لا تقل ذات يوم إن “هذا مستحيل إلى الأبد” – لكن من المرجح أن خطراً واحداً على الأقل قد تراجع في الأيام الأخيرة. في الوقت الحالي، هناك شكوك كبيرة حول ما إذا كانت إسرائيل والولايات المتحدة ستستأنفان الهجوم على إيران قبل انتخابات الكنيست الثلاثاء القادم. وما زال أمر هذا الهجوم غامضاً، ويعتمد في المقام الأول على اعتبارات نتنياهو السياسية. ولكن إذا لم يحسم الأمر في الانتخابات (هذا سيناريو واقعي حسب الاستطلاعات) فاحتمالية تجدد المواجهة مع إيران ستزداد، بالتحديد في سياق الصراع السياسي على تشكيل الحكومة القادمة.
يبدو أن هناك أمراً واحداً واضحاً تماماً: حتى لو خسر نتنياهو في الانتخابات، فلا ينوي الاختفاء بهدوء، كما قال الشاعر من ويلز ديلان توماس. سيلجأ إلى كل وسيلة للاحتجاج على النتائج، أو لتجاوز تداعياتها، بغض النظر عن الضرر الإضافي الذي سيلحق بالدولة. لو كان لديه أي وخز ضمير، لمات هذا الشخص منذ زمن.
تظهر في الخلفية مسألة استراتيجية جوهرية، وهي الحملة ضد إيران. فخلافاً للتشخيصات القاطعة لنتنياهو وترامب، هذه الحملة لم تنته بنصر كامل بعد الجولة الأولى (صيف 2025) والجولة الثانية في شتاء 2026. فقد ظهر مع الهجوم الأول، عملية “شعب كالأسد”، أن كل الظروف تشابكت لصالح نتنياهو كما أراد. فبعد حوالي ثلاثة عقود من خيبة الأمل، أعطى ترامب الضوء الأخضر للهجوم، بل وشارك فيه في المرحلة الأخيرة بقصف المنشأة تحت الأرض في فوردو. كانت عملية فعالة وموجهة بدقة صدمت النظام الإيراني وتسببت بضرر كبير بالمشروع النووي، ولكنها خلفت مشكلة حادة: مخزون غير معالج يحتوي على 450 كغم تقريباً من اليورانيوم عالي التخصيب.
أما الحملة الثانية، “زئير الأسد”، فكانت لرئيس الحكومة فرصة غير قابلة للمساومة. كانت إسرائيل تستعد بالفعل لهجوم آخر في حزيران الماضي. وكانت الولايات المتحدة ما زالت مترددة عندما بدأت الاحتجاجات الواسعة في إيران في بداية كانون الثاني. قمع النظام الاحتجاجات بوحشية وقتل آلاف المتظاهرين – واقتنع ترامب أخيراً في لقائه مع نتنياهو في البيت الأبيض في 11 شباط، بالشروع في حملة مشتركة ثانية، هدفها في هذه المرة أكثر طموحاً: تغيير النظام في طهران.
مع ذلك، رغم اغتيال إسرائيل للمرشد الأعلى علي خامنئي، وتوجيه ضربات موجعة أخرى لقدرات النظام العسكرية والصناعية، لم يتخذ أي قرار في هذه المرة أيضاً. فالقيادة الإيرانية الجديدة، بقيادة ابنه مجتبى خامنئي، ترفض الاستسلام رغم الضرر الكبير الذي لحق باقتصادها. ورغم أن الأمريكيين وجدوا بالتدريج حدوداً بديلة لإغلاق إيران لمضيق هرمز، فإن حرب استنزاف طويلة الأمد بدأت، يكافح ترامب لإيجاد طريقة لإنهائها.
كانت الولايات المتحدة مترددة عندما بدأت الاحتجاجات الواسعة في إيران في بداية كانون الثاني
اعتقاد واشنطن الآن، أنه مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في 3 تشرين الثاني القادم، التي تتوقع الاستطلاعات خسارة الجمهوريين فيها، قد يسلم ترامب زمام الأمور لنتنياهو ويوافق على هجوم مشترك على إيران، حتى لو لمجرد التنفيس عن غضبه من خامنئي الابن على خلفية تعقيدات الحرب وتداعياتها السياسية داخل أمريكا. وحسب تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” أمس، فإن أمريكا وإسرائيل تعدان حقاً خطة لهجوم مشترك بعد انتخابات التجديد النصفي.
