لندن- “القدس العربي”: تساءل المسؤول السابق بوزارة الخارجية الأمريكية ديفيد شينكر عما إذا كانت مصر الخاسر الأكبر من الحرب الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران.
وقال شينكر، الذي يدير حاليا برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، في مقال نشرته مجلة “ناشونال إنترست” إن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد يواجه، بعد توقف الحرب، احتمالات تراجع الدعم الخليجي الذي اعتمد عليه دائما.
وأضاف أن طهران والميليشيات التابعة لها استهدفت طوال الحرب الحالية جيرانها العرب بالصواريخ والطائرات المسيرة، لكن الجمهورية الإسلامية لم تشن أي هجوم على مصر، التي تبعد 1400 ميل عن خط المواجهة. ومع ذلك، فإن الدولة العربية الأكثر عددا بالسكان لن تخرج سالمة.
وأضاف أن التكاليف طويلة الأمد للحرب على مصر قد تكون أكبر بكثير من تلك التي تكبدتها الدول العربية المستهدفة بالقصف الإيراني.
التكاليف طويلة الأمد للحرب على مصر قد تكون أكبر بكثير من تلك التي تكبدتها الدول العربية المستهدفة بالقصف الإيراني.
ومع أن الحرب لم تنته بعد، إلا أنه من الواضح بالفعل أن مصر من أكبر الخاسرين فيها.
وأضاف الكاتب أن الخاسر الأكبر هو الاقتصاد المصري، الذي كان يعاني حتى قبل الحرب من ديون متراكمة نتيجة لسوء إدارة الرئيس السيسي وإنفاقه المفرط.
وتتجاوز العملات الأجنبية اللازمة لسداد هذه الالتزامات حاليا احتياطيات القاهرة من النقد الأجنبي. ولسد هذا العجز، تصدر مصر سندات خزانة عالية العائد، إلا أن مليارات من هذه الأموال الساخنة هربت عندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل قصف إيران في 28 شباط/فبراير. وفي هذا العام، ستمثل خدمة فوائد سندات الخزانة وبقية ديون مصر الهائلة 64% من الميزانية السنوية. كما أن الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة خلال الحرب يفاقم العجز.
وأضاف أن دول الخليج ظلت دائما تنظر إلى مصر على أنها “أكبر من أن تُترك لتنهار”.
ولدعم اقتصاد مصر الهش، استثمرت دول الخليج العربي مليارات الدولارات في السنوات الأخيرة، واستحوذت على مساحات شاسعة من العقارات المطلة على الشواطئ البكر لمشاريع التطوير. وتمول الإمارات وقطر بشكل منفصل مشاريع بقيمة 35 مليار دولار و30 مليار دولار على التوالي في منطقة البحر الأبيض المتوسط، بينما تتطلع السعودية إلى مشروعها الخاص على ساحل البحر الأحمر.
وتفيد التقارير بأن الكويت تجري محادثات لتحويل 4 مليارات دولار من ودائعها في البنك المركزي المصري إلى استثمارات مباشرة أخرى، وقد بات هذا السخاء مهددا الآن في ظل الحرب.
وأدان نظام السيسي الهجمات الإيرانية على دول الخليج العربي، ودعا إلى خفض التصعيد، لكن عواصم الخليج اعتبرت إدانات القاهرة شكلية وباهتة.
والأسوأ من ذلك أن بعض التعليقات على التلفزيون الرسمي ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي من الإنترنت في مصر، الذي يخضع عادة لرقابة مشددة، أظهرت نبرة شماتة. ومن بين الأمور المثيرة للاستياء منشور انتشر على نطاق واسع على منصة إكس لوزير الخارجية المصري السابق عمرو موسى، بدا وكأنه يأسف لأن الحرب قد تفيد إسرائيل في تعزيز مكانتها الإقليمية، دون مراعاة التهديد الذي تشكله إيران.
وبعد سنوات من دعم مصر، كانت ممالك الخليج، وعلى رأسها الإمارات، تتوقع المزيد من مصر. فخلال حملته الانتخابية عام 2014، أطلق السيسي تصريحا شهيرا قال في فحواه إنه إذا تعرضت الدول العربية للتهديد، “فسنكون حاضرين، نحن على بعد خطوة واحدة”. وأعلن في عام 2018 أن بلاده الشاسعة ستحشد قواتها إذا تعرض أمن الخليج “لتهديد مباشر”.
إلا أنه وبعد أسابيع من اندلاع الحرب الحالية، كرر السيسي بفتور التزامه “بتقديم جميع أشكال الدعم اللازمة للحفاظ على أمن واستقرار” دول الخليج. ولم يقدم الدعم الكافي.
وكانت انتقادات الإمارات، البلد الخليجي الأكثر استهدافا من إيران، لمصر حادة جدا. ففي وسط القصف المتواصل، تساءل أنور قرقاش، مستشار الرئيس الإماراتي: “أين الدول العربية والإقليمية الكبرى؟ أين أنتم اليوم في أوقات الشدة؟”.
ويقول شينكر إن صمت مصر كان واضحا جدا مقارنة بالدعم الذي قدمته دول أخرى سارعت بنشر قواتها ومعداتها للدفاع عن الخليج والدول العربية الأخرى في مواجهة الهجوم الإيراني. فقد أرسلت المملكة المتحدة طائرات “يوروفايتر” إلى قطر لتعزيز سرب مشترك متمركز في الجزيرة. ونشرت فرنسا طائرات رافال في الإمارات للمساعدة في التصدي للطائرات الإيرانية المسيرة، وأرسلت مجموعة بحرية ضاربة إلى البحر الأبيض المتوسط لحماية الأردن. كما أرسلت أستراليا وإيطاليا معدات بحرية ودفاعا جويا إلى المنطقة. والأكثر إثارة للدهشة أن إسرائيل نشرت لأول مرة منظومة القبة الحديدية، التي يديرها جنود إسرائيليون في الإمارات.
كانت انتقادات الإمارات لمصر حادة جدا. ففي وسط القصف المتواصل، تساءل أنور قرقاش: “أين الدول العربية والإقليمية الكبرى؟ أين أنتم اليوم في أوقات الشدة؟”.
ونقل موقع “أكسيوس” عن مسؤول إماراتي بارز قوله: “لن ننسى ذلك”، مضيفا: “لقد كانت لحظة كاشفة حقا، كشفت لنا من هم أصدقاؤنا الحقيقيون”.
ويعلق الكاتب بأن الكثيرين لم يتوقعوا مسارعة مصر للدفاع عن الدول العربية التي تتعرض لهجوم إيراني. ورغم أنها تمتلك أكبر جيش في العالم العربي، إلا أن قدراته ونطاق عملياته محدودان. ومع ذلك، ونظرا لاعتماد مصر على دول الخليج، لم تكن توقعات الإماراتيين وغيرهم بتقديم دعم مادي فوري من مصر في غير محلها. وتشير التقارير إلى أن القاهرة نشرت أخيرا بعض أنظمة الدفاع الجوي لحماية حلفائها الخليجيين الرئيسيين في نيسان/أبريل.
وربما كان لتحرك مصر البطيء خلال الحرب تداعيات مالية طويلة الأمد. وعلى أقل تقدير، تبدو الإمارات التي استُهدفت بنحو 3,000 من أصل 7,000 طائرة مسيرة وصاروخ أطلقتها إيران في الخليج، عازمة على معاقبة القاهرة على غيابها. وكان انسحاب الإمارات المفاجئ في 28 نيسان/أبريل من منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” بمثابة رفض واضح للتكتل الاقتصادي العربي. ومن المرجح أن ينذر هذا الانسحاب بتراجع التزام الإمارات بدعم شبكة الأمان المالي لمصر.
وقد تشعر السعودية وقطر، وهما الممولان الرئيسيان الآخران للسيسي، بالإحباط نفسه، لكنهما ستكونان أقل ميلا إلى اتخاذ إجراءات عقابية. وقد انحازت مصر إلى جانب السعودية في خلافها المستمر مع الإمارات. ومع ذلك، ستدفع مصر ثمنا لذلك. فقبل الحرب الإيرانية، أدى التراجع الاقتصادي إلى تجميد أو تقليص العديد من المشاريع الضخمة في المملكة.
ويرى شينكر أن اضطراب صادرات الطاقة وتكاليف إعادة الإعمار الداخلية ستؤدي إلى تقليص كل من السعودية وقطر مساعداتهما واستثماراتهما الخارجية. ولدى دول الخليج تاريخ طويل في دعم مصر، لكن أولويتها بعد الحرب ستكون الجبهة الداخلية، وهو ما يظهر أن تردد السيسي خلال الحرب سيكلف بلاده ثمنا باهظا لسنوات قادمة.