هل حسابات الدبلوماسية المصرية في حروب المنطقة تعبير عن الجهل أم البراعة؟


لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا لستيفن كوك، الزميل في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي تساءل فيه عن طبيعة الدبلوماسية المصرية وتحركاتها من حروب المنطقة وإن كانت تعبيرا عن تحركات ذكية أم جهلا.

وقال الكاتب إنه منذ هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر والحرب المدمرة في غزة التي أعقبتها، اهتمت وسائل الإعلام العالمية  بتغطية غزة وإسرائيل وحماس ولبنان وحزب الله وسوريا وقطر وتركيا وإيران والسعودية والإمارات والحوثيين، بينما لم يسلط الضوء إلا قليلا على مصر.

وهذا أمر غريب من بعض النواحي، فمصر هي الدولة العربية الأكثر اكتظاظا بالسكان، وتملك أكبر جيش في المنطقة، ويفترض أنها الدولة الأكثر نفوذا بين أعضاء جامعة الدول العربية.

أجبرت الحروب المستمرة الرئيس عبد الفتاح السيسي على اتخاذ مواقف استراتيجية حرجة ومواقف دبلوماسية غير مستقرة

وقال كوك إن غياب مصر شبه التام عن المشهد الإعلامي في السنوات الأخيرة يمكن تفسيره من عدة نواح. فالقاهرة بعيدة عن ساحات القتال في المنطقة، باستثناء قطاع غزة. وفي ظل تحول موازين القوى الجاري في المنطقة، انتقل النفوذ شرقا من القاهرة ودمشق وبغداد إلى الرياض وأبو ظبي والدوحة.

لكن لا يعني هذا أن مصر نجحت بالابتعاد تماما عن الحروب. فقد أجبرت الحروب المستمرة الرئيس عبد الفتاح السيسي على اتخاذ مواقف استراتيجية حرجة ومواقف دبلوماسية غير مستقرة. وليس من الواضح إن كان هذا ناتجا عن قصور في الإدارة، فمصر تناور بين مطالب متضاربة ومتناقضة.

وقال كوك إن نهج القاهرة تجاه غزة يعتبر مثالا جيدا على ذلك. فبمجرد أن اتضح حجم الهجمات في 2023، سارع المصريون إلى استعراض خياراتهم. وبدا أن السيسي قد عدل رده على غزة بطريقة راعت الدعم الواسع الذي يحظى به الفلسطينيون بين المصريين، فضلا عن الشراكات الأمنية المتينة التي تربط مصر بإسرائيل والولايات المتحدة.

وعليه، فقد حذرت وزارة الخارجية المصرية من التصعيد “في أعقاب سلسلة من الهجمات على المدن الفلسطينية”، مع إشارة مبهمة إلى هجوم حماس ودعت إلى حماية المدنيين الفلسطينيين وحثت على العودة إلى عملية السلام.

وفي أيار/مايو 2024، انضمت مصر إلى قضية جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، متهمة إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية. ومع استمرار الحرب في غزة، أمر السيسي بنشر قوات عسكرية مصرية كبيرة في شبه جزيرة سيناء (فيما يعتبره بعض الإسرائيليين انتهاكا لمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية لعام 1979)، وأبقى على الحصار المفروض على غزة. وقد حقق هذا الإجراء هدفين: إظهار المصريين بمظهر القوة وضمان عدم استخدام سيناء لإعادة توطين سكان غزة. ولا شك أن الرئيس المصري يدرك الدعم الشعبي الواسع للقضية الفلسطينية والعداء لإسرائيل. ولا بد أنه يعلم أيضا أن النشاط الذي ساعد في الإطاحة بنظام مبارك في عام 2011 كانت له جذور في جماعات التضامن المؤيدة لفلسطين التي ظهرت في مصر خلال الانتفاضة الثانية.

في الوقت نفسه، يتمثل دور المصريين المحوري في مثلث إسرائيل- الولايات المتحدة- مصر، ومراقبة حركة حماس في غزة، وممارسة الضغط عليها عند الضرورة. وقد أدى المصريون دورهم عندما حذروا إسرائيل قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر من تخطيط حماس لهجوم، ويستحقون الثناء على ذلك بحسب الكاتب.

وفي ذروة القتال، واصل مسؤولو المخابرات المصرية التنسيق مع نظرائهم الإسرائيليين بشأن غزة، حيث جرت عدة زيارات متبادلة إلى القاهرة وتل أبيب. وبشكل عام، كان نهج مصر تجاه غزة تعبيرا عن جهد واسع من جانب السيسي للموازنة بين مطالب الرأي العام بالتحرك لصالح سكان غزة والفلسطينيين عموما، والحفاظ على العلاقات مع إسرائيل والولايات المتحدة. وكانت النتيجة رمزية أكثر منها فعالة.

أما فيما يعلق بطهران، فهي تقع على بعد 1,200 ميل من القاهرة. وعندما شن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عملية “الغضب الملحمي” بالتعاون مع إسرائيل في أواخر شباط/فبراير، أشارت الجغرافيا وحدها إلى أن مصر لن يكون لها دور يذكر في الحرب. يضاف إلى ذلك، التحسن التدريجي والحذر في العلاقات بين مصر وإيران في السنوات الأخيرة، ما يوضح سبب لجوء القيادة المصرية مرة أخرى إلى أساليب ملتوية في محاولة لتغطية جميع جوانبها. وخلال أشد فترات القتال ضراوة في إيران، كانت مصر جزءا من مجموعة ضمت السعودية وتركيا وقطر وباكستان، سعت إلى حل دبلوماسي للأزمة.

