لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “التايمز” اللندنية تقريرا لمراسلتها في تل أبيب، غابرييل واينيغر، قالت فيه إنه عندما حاول عمال بلدية فلسطينيون إعادة التيار الكهربائي إلى منازل في قرية قصرة بالضفة الغربية يوم الأحد، قاد مستوطنون إسرائيليون سيارات “الجيب” المكشوفة في حلقات دائرية حول محيط القرية، بينما دخل آخرون إليها بنيّة الهجوم.
واضطر فنيو الكهرباء للانسحاب من القرية، حيث يحاول عشرات المستوطنين الإسرائيليين المتطرفين ترهيب السكان والاستيلاء على منازل ثلاثة منهم، وذلك رغم الإدانة الدولية ومحاولات الجيش إخراجهم.
وأشارت الصحيفة إلى أن تكتيكات المستوطنين، المتمثلة في محاصرة المنازل وطرد السكان وقطع إمدادات الغذاء والمياه للاستيلاء على البيوت والأراضي، أثارت تنديدا غير مسبوق من جانب الولايات المتحدة الأسبوع الماضي، مما يشير إلى صدع قد يؤدي إلى محاولة أمريكا فرض خطتها للسلام في غزة على الضفة الغربية أيضا.
وتفيد التقارير بأن إدارة ترامب تضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإدانة هذا العنف. وقد وصف مايك هاكابي، السفير الأمريكي لدى إسرائيل والمؤيد القوي للاستيطان اليهودي في الضفة الغربية، هؤلاء المستوطنين بأنهم “إرهابيون إسرائيليون”.
ولم يقدم نتنياهو حتى الآن على إدانة علنية للعنف في قرية قصرة، التي انتشرت فيها قوات الجيش الإسرائيلي منذ يوم الخميس بهدف “حماية السكان والحفاظ على الأمن”.
ومن المرجح أنه يسعى لإرضاء قاعدته الانتخابية اليمينية وشركائه في الائتلاف الحكومي، الذين يتزعم بعضهم حركة الاستيطان، لكنه ملزم أيضا بالحفاظ على دعم حلفائه الأمريكيين، الذين يشعرون بالفعل بالإحباط إزاء سلوكه في غزة ولبنان.
وتقول الصحيفة إن الرئيس ترامب أحجم مرارا وتكرارا عن إعلان تأييده لنتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/ أكتوبر، حتى عندما سئل عن ذلك من قبل الصحافيين. ووفقا لموقع “أكسيوس” ، فقد صرح ترامب بأن نتنياهو هو “أسوأ عدو لنفسه”، كما سأله بشكل مباشر عن وضعه في استطلاعات الرأي عندما التقيا في واشنطن الشهر الماضي.
يذكر أن التأييد لحزب “الليكود”، الذي يتزعمه نتنياهو، قد تراجع خلال الأسابيع الأخيرة. ويعتزم الحزب إجراء انتخابات تمهيدية لاختيار مرشحيه يوم الاثنين، وستعتبر النتائج مؤشرا على مدى انحيازه نحو اليمين منذ عودة نتنياهو إلى السلطة في عام 2022.
وأظهر استطلاع للرأي أجرته صحيفة “معاريف” تراجعا في تأييد حزب نتنياهو هذا الأسبوع بما يعادل مقعدا واحدا، لينخفض رصيده إلى 21 مقعدا، في حين تقدم منافسه الأقوى -حزب “ياشار” بقيادة غادي آيزنكوت- ليحصد 23 مقعدا. ورغم أنه من المرجح ألا يحقق أي من الحزبين الأغلبية، فإن الزعيم الذي يحصل حزبه على أكبر عدد من المقاعد سيكون الأوفر حظا في تشكيل ائتلاف حكومي يضم أحزابا أصغر.
ويرى محللون سياسيون أن نتنياهو يقف عند منعطف حاسم، إذ تزداد هوة الخلاف بينه وبين واشنطن، فقد رفض علنا الأسبوع الماضي خطة السلام الأمريكية لغزة التي أعلن عنها ترامب. كما اتهم حزب الله -في بيان أصدره مساء السبت بشأن الحرب في لبنان- باستخدام “دروع بشرية” لتبرير شن هجوم واسع النطاق عبر الحدود، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة للتوسط من أجل التوصل إلى اتفاق سلام مع لبنان، على غرار ما يجري في غزة.
ونقل عن مايكل ميلشتاين، رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز موشيه ديان بجامعة تل أبيب قوله: “يجد نتنياهو نفسه في مأزق معقد عشية الانتخابات؛ فمن ناحية، يسعى لإظهار نفسه كقومي متشدد حافل بالإنجازات، ومن ناحية أخرى، لا يرغب في مواجهة متاعب أو إثارة توترات مع الولايات المتحدة”.
