الرباط ـ «القدس العربي»: تحوّلت قضية الأطفال المغاربة القاصرين غير المصحوبين الذين دخلوا إلى مدينة سبتة خلال عملية العبور الجماعي الأخيرة، إلى قضية شائكة قد تؤدي إلى توتر العلاقات المغربية ـ الإسبانية. فبينما تطالب الرباط بالتعجيل بإعادتهم وتلوح بإمكانية تعليق اتفاق تسليم المجرمين بين البلدين، مثلما ورد في تصريحات لوزير العدل المغربي، تشهد الساحة السياسية الإسبانية انقساماً في التعاطي مع الموضوع نفسه، بين الترحيب بتوزيع القاصرين على أقاليم إسبانية أو إعادتهم إلى المغرب.
وتوضح مصادر إسبانية أن إعادة القاصرين لا تعني إمكانية تنظيم عملية ترحيل جماعي، بل قد تتخذ شكلاً فردياً حسب كل حالة، فإعادة كل قاصر تستوجب التحقق من ظروفه العائلية ومصلحته الفضلى، مع تدخل الجهات المختصة بما فيها القضاء. وهذا الموضوع يعيد إلى الواجهة ما حدث سنة 2021، حيث أعيد 55 قاصرًا من سبتة إلى المغرب، لكن العملية ووجهت بانتقادات حادة في إسبانيا، إذ وُصفت بغير القانونية لعدم احترام المساطر المطلوبة.
ووفق صحف إسبانية، تشهد مراكز الأمن في سبتة اكتظاظًا شديدًا للأطفال القاصرين الذين ينتظرون دورهم من أجل التحقق من هوياتهم وتسجيلهم، في ظروف قاسية، بسبب صعوبة حصولهم على الغذاء والمأوى، علاوة على الاعتداءات التي تعرّض لها بعضهم، وصلت حد التحرش الجنسي بالنسبة للفتيات الصغيرات، حسب تقارير محلية.
وأفادت صحيفة «إل باييس» بأن عدد القاصرين الذين جرى تحديد هوياتهم بلغ 1527 قاصرًا، مشيرة إلى أن الحكومة الإسبانية تتحدث حاليًا عن نحو 5000 شخص يحتاجون إلى دراسة وضعياتهم، من بينهم نحو 2500 قاصر غير مصحوب بذويه، و2500 شخص قد يطلبون اللجوء.
وفيما تبحث سلطات مدريد موضوع مصير القاصرين الموجودين في سبتة وإمكانية توزيعهم على المناطق الإسبانية، ترفض بعض الأقاليم خاصة تلك التي يقودها «الحزب الشعبي» بتحالف مع حزب «فوكس» استقبال القاصرين.
وكتبت صحيفة «أ ـ بي ـ ثي» أن لإسبانيا التزامات إنسانية، ولكن لديها أيضًا الالتزام الأساسي بحماية حدودها، وضمان سلامة مواطنيها، والمطالبة بتعاون فعال من جانب المغرب.
واستطردت قائلة: «إن حجم الوضع يجعل من المستحيل تصويره على أنه مجرد حالة طوارئ إنسانية. إن حماية القاصرين التزام قانوني وأخلاقي على الدولة، لكن هذا لا يُخفي حقيقة أن إسبانيا قد عانت من انتهاك غير مسبوق لحدودها الخارجية». وأوضحت الصحيفة نفسها أنه ينبغي أن تعطى الأولوية لتحديد هوية المهاجرين القاصرين، والعثور على عائلاتهم، واستكشاف السبل القانونية، مع اتخاذ كافة الضمانات اللازمة، لإعادة لم شملهم مع المغرب.
على الجانب المغربي، برزت تصريحات أدلى بها وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، لوكالة الأنباء الإسبانية «إيفي» وعدد من القنوات الدولية، وأثارت جدلًا واسعًا داخل إسبانيا وخارجها.
وعند حديثه عن ملف الهجرة غير النظامية ومعضلة القاصرين المغاربة غير المصحوبين في سبتة المحتلة وإسبانيا، انتقد وهبي ما وصفه بالتناقض في السياسات الأوروبية والإسبانية التي تمنح تسويات وضعية بالإضافة إلى لجوء لمن ينجح في الوصول إلى الضفة الأخرى، بينما يطلب من المغرب في الوقت نفسه منعهم من المغادرة، متسائلاً عن جدوى دفع الناس إلى ركوب أخطار البحر إذا كانت الوجهة النهائية مستعدة لاستقبالهم.
كما شدد وزير العدل على تمسك الرباط باستعادة أطفالها القاصرين والمراهقين ليكونوا وسط عائلاتهم ومقاعد دراستهم، بدلاً من مواجهة مخاطر الاستغلال وشبكات الاتجار بالبشر، معتبرًا فصل الأطفال عن أسرهم تحت ذرائع قانونية أو حقوقية بمثابة «جريمة»، ومنتقدًا ما وصفه بتعقيد الإجراءات القضائية الإسبانية وخضوعها أحيانًا لحسابات سياسية وانتخابية.
وإذا كان الرفض لتصريحات وهبي قد شكّل قاسمًا مشتركًا لدى عدد من الفاعلين السياسيين والحقوقيين في إسبانيا، فقد انقسمت الآراء في المغرب بين من رأى فيها دفاعًا صريحًا عن السيادة الوطنية وحماية القاصرين المغاربة، ومن اعتبر أن معالجة الظاهرة تقتضي قبل كل شيء مواجهة أسبابها الاجتماعية والاقتصادية العميقة.