كان إشراك المصريين في المحادثات الهاتفية التنسيقية مع وزراء خارجية السعودية وتركيا وقطر وباكستان، بالإضافة إلى الاجتماعات العرضية فيما بينهم، بمثابة مجاملة لصديق قديم

وقال كوك إن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي دبلوماسي بارع بلا شك، لكن ليس لديه الكثير ليقدمه، وخاصة بالمقارنة مع زملائه، حيث تتمتع الدول الأخرى بنفوذ أكبر لدى إيران والولايات المتحدة أكثر من مصر وهو ما يعطيها مساحة للحوار أكبر.

ولهذا، فقد كان إشراك المصريين في المحادثات الهاتفية التنسيقية مع وزراء خارجية السعودية وتركيا وقطر وباكستان، بالإضافة إلى الاجتماعات العرضية فيما بينهم، بمثابة مجاملة لصديق قديم، وبمثابة إظهار الاحترام لمصر أكثر من كونه مؤشرا على النفوذ الدبلوماسي للقاهرة. وربما لم يكن ذلك مهما كثيرا للسيسي، بل كان كافيا على الأرجح لعبد العاطي أن يظهر بين المشاركين وبشكل يعطي انطباعا عن نفوذ مصر الإقليمي ومكانتها.

وقد نجح هذا الأمر إلى أن كشف الإماراتيون زيف ادعاءات السيسي. فقد تلقى المصريون مساعدات سخية من الإمارات منذ أن أنهى السيسي تجربة مصر في الحكم بقيادة الإسلاميين في تموز/يوليو 2013. فعندما أمطرت إيران أبو ظبي ودبي بمسيرات وصواريخ مسيرة، أظهر المصريون التضامن مع الإمارات وبدون أي تحرك عملي.

وربما ألمح الإماراتيون إلى أنهم لن يواصلوا دعم الاقتصاد المصري، وهو ما دفع هذا السيسي إلى نشر سرب من طائرات رافال المقاتلة في الإمارات وزيارة الرئيس الشيخ محمد بن زايد. وقد تناول الزعيمان الغداء في أحد مراكز التسوق بأبوظبي، وكما هو الحال مع غزة، كان المصريون يحاولون التوفيق بين مصالحهم المتضاربة.

ومن بين جميع ساحات الحرب في المنطقة، يعد اليمن والبحر الأحمر الأكثر أهمية بالنسبة لمصر، ومع ذلك لم تبذل القاهرة جهدا يذكر لإيجاد حل. ومنذ عام 2023، عندما صعّد الحوثيون هجماتهم على سفن البحر الأحمر، خسرت مصر ما يقدر بـ10 إلى 11 مليار دولار من رسوم قناة السويس، ويعتبر هذا مبلغا ضخما بالنسبة لدولة فقيرة.

وفي الأسابيع الأخيرة، تقدم الحوثيون وسيطروا على باب المندب، وزعم أن القاهرة حذرتهم من التدخل في حركة الملاحة البحرية وما توفره من عائدات لمصر. ومع ذلك، عندما توجه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة طالبا مساعدة مصرية ضد تهديد الحوثيين للمملكة وشحناتها البحرية، لم يحصل إلا على القليل من الوعود الجوهرية: مجرد كلمات تضامن ووعود بالتعاون في مجال الأمن البحري (وهو تعاون قائم بالفعل)، ومساعدة محتملة في الدفاع الجوي.

ويقول كوك إن المصريين يجب الإشادة لإتقانهم فن المراوغة. فقد عاد ولي العهد السعودي، الذي يعد بالفعل شخصية مؤثرة في المنطقة، من القاهرة خالي الوفاض تقريبا.

ويذكّر الكاتب هنا بالتجربة المصرية الفاشلة في اليمن في ستينات القرن الماضي والتي لا تزال حاضرة في أذهان المصريين. إلا أن الوضع يبدو مختلفا تماما الآن، فعندما أرسل جمال عبد الناصر قواته إلى اليمن قبل 64 عاما، كانت حربا اختيارية، إذ كان يدعم نظاما جديدا يشاركه نفس التوجهات. أما اليوم، فيتدخل الحوثيون بشكل مباشر في الاقتصاد المصري، ومع ذلك لا تقدم الحكومة المصرية سوى كلمات تضامن للسعوديين. ولا أحد يطالب المصريين بالدخول في الحرب. ولكن ماذا عن الأمن البحري أو منح السعوديين دفاعات جوية؟

وعلى أي حال، يريد الحوثيون تأكيد تميزهم البحري ضد السعوديين، وربما كان هذا مقبولا للمصريين وإن لفترة قصيرة. ومع ذلك علينا ألا ننسى طبيعة العلاقة السعودية- المصرية المعقدة. فقد اعتاد السيسي طلب المساعدة من السعودية، سواء كانت مالية أو غيرها. والآن وقد انقلبت الطاولة، فإن الرئيس المصري سيكون مسرورا. فقد تعهد الحوثيون باستهداف السفن المرتبطة بالسعودية دون غيرها. وقد تكون حسابات المصريين أن السعوديين سيلجأون إلى السلام والتوصل إلى اتفاق دبلوماسي مع الحوثيين.

ومن السهل وصف الحسابات المصرية بأنها منفصلة عن الواقع، مع أن الأدلة لا تدعم هذا الزعم. فلا يوجد حاليا في الشرق الأوسط من هو أقدر من السيسي على إدارة الأمور ببراعة، صحيح أنه لا يملك ما يقدمه على الطاولة ولكن المصريين حاضرون دائما عليها.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *