هل الصَّمت وسيلة أم استراتيجية؟ اسأل موراكامي


هناك الكثير من الأشياء التي يصعب فهمها في هذه الحياة، لكن أصعبها تلك التي تحمل معنيين، وخاصة إن كانا متناقضين. فالشخص العادي لا يستطيع أن يحدد ماهيتها أو تحليلها لتصبح نافذة لتوجيه النقد أو اللوم، ومن ثمّ، الحكم على شخص بكل أريحية. ومن أقسى وأفضل الأمور الكفيلة بتدمير أو نجاح أي فرد «الصمت»، وسيلة قطع التواصل مع الآخرين. ويصبح الصمت أكثر غموضًا ليس فقط بملامح الوجه الجامدة، بل أيضًا باحتراف رسم أمارات على الوجه عكس ما يمكن أن يكون معتملًا داخل النفس من شعور؛ فالصمت يعطي الفرد الفرصة أن يختار الهيئة التي قد يبدو عليها دون خشية للأحكام والانتقادات.
ولفهم ما إذا كان الصمت وسيلة أم استراتيجية، يجب التفرقة بين أنواعه. فهناك الصمت العقابي المستخدم لتمرير شعور بالذنب والندم. ومن أشهر مستخدمي تلك الاستراتيجية الآباء والشريك والأصدقاء، وكذلك المقرَّبون؛ كي يُعاقب به أحدهم ليجبره على أن يندم على ما اقترف، لدرجة أنه أفضى به بأن يصمت ويحرمه من حقّ الحديث معه.
لكن الأخطر من ذاك الصنف، هو الصمت الذي يفرضه الفرد على نفسه بغرض حمايته من الأذى وقت الشعور بالخطر. والأحقر هو ذاك الذي يفرضه من لهم سطوة على الآخرين؛ فقد يجبرون فرداً أو جماعة على صمت مطبق مع التلويح بتلقِّي عقاب شديد إذا حاولوا الخروج من الصمت المفروض عليهم. وفي تلك الحالة، يصبح الصمت إجباراً وليس اختياراً؛ لأن أي بادرة للحديث أو حتى الدفاع عن النفس سوف تفضي إلى الوقوع تحت طائلة العقاب والإذلال. وتُستخدم تلك الاستراتيجية القذرة من قبل السُلطات القمعية وأجهزة المخابرات ضد ضحاياهم. وتلك هي استراتيجية عزل الضحايا نفسياً، نتيجتها ضمان الانسحاب الاجتماعي والخوف من الآخر مهما كان. ومن ثمَّ، فإن استراتيجية الصمت المفروضة من الآخر هي وسيلة لإجبار أحدهم على الخضوع والخنوع له، وتنفيذ الأوامر دون أدنى نقاش، حتى ولو كانت بعض الأمور ضد مصلحة الفرد ذاته.
لكن قد يصبح الصمت وسيلة عندما يختار الفرد ممارسته من أجل الدخول في رحلة لاكتشاف الذَّات وفهمها بعمق من أجل تحسين المهارات وتوسيع المدارك. وفي هذه الحالة، يصبح الصمت فلسفة يجب الاحتذاء بها.
ومن أفضل الأدباء الذين سبرت أعمالهم الصمت وأنواعه وطبيعته وتأثيره على الفرد من النَّاحية النفسية، الأديب الياباني هاروكي موراكامي Haruki Morakami (1949- ) البالغ من العمر حاليًا 77 عامًا. وربما قد يكون الكاتب نفسه يفضي بمشاعره الدَّاخلية، نظرًا لاختلافه الشديد عن العديد من أقرانه في اليابان، الذين دأبوا على نعته بالمستغرب أكثر منه يابانياً، وخاصة أنَّ أعماله تفيض بقضايا قلَّما يلمسها نظراؤه. ومنذ الصغر، كان «هاروكي موراكامي» مختلفًا ويميل أكثر للثقافة والأدب الغربي، وفتح له أبواب الأدب والداه اللذان يمتهنان تدريس مادة الأدب. والمدهش أنه لم يفكِّر قط في أن يكون أديباً أو تظهر عليه أمارات مبكِّرة تفسِّر صعوده إلى مصاف كبار الأدباء في اليابان. وحتى عامه التسع والعشرين، لم يكتب ولو سطرًا واحدًا. وعوضًا عن ذلك، كان يعشق الرياضة، وبدأ ممارسة رياضة الجري عند بلوغه عامه الثالث والثلاثين، إلى أن أصبح حاليًا عدَّاء بالماراثون. أضف إلى ذلك، أنه بعد التخرُّج، افتتح مقهى ملحقاً به مسرح موسيقى جاز، وكان يستمتع بإدارته، وبعد الزواج أوكل لزوجته الإدارة لخبرتها التي تفوقه في إدارة المقاهي.