بعض المسؤولين في الإدارة الأمريكية يعتقدون أن بضعة أيام من الهجمات الكثيفة ستعيد إيران إلى طاولة المفاوضات، وتؤدي إلى تنازلات في المجال النووي. هذا التوقع لم يتحقق عدة مرات في السابق.
الأمور التي لم يتم قولها
في غضون ذلك، يتعزز وضع مجتبى خامنئي رغم اختبائه خوفاً على حياته. وحسب الاستخبارات الإسرائيلية، يقود خامنئي الموقف المتشدد في المحادثات الدبلوماسية، ويحث الشعب الإيراني على استئناف جهود التطوير في البرنامج النووي وبرنامج الصواريخ. وهذا أيضاً يفسر تكرار تصريحات نتنياهو ووزير الدفاع إسرائيل كاتس حول خطط طهران لتدمير إسرائيل، والتهديد باستئناف الحرب ضد إيران. من خلال التصريحات، يبدو أن نتنياهو يحاول ببساطة استفزاز إيران للهجوم أولاً، ما سيوفر له ولترامب الذريعة لرد عسكري شديد. لقد جرب كل شيء تقريباً باستثناء إرسال فريق الاستعراض الجوي التابع لسلاح الجو في عرض جوي فوق طهران.
في الأسبوع الماضي، صعد رئيس الحكومة لهجة التهديد وجعلها أكثر تحديداً. ففي الخطاب الذي ألقاه الثلاثاء الماضي في احتفال تخريج دورة الضباط في الأكاديمية العسكرية رقم 1، قال نتنياهو بصراحة إنه أصدر تعليماته للجيش الإسرائيلي والموساد والأجهزة الأمنية للإطاحة بالنظام في إيران. ووفقاً له، فإنها الطريقة الوحيدة “للقضاء على هذا التهديد نهائياً”، و”أطلق مجتبى خامنئي العنان، وتحاول إيران من جديد تطوير القنابل الفتاكة”. يظهر وجود قدر من التنسيق بينه وبين ترامب. فقد تم رصد تصعيد نتنياهو للخطاب الأحد بالتزامن مع نشر الرئيس الأمريكي فيلم فيديو أعرب فيه عن دعمه القوي لترشيح نتنياهو في الانتخابات.
قال نتنياهو بصراحة إنه أصدر تعليماته للجيش الإسرائيلي والموساد والأجهزة الأمنية للإطاحة بالنظام في إيران
يبدو أن تفسير أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية للمعلومات المتعلقة بإيران أقل حسماً وأقل فورية. فخلافاً لعدم مبالاته طويلة الأمد تجاه التهديد الذي برز من حماس في غزة، دأب نتنياهو على تصعيد قضية إيران. والآن، بعد فوات الأوان، يصف إطلاق الحملة الأولى في السنة الماضية كخطوة منعت إيران في اللحظة الأخيرة من امتلاك قدرة نووية عسكرية. وهذا وصف مثير للجدل بين الخبراء. وتشكك هيئة الأركان العامة جداً بشأن فرصة تغيير النظام هذه المرة بعد فشل الجولة السابقة.
من الواضح أن اعتبارات نتنياهو السياسية هي الدافع من وراء ذلك. فلو سمح له بمهاجمة إيران الآن، لأدى ذلك أيضاً إلى تأجيل الانتخابات التي لا تبشر نتائجها أنها في صالحه. ولكن شن هجوم بعد الانتخابات، في ظل مفاوضات تشكيل الائتلاف وسعي كتلة التغيير الحثيث لتشكيل أغلبية تضمن تغيير الحكومة، قد يخلق ضغطاً شعبياً على غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت للتنازل والموافقة على تشكيل حكومة وحدة وطنية مع الليكود.
عاموس هرئيل
هآرتس 23/10/2026