تعدّ أسبوعية «لانست»، التي تأسست عام 1823، «بايْبِل» الصحافة الطبية العامة، أي مرجعها الأول وموسوعتها المنفتحة المتجددة التي ما تفتأ تعمل على نشر المعارف العلمية بين الجمهور. وأميز ما يميز هذه المجلة البريطانية العريقة أن مؤسسها توماس ويكلي قد أراد لها أن تضطلع بدور في قيادة التغيير الاجتماعي والسياسي، لا بالتعبئة الإيديولوجية أو التحرك النضالي، ولكن بالإسهام في تقدم البحوث العلمية والطبية الهادفة لخدمة الصالح العام. وقد نشرت المجلة على مدى قرنين وفرا من الأبحاث والتقارير التي عرضت اكتشافات وإنجازات حاسمة في مجال تقدم العلوم الطبية وتحسين صحة البشر. فقد كان من نتائج التقدم العلمي طيلة القرنين الماضيين أن تركيبة المجتمعات وتوقعاتها وطموحاتها قد تحولت تحولات لا سابق لها في التاريخ البشري. إذ يكفي الإشارة إلى أن الارتفاع المطرد في رجاء الحياة، أي معدل الأعمار (الذي يبلغ اليوم حوالي 74 عاما على الصعيد العالمي، وحوالي 85 عاما في أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية)، بفضل تقدم علوم الطب والزراعة، قد وضع المجتمعات المعاصرة على مفترق طرق ديمغرافي واقتصادي كبير لن تستطيع الأنظمة السياسية تحديد الاتجاه الصحيح فيه إلا إذا استطاعت التحول والتجدد بخوض الثورة الفكرية والأخلاقية التي تقتضيها الحاجة لرسم «سياسة حضارية» للإنسانية، وفق المفهوم الذي أشاعه إدغار موران.
ورغم أن تاريخ المجلة العريقة زاخر بالإنجازات، فمن الجائز القول إنها قد تفوقت على نفسها بنشرها، قبل أسبوعين، نتائج دراسة فريدة أنجزتها لجنة من 37 باحثا ينتمون إلى مجالات علمية متنوعة (الصحة، والاقتصاد، والأمن والتكنولوجيا) سعيا لتحديد المخاطر التي ستظل محدقة بالبشرية إلى نهاية القرن الحادي والعشرين. وقد شخصت الدراسة 15 خطرا كارثيا يهدد قدرة البشرية على البقاء، تأتي على رأسها السمنة، والأغذية المضرة بالصحة، وقلة الحركة، ومحدودية التعليم، وتفاوت الدخل. ويليها في الترتيب سوء الصحة العقلية، واعتلال الصحة أثناء الشيخوخة، والنزاعات المسلحة، والتدخين، وارتفاع ضغط الدم، ومقاومة المضادات الحيوية، والجوائح الطبيعية، وفرط تناول الكحول، والتغير المناخي، وتلوث الهواء بالأغبرة الدقيقة، وانهيار المساعدات التنموية في مجال الصحة وعلاج سوء التغذية لدى الأطفال. ينضاف إلى هذه المخاطر خطران آخران ينطويان على احتمال محو الإنسانية، أو جزء معتبر منها، من الوجود:
من مزايا هذه الدراسة أنها تتجاوز المجال الطبي حصرا لتشمل كل ما يمكن أن يؤثر في أحوال الصحة عالميا، بما في ذلك العوامل الاجتماعية والاقتصادية.
اندلاع نزاع نووي يؤدي إلى انتشار المجاعة، والاستخدام الخبيث للذكاء الاصطناعي.
ويلفت الخبراء الانتباه إلى أن أهمية دراسة لجنة لانست لا تكمن في تشخيص هذه المخاطر، التي هي معروفة عموما منذ زمن، بقدر ما تكمن في كونها أول تحليل كمي شامل يعمل على تقدير كل هذا الطيف الواسع من المخاطر على مدى خمسة وسبعين سنة بواسطة إطار منهجي فريد ومؤشر صحي مشترك. كما أن من مزايا هذه الدراسة أنها تتجاوز المجال الطبي حصرا لتشمل كل ما يمكن أن يؤثر في أحوال الصحة عالميا، بما في ذلك العوامل الاجتماعية والاقتصادية. أما المؤشر المشترك الذي أتاح ضبط هذا الجدول الترتيبي للمخاطر التي تهدد البشرية فهو ما يعرف بمؤشر «دالي» الذي يقيس أي عام كامل من العيش في صحة جيدة يخسره الفرد بسبب وفاة باكرة أو مرض أو إعاقة. وهذا المؤشر هو وحدة قياس وضعها الباحث كريستوفر موري محرر الدراسة القيمة «العبء العالمي للمرض» الذي حصر أهم أسباب الوفيات عالميا والذي شارك في إنجازه أكثر من 16 ألف باحث ونشرته مجلة «لانست» في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي.
وقد حددت لجنة الباحثين لكل خطر من الأخطار الـ17 المحدقة بجميع الشعوب في 204 بلدان مستقبلا محتملا في أفضل الأحوال، وآخر في أسوئها. والفارق بين السيناريو الأول والثاني يمثل الخسارة الصحية التي يمكن تجنبها باتخاذ إجراءات ملموسة تشمل مجالات التجديد والاستثمار والقرار السياسي. والغاية من هذه السيناريوهات هي تزويد أصحاب القرار بأداة استشرافية تتيح تنسيق العمل بين مختلف الأطراف من منطلق الاقتناع بأن السيناريو الأسوأ ليس محتوما. أما أبرز الأرقام الصادمة فهو أن السمنة، وتناول الأطعمة الضارة بالصحة، وقلة الحركة تسبب خسارة في الأعمار تفوق 23 مليار عام! كما أن هذه الحالات الثلاث، التي تأتي في أعلى هرم المخاطر، قد صارت فاشية حتى في البلدان الفقيرة. لهذا تؤكد الدراسة أن على الحكومات ألا تتمادى في المماطلة، وأن تبدأ باتخاذ القرارات السياسية الحاسمة الكفيلة بتجنيب الإنسانية سوء المصير.
٭ كاتب تونسي