وفي أحد الأيَّام، بينما كان يُشاهد مباراة بيسبول، خطرت له فكرة جعلته في حاجة ملحَّة للرجوع للمنزل لكتابتها، وكانت تلك أوَّل رواية له بعنوان «اسمع، الرياح تغنِّي» (1979)، وبعد الانتهاء منها، أرسلها لناشر واحد فقط، الذي طبعها على الفور. أمَّا المفاجأة الكبرى فكانت أنه تقدَّم بها لمسابقة، وبالفعل حظي بالجائزة. ويذكر موراكامي أنه منذ اللحظة الأولى التي أمسك فيها القلم وشرع في الكتابة، أدرك أنه وُلِد ليكون كاتبًا؛ فقد وجد الكتابة عملية ممتعة. ويحكي أنّ الكتابة كانت بمثابة فيلم متكامل الأركان يتراءى ويُعرض له وحده. ويؤكِّد موراكامي أنه عندما يكتب يُطلق العنان لقلمه كي يسطر الأحداث حسبما تنساب، ووفق رود فعل الشخوص.
ومن الجدير بالذكر أن أعمال هاروكي موراكامي حصدت العديد من الجوائز، التي بلغت 11 جائزة محلِّية وعالمية. وبدأت شهرته في جميع أرجاء اليابان مع روايته «الغابة النرويجية» Norwegian Wood (1987)، التي ارتقى بها من منزلة كاتب مغمور إلى مصاف أكبر الأدباء؛ فبسبب تلك الرواية، تذوَّق معنى احتشاد المعجبين حوله أينما ذهب. فقد افتتن الشباب بالرواية؛ لاعتبارهم إيَّاها تعبِّر عما يجيش في صدورهم. لكنه فور شهرته، فاجأ الجميع بالسفر للولايات المتحدة، وأصبح طالبًا بجامعة «برينستون» Princeton University. ومنذ ذاك الحين، فُتحت له أبواب الشهرة العالمية، وأقبل على ترجمة أعماله أفضل المترجمين الذين يعملون على ترجمة أعمال كبار الكتَّاب العالميين.
وتعدّ الكتابة النفسية المعقَّدة هي السرّ الذي أجبر أصعب النقَّاد، ممن اعتادوا انتقاده سلبًا، على مدحه والاعتراف بموهبته، وخاصة بعد روايته «حكاية الطائر الآلي» The Wind-Up Bird Chronicle (1995) التي مزج فيها الأحداث الواقعية بالخيال، ما أفرز رواية حبكتها تموج بالواقعية السحرية. ومن أعمق أعماله على الإطلاق التي تسبر ما يدور في النفس البشرية من أحداث ومشاعر، قصته القصيرة الشهيرة «الصمت» Silence (1991) التي وضعها في مجموعته القصصية الشهيرة «اختفاء الفيل» The Elephant Vanishes (1993)، والتي ترجمت للعديد من اللغات، وتم تحويل قصصها لأفلام سينمائية ومسرحية، وكذلك تحوَّلت إلى أفلام رسوم متحرِّكة.
وفكرة قصَّة «الصمت» تدور حول العزلة النفسية والتلاعب الاجتماعي، التي يهاجم فيها موراكامي ما يكمن في النفوس من شرّ وحقد، يظهران في أوقات غير متوقَّعة في شكل انتقام بارد يُنفَّذ على الأمد البعيد. وكذلك يقدح موراكامي سلوك القطيع، الذي ينساق فيه الكثيرون وراء الشرير لإلحاق الأذى بالآخرين دون مراعاة لمشاعر المكلوم؛ فكل ما يرغبون فيه هو استرضاء شخص حقود نرجسي يعاني من الشعور بالتدني.
وتدور القصة حول يافعين في المرحلة الثانوية، أحدهما الفتى «أوزاوا» الفتى الهادئ الذي يمارس الملاكمة دون أن يخبر كل أقرانه، ويعشق الموسيقى والحياة الهادئة؛ للمحافظة على نقائه النفسي. مر زمن، ثم رغب عن الظهور والتباهي؛ فهو يحاول قدر الإمكان الابتعاد عن صخب الحياة الذي سوف يضعه في العديد من المواقف التي قد تؤثِّر سلبًا على نفسيته. وعلى النقيض تمامًا زميله «أوكي»، نجم الفصل والمدرسة؛ فهو شاب يتمتَّع بالذكاء والشهرة، ومحبوب من الجميع، طلَّابًا ومدرسين، ويرغب طوال الوقت في أن يحظى بجميع الأضواء مسلَّطة عليه. وبالرغم من شعبيته الجارفة، كان «أوزاوا» يبتعد عنه؛ لشعوره بأن الفساد يكمن في نفس «أوكي».
