقفت الولايات المتحدة الأمريكية معركة مدينة الحديدة ومينائها؛ الذي يمثل الشريان الرئيس للجماعة لتهريب السلاح والاتصال بالعالم الخارجي.
من منظور خرائطيٍّ ديغوليٍّ للمناطق التي تسيطر عليها الجماعة، يبدو أن هناك دعماً دولياً، أو ما يُسمّى تغاضياً عن تصرفاتها؛ وبالتالي تزيد الشكوك في أن هذه الجماعة لا تعمل وفق أجندة وطنية كما تدعي، بل وفقَ أجندة خارجية. ولو كانت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني يشتكيان من عدم شرعية هذه الجماعة، لما وافقا على هذا الحال.
يتعين على جماعة «أنصار الله» الاتعاظ من تجربة الأكراد في شمال العراق وشمال شرق سوريا وكيف تخلت واشنطن عن دعمهم بين ليلة وضحاها
تتزايد حدة المواجهات اليوم مع محاولة الجماعة الوصول إلى مضيق باب المندب بغية طردها منه لاحقاً. وتأتي هذه التطورات بعد إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي للحكومة المعترف بها دولياً، رشاد محمد العليمي (الذي يتولى منصبه منذ 7 نيسان / أبريل 2022)، في 4 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، عن إطلاق عملية عسكرية شاملة وموسعة ضد جماعة الحوثي تحت مسمى «فجر اليمن». ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري التركيز على الطرق التي يتبعها الحوثيون لتأمين السلاح رغم الحصار الخانق.
بينما تتعرض إيران – وهي في حالة «منبوذ اقتصادي» – لحصار اقتصادي خانق، تعلن الجماعة حربها على المملكة العربية السعودية، مستهدفة خط (شرق – غرب) النفطي، والأعيان المدنية، والمطارات، بل وتعدّت ذلك إلى الاعتداء على الأماكن المقدسة والمعتمرين؛ وذلك تنفيذاً لأوامر الحرس الثوري الذي يهدد صراحةً بمنعها من بيع النفط في الأسواق العالمية، وبمنع دول منطقة الخليج من بيع وتصدير منتجاتها النفطية.
بناءً على ذلك، بات جلياً أن الجماعة لم تكن محاصرة بالشكل المحكم، بل كانت على اتصال خارجي يمدها بجميع مقومات التشويش وزعزعة الاستقرار؛ ورغم ذلك، لا تزال تصف نفسها بالشرعية (أو: تدّعي الشرعية) منذ استيلائها على العاصمة صنعاء عام 2014، وتحالفها مع الرئيس الراحل علي عبد الله صالح الذي انقلبت عليه واغتالته لاحقاً.
بالرغم من نفي الجانب الإيراني صِلته بالجماعة ودعمها، تثبت تصرفات الجماعة واعتداءاتها المتكررة على المملكة العربية السعودية عكس ذلك. فثمة آلاف التصريحات لمسؤولين إيرانيين تؤكد دعمهم العلني والسري لها، إلى جانب استغلال مطار صنعاء لهذا النشاط. وأمام هذا المشهد، يتساءل المرء: أين الولايات المتحدة وعلاقاتها الجيدة مع المملكة من هذه التهديدات؟ ولماذا يمر تهريب السلاح عبر مطار صنعاء والبحر الأحمر؟
تثور الكثير من التناقضات والتساؤلات حول الموقف الأمريكي من الاعتداءات الحوثية على المملكة العربية السعودية. ولعل أولى هذه علامات الاستفهام تنبثق من الاعتراف الأمريكي بوجود قناة اتصال مع الحوثيين، وهو ما عززه سلوك الجماعة بالسماح للسفن الأمريكية والإسرائيلية بالعبور عبر البحر الأحمر مع استثناء السفن السعودية. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل بات الحوثي سلطة شرعية يمكن التعامل معها؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما المانع من فتح قنوات مماثلة مع تنظيمات مثل «داعش» لتحقيق الأهداف ذاتها وتجنب الهجمات؟
يتعين على جماعة «أنصار الله» الاتعاظ من تجربة الأكراد في شمال العراق وشمال شرق سوريا؛ وكيف تخلت واشنطن عن دعمهم بين ليلة وضحاها. وهو ما يُقدّم دليلاً واضحاً على أن ترامب لا يدعم الحركات الانفصالية، بل يوظفها مرحلياً ثم ينقلب عليها، الأمر الذي قد يجعل من معقل الجماعة في صعدة هدفاً محتملاً للوعيد بـ «أم القنابل».
٭ كاتب فلسطيني وباحث سياسي