وأضاف: “يحاول نتنياهو توخي الحذر الشديد، فيروج للاستيطان ويحاول إثبات أنه الأب الروحي لمشروع الاستيطان في الضفة الغربية. لكن يبدو أن ترامب بات أقل تجاوبا وموافقة مما كان عليه سابقا إزاء ما يحدث هناك”.
بعد الانتخابات الأخيرة، شكل نتنياهو حكومة من المتوقع أن تكمل ولايتها الكاملة النادرة التي تمتد لأربع سنوات، وذلك من خلال ضم أحزاب قومية يمينية متطرفة بقيادة إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش؛ وكلاهما من قادة حركة الاستيطان التي تسعى لضم الضفة الغربية وقطاع غزة كجزء من “إسرائيل الكبرى” وتوطين اليهود فيهما.
وقد قال بن غفير، يوم الأحد، بأن على إسرائيل قتل “ما بين 30 إلى 40” فلسطينيا من سكان غزة يوميا، قائلا: “ليس فقط أولئك الذين يشكلون تهديدا مباشرا. فهناك أشخاص لا يستحقون الحياة، إنهم ليسوا بشرا حتى”. جاءت تصريحاته هذه خلال مشاركته في برنامج “بودكاست” يقدمه روم براسلافسكي، وهو أسير سابق كان محتجزا في غزة.
وبعد هجمات حماس في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أيدت الغالبية العظمى من الجمهور الإسرائيلي فرض رقابة أكثر صرامة على الضفة الغربية، باعتبار ذلك إجراء احترازيا ضد الإرهاب. وقد اقترن التوسع الاستيطاني والمداهمات الليلية وقيود التنقل بظهور ما يعرف بـ”جيش المستوطنين”، وهم مستوطنون مسلحون تمت تعبئتهم لحماية مستوطناتهم. وأدى ذلك إلى أن يكون العام الأكثر دموية بالنسبة للفلسطينيين منذ بدء الأمم المتحدة في تسجيل البيانات عام 2005.
ومع ذلك، تشير التوقعات إلى أن حزبي بن غفير وسموتريتش سيفقدان مقاعد في انتخابات تشرين الأول/ أكتوبر، وأن حزب سموتريتش قد يفشل في تجاوز العتبة الانتخابية.
وفي إشارة إلى الحدود الفاصلة مع الضفة الغربية، قال ميلشتاين: “معظم الإسرائيليين لا يعرفون ما يحدث خلف الخط الأخضر؛ فهم لم يعبروا ذلك الخط أو يزوروا تلك المناطق في حياتهم قط. وهناك أعداد متزايدة من الناس تساورهم الشكوك حول ما يسمى بـ ‘ثورة الاستيطان’ التي يروج لها سموتريتش وغيره من قادة المستوطنين، والتي تحظى بتشجيع هذه الحكومة”.
وتتهم جماعات حقوقية الجيش بالتقاعس عن التحرك أثناء هجمات المستوطنين، التي تصاعدت وتيرتها منذ هجمات حركة حماس. غير أن نقل الصلاحيات الأمنية إلى الشرطة الإسرائيلية، الخاضعة لسيطرة بن غفير، من شأنه أن يزيد من حدة التوترات.
ومع دخول الحصار المفروض على بلدة قصرة أسبوعه الثاني، رفض الجيش التعليق على منع العمال الفلسطينيين من إصلاح كابلات الكهرباء يوم الأحد.
وفي حال تصاعد عنف المستوطنين – سواء عبر فرض المزيد من الحصار على الأراضي الفلسطينية، أو شن هجمات إحراق متعمد، أو ارتكاب جرائم كراهية – فمن المرجح أن تدفع الولايات المتحدة قدما بخطتها للسلام بشأن غزة، والتي تتضمن إقامة دولة فلسطينية. وتشمل هذه الرؤية الأوسع توحيد الضفة الغربية مع قطاع غزة، وهو الأمر الذي كرس نتنياهو مسيرته السياسية الطويلة للحيلولة دون تحققه.
وفي هذا السياق، قال ميلشتاين، الذي شغل سابقا منصب مستشار الشؤون الفلسطينية لدى الهيئة المسؤولة عن إدارة الشؤون المدنية في الضفة الغربية: “يسعى المستوطنون المتطرفون للدفع نحو اتخاذ خطوات أكثر تطرفا، مما سيجعل مهمة نتنياهو في غاية الصعوبة؛ إذ سيتعين عليه الموازنة بين السيطرة عليهم وإرضاء الرئيس الأمريكي”.
وأضاف: “سنشهد المزيد من الإدانات الأمريكية، بما في ذلك احتمالية انخراط الولايات المتحدة في الشأن الداخلي للضفة الغربية، تماما كما نرى اليوم في قطاع غزة”.