وبداية الصدام كانت عندما أحرز «أوزاوا» أعلى الدرجات على الإطلاق في مادة اللغة الإنجليزية، التي اعتبرها «أوكي» بمثابة إهانة له ولذكائه، وينبغي أن يعاقب عليها «أوزاوا» أشد العقاب. ومن ثمَّ، أشاع «أوكي» أن «أوزاوا» أحرز الدرجة بالغش، ولمَّا تناقل الخبر، وبدأ زملاؤهما يتهامسون وينقلون الخبر. ومن ثمَّ، تجرَّأ «أوزاوا» ودافع عن نفسه بالواجهة الشجاعة، لكن «أوكي» بادر بضربه، فما كان من «أوزاوا» إلَّا أن سدد له ضربة واحدة من مُلاكم متمرِّس أوقعته أرضًا. ومنذ ذاك الحين، بدأ غلّ دفين يعتمل في نفس «أوكي» ضد «أوزاوا»، الذي انزوى مرَّة أخرى بعيدًا عن الأضواء كي لا يقع في المشاكل. لكن في النصف الثاني من السنة الأخيرة للمدرسة الثانوية، سنحت لـ «أوكي» الفرصة للانتقام من «أوزاوا» بتدميره تمامًا، وذلك عندما انتحر زميل لهما بسبب التنمُّر عليه، فأشاع «أوكي» أن «أوزاوا» هو من قتله.
المُحزن أن الجميع صدَّق رواية «أوكي» الكاذبة؛ فعامله الزملاء ببرود وتلافوا الاختلاط معه، وكذلك فعل المدرِّسون. وأمَّا الناظر فاستدعاه ووجه إليه التهم، بل ولم يستمع له، وجعله يخضع لتحقيق قاس في قسم الشرطة، حيثما تم التحفُّظ عليه. وبعدها ساءت حالة «أوزاوا» النفسية، وأهمل دروسه وتدريبات الملاكمة، لكنه يومًا تقابل مع «أوكي» في القطار، وكان الأخير يحدِّق فيه بشماتة بينما يفصل بينهما عدَّة أشخاص. فبادله «أوزاوا» التحديق به طوال الرحلة، وحينها أدرك مدى تفاهة «أوكي» وكم هو ومن يتبعونه كالقطيع لا يستحقون عناء التفكير في خبثهم وأحقادهم وشرورهم. بل وتراءى له أن الخوف بدأ يدب في نفس «أوكي» بمجرَّد خوفه من نظرته. وكحال الملاكمين، تحمَّل «أوزاوا» هجمات الآخرين عليه بشجاعة طوال النصف الثاني من العام، وبعدها التحق بالجامعة في مدينة أخرى كي يبتعد عن الجموع السَّامة.
لكن الآثار النفسية السلبية للحادثة التي كبتها لازمته طوال حياته، وأثَّرت في حياته الزوجية وسلوكه كمهندس؛ فقد آثر الصمت الذي كان يكبت به جميع مشاعره، ويتحمَّل الإساءة بابتسامة تحت ادِّعاء الحفاظ على سلامته النفسية، فاعتادت الكوابيس أن تداهمه ليلًا؛ فالتمزُّق النفسي يعتصره بالرغم تظاهره بالهدوء؛ فحادثة واحدة كفيلة بأن تدمِّر فردًا طوال العمر.
إجبار أحدهم على الصمت استراتيجية يستخدمها الفاسد والحاقد الشرير للسيطرة على من يراه أفضل منه. هدوء «أوزاوا» المشحون بالكوابيس درس يجب أن يعلِّم أي فرد ألَّا يخضع لسيطرة أحدهم مهما كانت العواقب، ويحافظ عن عادة الدفاع عن نفسه في جميع الأوقات، وعدم السقوط في بئر الصمت؛ فالانسحاب ضعف، والمحارب القوي ليس ذاك الذي يتحمَّل الضربات فقط، لكن من يصدّ الهجوم ويهاجم بضراوة حتى آخر نفس. يجب ألا تسمح لأحدهم أن يخرسك؛ فقد ولد الإنسان حرّاً، وبمقدوره اختيار طريقه ويعيش كما يروق له، حتى ولو كان حبيسًا. الانصياع للصمت ضعف، لكن إذا أردت أن تصمت أحيانًا، افعل ذلك بذكاء.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *